استراتيجية بنك السودان لإصلاح القطاع المصرفي تواجه حزمة تحديات أبرزها التحول الرقمي
أمستردام: الأحد 20 سبتمبر 2026م: راديو دبنقا
تقرير: سليمان سري
أعلن بنك السودان المركزي عن خطة استراتيجية خمسية جديدة تمتد من العام الحالي 2026 حتى 2030م، بهدف إجراء مراجعة شاملة لإصلاح وتعزيز قدرة القطاع المصرفي والمؤسسات المالية وتطوير أدائها، وذلك في إطار جهود البنك المركزي لتعزيز الاستقرار المالي ورفع كفاءة الجهاز المصرفي ومواكبة المتغيرات الاقتصادية.
وتمل الخطة التي تم إعدادها في ديسمبر والمنشورة على الموقع الرسمي للبنك، معالجة التحديات التي تواجه القطاع المصرفي، إلى جانب تطوير الأنظمة المصرفية وتعزيز الحوكمة والرقابة، بما يسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتحسين الخدمات المصرفية.
غير أن الخطة تصطدم بحزمة من التحديات والمعوقات، تتمثل أبرزها في عدم قدرة البنك المركزي على السيطرة على الكتلة النقدية التي يقع نحو 98% منها خارج المصارف، بجانب عجزه عن التحكم في سعر صرف الجنيه السوداني، فضلاً عن مشاكل تتعلق بإدارة الجهاز المصرفي نفسه، الذي يعاني من تراجع رأس المال نتيجة للحرب المستمرة منذ 15 أبريل 2023م وفقدان فروعه في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
ولا تقتصر الاستراتيجية على إعادة الهيكلة؛ إذ تتضمن كذلك توجهاً نحو تسريع التحول الرقمي داخل بنك السودان المركزي والجهاز المصرفي، بهدف تحسين الكفاءة التشغيلية وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للابتكار في الخدمات والعمليات المصرفية، وفقاً لموقع “المشهد” السوداني.
إعادة صياغة تنفيذية:
واعتبر الخبير المصرفي والمالي عمر سيد أحمد أن الخطة الخمسية لبنك السودان المركزي (2026 ــ 2030م) تمثل خطوة ضرورية لتنظيم العمل النقدي والمصرفي خلال مرحلة الحرب والتعافي، لكنها تحتاج إلى إعادة صياغة تنفيذية تجعلها أكثر مرونة وواقعية، وتربط أهدافها بالموارد المتاحة والظروف الأمنية والاقتصادية المتغيرة، مشيراً إلى أنها تمثل إطاراً مهماً لاستعادة الثقة في الجهاز المصرفي وتنظيم عمل البنك المركزي خلال هذه الفترة.
وأوضح أن الخطة تتضمن محاور أساسية تغطي الاستقرار النقدي والمالي، الحوكمة، العلاقات الداخلية والخارجية، الشمول المالي، التحول الرقمي، وإصلاح المؤسسات المالية. وقال سيد أحمد إن المحاور العامة تتوافق مع احتياجات الاقتصاد السوداني، خصوصاً في ظل الحرب وتراجع النشاط الاقتصادي وتضرر البنية المصرفية، غير أنه رأى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الخطة قد تتحول إلى وثيقة عامة إذا لم ترتبط ببرامج تنفيذية محددة وموازنات واضحة ومؤشرات قياسية قابلة للتحقق.
وأشار إلى أن ظروف الحرب لا تصلح لاعتماد خطة جامدة تفترض استقرار البنية الأساسية والأمنية والاقتصادية، مؤكداً أن المطلوب هو اعتماد خطة مرنة تقوم على سيناريوهات وتتم مراجعتها دورياً وفقاً لتطورات الحرب والاقتصاد والعلاقات الخارجية.
نقاط القوة:
وحول نقاط القوة في الخطة، أشار سيد أحمد إلى أنها تتمثل في وجود رؤية خمسية توفر مرجعية واضحة لعمل البنك المركزي، ووضع الاستقرار النقدي ضمن المحاور الأساسية، مؤكداً ضرورة إدراج الحوكمة والتميز المؤسسي باعتبارهما شرطين لتحسين الأداء واستعادة الثقة.
وشدد على أهمية الاهتمام بإصلاح المؤسسات المالية وتقوية كفاية رأس المال وإدارة المخاطر والامتثال، مع الاعتراف بأهمية تطوير أنظمة الدفع والتحول الرقمي. كما دعا إلى إدراج الشمول المالي ضمن أهداف الخطة بما يساعد على خدمة الفئات المتضررة والنازحين، مع التركيز على تحسين التنسيق بين البنك المركزي ووزارة المالية والمصارف والشركاء الخارجيين، مستحسناً إمكانية استخدام الخطة كأداة للتنسيق بين السياسات النقدية والمالية والمصرفية لإعادة بناء القطاع المالي بعد انتهاء الحرب أو تراجع حدتها.
نقاط الضعف:
ولفت الخبير المصرفي والمالي إلى أن أبرز نقاط الضعف والمخاطر تتمثل في اتساع أهداف الخطة مقارنة بالموارد المالية والبشرية والتقنية المتاحة، فضلاً عن عدم وضوح الترتيب بين أهداف الطوارئ وأهداف التعافي والإصلاح طويل الأجل.
ورأى أن من بين نقاط الضعف احتمال وضع أهداف رقمية لا تستند إلى بيانات حديثة أو خطة أساس موثوقة، وضعف تحديد المسؤوليات بين البنك المركزي والجهات التنفيذية ووزارة المالية والمصارف والجهات الحكومية الأخرى، مع عدم وضوح مصادر تمويل المشروعات والبرامج الواردة في الخطة.
وأكد صعوبة تنفيذ مشروعات التحول الرقمي في ظل تدهور الكهرباء والاتصالات والبنية التحتية، واحتمال توسع البنك المركزي في أهداف لا تدخل مباشرة ضمن اختصاصه، مع استمرار خطر تمويل عجز الموازنة من خلال التوسع النقدي.
كما أشار إلى ضعف قدرة السياسة النقدية على التأثير في السوق مع اتساع التعامل خارج الجهاز المصرفي، وتراجع الثقة في المصارف وصعوبة استعادة الودائع والخدمات المصرفية، إلى جانب عدم وضوح آلية التعامل مع المصارف المتعثرة أو غير القابلة للاستمرار، وصعوبة استعادة العلاقات مع المصارف المراسلة والمؤسسات المالية الدولية، مما قد يحول الخطة إلى مجرد وثيقة إدارية لا ترتبط بالقرارات اليومية.
تقييم شامل:
وأجرى سيد أحمد تقييماً شمل محاور الخطة؛ ففي محور الاستقرار النقدي، أكد أنه يمثل الأساس الذي تعتمد عليه بقية المحاور، موضحاً أنه ينبغي ألا يقتصر على خفض التضخم بل يشمل ضبط نمو القاعدة النقدية وإدارة السيولة وسوق الصرف. وشدد على وجوب وضع حدود واضحة للتمويل النقدي للحكومة، وتطوير أدوات السياسة النقدية وتحسين إدارة الاحتياطيات الأجنبية، مع اعتماد مؤشرات إنذار مبكر للتضخم وسعر الصرف، ناصحاً بعدم وضع أهداف جامدة لخمس سنوات بل اعتماد نطاقات قابلة للمراجعة وفق تطورات الحرب.
وفي محور الحوكمة والتميز المؤسسي، أوضح أن تحسين الحوكمة يمثل شرطاً لاستعادة الثقة في البنك المركزي والقطاع المصرفي، مشدداً على تحديد الصلاحيات والعلاقات بين البنك المركزي ووزارة المالية والجهات الرقابية، وتعزيز التدقيق الداخلي والخارجي وإدارة المخاطر، وإعداد خطة لاستمرارية الأعمال وحماية البيانات والوسائط، مع نشر تقارير دورية عن الأداء وتقليل التدخلات غير المؤسسية في القرارات الفنية.
أما عن العلاقات الداخلية والخارجية، فبين أن البنك المركزي يحتاج إلى تنسيق مستمر مع وزارة المالية والمصارف والجهات الاقتصادية، وإنشاء قاعدة بيانات موحدة للقطاع النقدي والمصرفي، وتحسين الالتزام بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإعداد ملف فني لاستعادة العلاقات مع المصارف المراسلة، مع تنويع العلاقات المالية الخارجية وتنفيذ إصلاحات تُهيئ لرفع القيود.
وفي مجال الشمول المالي، رأى أنه ينبغي التركيز أثناء الحرب على ضمان الوصول إلى الأموال والتحويلات الآمنة، وتوفير حسابات دفع منخفضة التكلفة وخدمات مناسبة للنازحين والمتاثرين، مع إنشاء نقاط خدمة متنقلة وتطوير حلول تعمل في ظروف ضعف الاتصالات وتبسيط إجراءات فتح الحسابات. ودعا إلى قياس النجاح بالحسابات النشطة وحجم المعاملات وليس بالعدد المسجل فقط، وتعزيز حماية المستهلك والتوعية بمخاطر الاحتيال المالي.
وفيما يتعلق بـ إعادة الرسملة ومعالجة الخسائر، أوصى بتطبيق اختبارات ضغط مصرفية وأنظمة للتدخل المبكر، وحماية المودعين وتحديد آلية واضحة للتعامل مع المصارف المتعثرة.
الخطة البديلة المقترحة:
ووضع الخبير المصرفي والمالي حزمة مقترحات تعد كخطة بديلة للاستراتيجية التي وضعها بنك السودان المركزي، مع الإبقاء على الإطار الخماسي باعتباره رؤية استراتيجية عامة؛ حيث أوصى بإعداد برنامج طوارئ لمدة 12 شهراً يركز على إنقاذ النظام المصرفي، وبرامج تنفيذية سنوية تتضمن المشروعات والتكاليف والمسؤوليات، وخطط تشغيلية ربع سنوية قابلة للتعديل.
وأكد أهمية اعتماد ثلاثة سيناريوهات محتملة (استمرار الحرب، التهدئة الجزئية، والتعافي التدريجي)، وتحديد مؤشرات واضحة للانتقال من مرحلة إلى أخرى، وإنشاء وحدة داخل البنك المركزي لمتابعة التنفيذ تُعد تقارير دورية بما تم إنجازه وأسباب التعثر، مع ربط كل هدف بمؤشر أداء وموارد وجهة مسؤولة.
وناصحاً بإعطاء الأولوية لاستمرارية المدفوعات وحماية الودائع وإدارة السيولة قبل المشروعات التحولية الكبرى، حدد ترتيب الأولويات المقترحة في حماية استمرارية النظام المصرفي وأنظمة الدفع، وضبط السيولة والتمويل النقدي للحكومة، وحماية الودائع واستعادة ثقة الجمهور، وتقييم خسائر المصارف وأضرار الحرب، وتقوية الرقابة والحوكمة وإدارة المخاطر، وإعادة هيكلة المصارف الضعيفة وتوفير خدمات مالية أساسية للنازحين، وتأمين البيانات والبنية الرقمية وتوسيع التحول الرقمي تدريجياً، إعادة بناء العلاقات المصرفية والمالية الخارجية.
وخلص إلى أن الخطة الخمسية مناسبة من حيث المحاور العامة، لكنها تحتاج إلى تعديل أسلوب التنفيذ؛ إذ إن الخطة الثابتة في ظل الحرب لا تصلح، بينما يصلح إطار استراتيجي مرن مرتبط ببرامج سنوية وخطط طوارئ قصيرة، مع تقديم الاستقرار النقدي وحماية النظام المصرفي على المشروعات طويلة الأجل.
التحول الرقمي وإصلاح المؤسسات:
واختتم عمر سيد أحمد بالإشارة إلى أن التحول الرقمي والشمول المالي مهمان، لكن تنفيذهما يجب أن يكون تدريجياً ومتوافقاً مع واقع البنية التحتية، مشيراً إلى أن البديل الأفضل هو تحويل الخطة إلى منظومة متكاملة تضم إطاراً خماسياً، وبرنامج طوارئ، وخططاً سنوية ومراجعات فصلية.
ورهن نجاح الخطة بالاعتماد على المرونة والشفافية والتنسيق المؤسسي، واستغلال القرار الفني والقدرة على التكيف مع تطورات الحرب والاقتصاد، مشدداً على أن التحول الرقمي يبدأ بحماية البيانات والنسخ الاحتياطية ومراكز التشغيل البديلة، وتأمين أنظمة الدفع وتأجيل المشروعات التقنية المعقدة إلى ما بعد تأمين البنية الأساسية.
وأكد في ختام حديثه أن إصلاح المؤسسات المالية يتطلب تقييم الوضع الحقيقي لكل مصرف بعد الحرب، وإجراء تقييم مستقل للأصول والقروض المتعثرة والضمانات، لتصنيف المصارف إلى ثلاثة تصنيفات: قابلة للاستمرار، تحتاج إلى إعادة هيكلة أو اندماج، وغير قابلة للاستمرار.
dabangasudan.org