مغاربة العالم والانتخابات.. تصويت بالوكالة وترشيح باهت

الرباط- يستعد محمد لشيب، مواطن مغربي مقيم بدولة قطر، للمساهمة في الاستحقاقات التشريعية المقرر إجراؤها يوم 23 سبتمبر/أيلول بطريقته، بعد أن حول هوايته في الركض لمساحة يروج فيها للحزب الذي يدعمه، عبر قميص حزبه وموسيقاه الترويجية، يتابع عن كثب وسائل التواصل الاجتماعي ويسهم رقميا في الحملة عبر فيديوهاته التي تحقق مشاهدات عالية.
لكن يوم الاقتراع، لن يتمكن لشيب من التصويت بطريقة مباشرة في الانتخابات ومعه حوالي 6 ملايين مغربي موزعين في أكثر من 100 دولة.
قصص مقترحة
list of 2 itemsفكل المغاربة المقيمين خارج الوطن، لن يتمكنوا من الاقتراع المباشر في السفارات أو القنصليات، أو مكاتب اقتراع مخصصة في أماكن إقامتهم، بل سيصوتون عن طريق اعتماد وكيل في المغرب ليقوم عنهم بذلك في مراكز الاقتراع.
وكانت وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الأفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، قد أطلقت بتنسيق مع وزارة الداخلية، منصة "E-Procuration "، التي تتيح إنجاز الوكالة الخاصة بالتصويت إلكترونيا، وذلك سعيا إلى تبسيط إجراءات التصويت بالوكالة لفائدة المغاربة المقيمين بالخارج، تقول الوزارة.
فكيف تؤثر آلية التصويت بالوكالة على مصالح وحقوق مغاربة العالم؟ وهل تنجح هذه الآلية في تعويض الاقتراع المباشر؟
حق دستوري معطل
يقول صلاح الدين لمعيزي، الكاتب العام للجمعية المغربية لصحفيي الهجرة، في حديث للجزيرة نت، إن التصويت بالوكالة هو استدراك من السلطة المعنية لعدم تفعيل الفصل 17 من الدستور وتوفير إمكانية الاقتراع عن طريق السفارات والقنصليات ومكاتب التصويت في بلدان الإقامة لمغاربة العالم.
وينص الفصل 17 من الدستور المغربي على تمتع الجالية بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشيح في الانتخابات، مع التنصيص على تحديد القانون لشروط وكيفيات ممارسة هذا الحق انطلاقا من بلدان الإقامة.
إعلانوسجل لمعيزي تأخيرا في تطبيق الفصل 17 من الدستور، الذي يعطي لمغاربة العالم الحق في الترشح والتصويت. وقال إن النسيج الجمعوي والحقوقي لمغاربة العالم طالب منذ سنوات بتنزيل الفصل.
من جانبه أكد محمد لشيب أهمية تفعيل "حق دستوري أصيل للمغاربة المقيمين بالخارج "، موضحا أن هذا الحق، رغم وضوحه الدستوري، لم يتحول بعد إلى ممارسة انتخابية مباشرة وفعالة.
وقال لشيب إن تمكين مغاربة العالم من ممارسة مواطنتهم السياسية كاملة ليس امتيازا، بل هو تفعيل لحق دستوري واستجابة لتطور مفهوم المواطنة المغربية في عالم لم تعد فيه الحدود الجغرافية عائقا أمام المشاركة والانتماء.
التصويت بالوكالة
تقول وزارة الشؤون الخارجية إن منصة التوكيل تمكن المواطنين المعنيين من إدخال بياناتهم التعريفية، وإدراج المعطيات الخاصة بالوكيل واستكمال إجراءات المصادقة على الوكالة إلكترونيا.
وبعد المصادقة على الوكالة، يتعين على صاحبها تحميل نسخة منها وإرسالها إلى الوكيل، حتى يتسنى له الإدلاء بها يوم الاقتراع، مع التأكيد على أنه لا يجوز تعيين الناخب نفسه وكيلا لأكثر من مغربي مقيم بالخارج.
وبخصوص كيفية ممارسة الوكيل حق التصويت، فإنه يصوت أولا باسمه الشخصي، ثم باسم موكله إذا كان ينتمي إلى مكتب التصويت نفسه، بعد الإدلاء بالوكالة وبطاقته الوطنية. أما إذا كان الوكيل لا ينتمي إلى مكتب التصويت الذي ينتمي إليه الموكل، فيمكن للأخير التصويت باسم موكله وفق المسطرة المحددة، مع الإدلاء بالوثائق المطلوبة.
يرى لشيب أن الوكالة، مهما كانت قيمتها كآلية للمشاركة، لا يمكن أن تكون البديل الدائم عن تمكين المواطن المغربي المقيم بالخارج من ممارسة حقه الانتخابي بصفة مباشرة، ومن مكان إقامته، وبالاختيار الحر لممثليه.
بدوره يؤكد الخبير محسن الجعفري أن اعتماد التصويت بالوكالة بالنسبة إلى المغاربة المقيمين بالخارج يمثل حلا جزئيا لمطلبهم بالمشاركة، ولا يمكن أن يكون بديلا للاقتراع المباشر الذي يضمن مشاركة أوسع وتمثيلا حقيقيا.
واعتبر الجعفري، في حديث للجزيرة نت، أن التصويت ليس مجرد نقل ورقة انتخابية أو تفويض، بل هو اختيار سياسي حر وشخصي، يفترض أن يتمكن كل مواطن مؤهل من التعبير عن إرادته بنفسه، وفي ظروف تضمن له الاستقلالية والسرية والحرية الكاملة.
تمثيل مغاربة العالم في البرلمان
يقول صلاح الدين إن وجود عدد من المرشحين من مغاربة العالم في هذه الاستحقاقات مؤشر إيجابي.
وتخوض ماجدولين الروزي، مرشحة من مغاربة العالم، عن حزب العدالة والتنمية، غمار المنافسة في الاستحقاقات التشريعية كوكيلة اللائحة الجهوية لطنجة تطوان الحسيمة.
وتقول، للجزيرة نت، إن قانون الأحزاب يلزم أن ترشح الأحزاب واحدا على الأقل من مغاربة العالم، في اللوائح الجهوية، لتقريبه من البرلمان.
وتعتبر ماجدولين أن تمثيل مغاربة العالم في البرلمان ضروري من أجل الترافع عن قضاياهم، موضحة أن المغاربة يشاركون في العمل السياسي في بلدان إقامتهم، لكن تمثيلهم في المغرب يبقى ملحا.
إعلانوتؤكد الروزي أن قضايا مغاربة العالم متداخلة مع قضايا الوطن ومرتبطة بها، وأن القوانين في كثير منها غير منفصلة.
وفي الرباط تخوض سعاد فريقش غمار التنافس ممثلة عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، كوكيلة اللائحة الجهوية لجهة الرباط سلا القنيطرة. وتؤمن سعاد أن السياسة ليست وسيلة للوصول إلى السلطة، بل مسؤولية للدفاع عن كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية والديمقراطية الحقيقية.
ملفات أساسية
تنشغل ماجدولين بهموم مغاربة العالم، فهي بالإضافة إلى نشاطها الحزبي فاعلة جمعوية وأقامت في بلجيكا أكثر من 25 سنة، وتبسطها للجزيرة نت بتفاصيلها، من ملف التقاعد للراغبين في العودة للوطن من المسنين، إلى الخدمات الاجتماعية، ومشاكل امتلاك العقار، والاستثمار البسيط وتراكم الضرائب وكيف يضع البعد عن الوطن المغربي أمام مشاكل كثيرة، بالإضافة إلى خدمات القنصلية في بلدان الإقامة، واندماج جيل الهجرة المعاكسة وأبنائهم.
وتقول سعاد إنها عاشت تجربة الهجرة عن قرب، وكونها رئيسة لجمعية المغاربة في فرنسا يجعلها تدرك حجم التحديات التي يواجهها المغاربة المقيمون بالخارج، من تمييز وإقصاء وصعوبات إدارية، ومشاكل الهوية.
وتعتبر أنها ترشحت كي يكون صوت الهجرة حاضرا داخل المؤسسة التشريعية، للدفاع عن:
– التفعيل الكامل للحقوق الدستورية لمغاربة العالم.
– حماية كرامة المهاجرات والمهاجرين وحقوقهم داخل المغرب وخارجه.
– تعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة بين جميع المواطنين دون تمييز.
– بناء سياسات عمومية تجعل الهجرة رافعة للتنمية، لا مجرد مصدر للتحويلات المالية.
– تقوية الروابط بين المغرب وكفاءاته في الخارج والاستفادة من خبراتها في خدمة الوطن.
ويرى لمعيزي أن ضعف تمثيلية مغاربة العالم وعدم اهتمام الأحزاب بها ينبع من كونهم لا يمثلون بالنسبة لهم كتلة انتخابية.
ويقول إن ملف مغاربة العالم غير حاضر، لا يطرح في البرامج، وقليل من الأحزاب التي تناقشه في حملاتها، بطريقة طفيفة في بعض البرامج، وإن المؤسسات التمثيلية للجالية لا تشتغل بالشكل الكافي، والحكومات المتتالية لم تقم بأجرأة الفصل 17 من الدستور.
المكانة الاقتصادية والاجتماعية
لا يمكن مناقشة الحق السياسي لمغاربة العالم بمعزل عن مكانتهم الاقتصادية والاجتماعية، يقول الخبير الاقتصادي والسياسي محسن الجعفري إن مغاربة العالم مكوّن أساسي من مكونات الأمة، ولهم مساهمة فعالة في عجلة الاقتصاد الوطني عبر التحويلات والاستثمار والسياحة ونقل الخبرات والروابط التجارية.
وكان مكتب الصرف قد أفاد بأن تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج بلغت 74,78 مليار درهم عند متم يوليو/تموز 2026، مقابل 69.17 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. (الدولار يساوي حوالي 9.5 دراهم)
وأوضح المكتب، في نشرته الأخيرة حول المؤشرات الشهرية للمبادلات الخارجية، أن هذه التحويلات سجلت تحسنا بنسبة 8.1 في المائة على أساس سنوي.
يقول الجعفري إن هذه التدفقات لا تقتصر آثارها على دعم ميزانيات الأسر فقط، بل تساعد على تمويل الاستهلاك والتعليم والصحة والسكن، وتوفر موارد من العملة الأجنبية تدخل ضمن مصادر تمويل الواردات وخدمة الدين الخارجي.
ورقة للحكومة المقبلة
يأمل لشيب من الحكومة المقبلة والمؤسسة التشريعية فتح ورش جاد لتفعيل حق مغاربة العالم الدستوري، بما يضمن لهم حق التصويت المباشر من بلدان الإقامة، إلى جانب إيجاد صيغة مؤسساتية تضمن تمثيليتهم داخل البرلمان، بما يسمح بإيصال قضاياهم والدفاع عن مصالحهم وانشغالاتهم من داخل المؤسسة التشريعية.
وينتظر لمعيزي نسبة التصويت عبر هذه الآلية المتوفرة حاليا، حتى يمكن معرفة هل هناك تجاوب لمغاربة العالم عبرها.
إعلانأما المحلل الجعفري فيؤكد أن الجالية شريك اجتماعي واقتصادي في أوقات الرخاء والأزمات معا، وأن السياسات الموجهة إليها ينبغي أن تقوم على الاعتراف والمشاركة والمساءلة، لا على استحضار مساهمتها الاقتصادية عند الحاجة فقط.
فيما تواصل ماجدولين وسعاد حملتهما، وكلتاهما على ثقة بأنهما على دراية بمشاكل الجالية، لأنهما خبرتاها عن قرب، آملتين أن تسهم تجربتهما فيما بعد من داخل البرلمان في الإسهام في أن يتمتع مغاربة العالم بكامل حقوقهم الدستورية، وفي مقدمتها الحق في المشاركة السياسية والتمثيلية الديمقراطية.
aljazeera.net