من الوعد إلى التنفيذ.. ما وراء البرامج الانتخابية في المغرب

الرباط- يتوجه الناخب المغربي إلى صندوق الاقتراع يوم 23 سبتمبر/أيلول الجاري، حاملا أحلاما أبسط بكثير من تعقيدات لغة برامج الأحزاب الانتخابية، بين تحسن الدخل، وفرصة شغل تحفظ الكرامة، ومرفق صحي يقرب العلاج من المواطن.
لكن الهوة الفاصلة بين إعلان وعد انتخابي وترجمته إلى سياسة عمومية تثير أسئلة أساسية عما وراء الأرقام والشعارات، والكلفة، ومصادر التمويل، والآجال، والآليات القانونية والمؤسساتية اللازمة لتنفيذها.
قصص مقترحة
list of 2 items
مليون منصب شغل
يتصدر التشغيل والقدرة الشرائية واجهة البرامج الانتخابية، في ظل معدل بطالة وطني بلغ 10.8% خلال الفصل الأول من عام 2026، حسب المندوبية السامية للتخطيط.
ويَعد حزب التقدم والاشتراكية بتوفير مليون منصب شغل خلال 5 سنوات، مع خفض البطالة إلى أقل من 10%، ورفع معدل نشاط النساء من 19% إلى 25%.
بينما يعلن حزب الأصالة والمعاصرة عن مليون منصب شغل صاف بين عامي 2027 و2031، مع خفض البطالة إلى 7% عام 2031، مقدرا الكلفة الإضافية للالتزامات الواردة في برنامجه بـ350 مليار درهم (الدولار يساوي 9.47 دراهم ). ويعتمد الحزب على أثر النمو الإضافي، ومساهمة الجماعات الترابية، وإعادة التخصيص ونجاعة الميزانيات لتمويل هذه الالتزامات.
أما حزب العدالة والتنمية، فيخص محورا مستقلا للاقتصاد والتشغيل، ويركز على تشجيع تشغيل الشباب، وتسهيل ولوج المقاولات الصغرى إلى الصفقات العمومية، ودعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، من دون تحديد رقم إجمالي لمناصب الشغل المستهدفة.
ويربط أستاذ القانون العام بكلية العلوم القانونية والسياسية رشيد لبكر، في تصريح للجزيرة نت، قابلية أي وعد انتخابي للتنفيذ بـ3 عناصر أساسية:
- الواقعية وقابلية التطبيق.
- وجود جدولة زمنية.
- مصادر مالية واضحة.
ويشرح الخبير الاقتصادي رشيد ساري أن النقاش حول التشغيل لا يمكن فصله عن فرضيات النمو والقطاعات القادرة على خلق فرص العمل، إذ إن الوصول إلى مليون منصب شغل لا يرتبط بإعلان معدل نمو مرتفع فحسب، وإنما يحتاج إلى تحديد القطاعات والاستثمارات القادرة على استيعاب هذا الحجم من الوظائف.
إعلانويضيف في حديثه للجزيرة نت أن تحسين القدرة الشرائية ورفع دخول الأسر لا يعني بالضرورة عودة الأسعار إلى مستوياتها السابقة، مشيرا إلى صعوبة تصور انخفاض أسعار بعض المواد إلى مستوياتها السابقة في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة.
بين الدعم ومعالجة أسباب الهشاشة
تتفق البرامج الاجتماعية على أولوية الحماية الاجتماعية ومحاربة الفقر والهشاشة، لكنها تختلف في طبيعة التدابير المقترحة وآليات استهداف الفئات المستفيدة.
وفي برنامج الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تبرز التزامات تتعلق بخفض الضغط الضريبي على الأجراء بنسبة 10%، ورفع دخلهم بنسبة 15%، وخفض معدل البطالة إلى أقل من 8%، وإلى أقل من 10% بالنسبة لفئة الشباب، إلى جانب تعميم التغطية الاجتماعية بنسبة 100% وإدماج 20% من المستفيدين من الدعم في سوق الشغل. كما يتعهد الحزب بدعم 100 ألف مقاولة، وتخصيص 30% من الصفقات العمومية لفائدة المقاولات المعنية.
أما حزب الحركة الشعبية، فيقترح إعادة النظر في منظومة استهداف الفئات الهشة، من خلال إلغاء المؤشر الرقمي الاجتماعي (نقطة رقمية تُمنح لكل أسرة مسجلة في السجل الاجتماعي الموحد بالمغرب لقياس مستواها المعيشي وتحديد مدى أهليتها للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي) بالنسبة إلى فئات محددة، من بينها الأرامل والمطلقات والأشخاص في وضعية إعاقة والمسنون الذين تفوق أعمارهم 60 عاما ولا يتوفرون على دخل.
كما يتضمن برنامجه تخصيص دعم قدره ألف درهم شهريا لمدة عام لفائدة حاملي الشهادات العليا الباحثين عن العمل.
وتؤكد الباحثة في العلوم السياسية مريم بلحسين أن جدية البرامج الاجتماعية تقاس بواقعية الوعود، وقابليتها للتمويل والتنفيذ، ومدى استجابتها للحاجيات الفعلية للمواطنين، مع وجود مؤشرات واضحة لقياس الأثر والمساءلة.
وتضيف بلحسين، في حديث للجزيرة نت، أن قراءة البرامج ينبغي أن تتجاوز حجم التدابير المعلنة إلى طبيعة النموذج الاجتماعي الذي تقترحه، هل يتعلق الأمر بتدبير الهشاشة من خلال آليات الدعم، أم بمعالجة الأسباب البنيوية للفقر والبطالة والتفاوتات الاجتماعية والمجالية.
وتبرز الباحثة العلاقة الوطيدة بين التشغيل والتعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي للنساء والشباب، داعية إلى مقارنة الوعود الجديدة بالحصيلة السابقة للأحزاب التي شاركت في تدبير الشأن الحكومي.
ومن جهتها، تبرز الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية مريم ابليل، في حديث للجزيرة نت، أن البرنامج الانتخابي يمثل تصورا للعمل الحكومي يراعي الاختصاصات الدستورية والمساطر التشريعية والإمكانات المالية.
وتضيف أن مشروعية الوعد الانتخابي لا تعني سهولة تنفيذه، فقد يتطلب تعديلا تشريعيا أو تعبئة موارد مالية أو تنسيقا بين مؤسسات متعددة قبل تحوله إلى سياسة عمومية.
الإنفاق مقابل النتائج
خصص قانون المالية لعام 2026 نحو 42.2 مليار درهم لقطاع الصحة، مقابل 41.5 مليار درهم للحماية الاجتماعية. وتشير معطيات الإحصاء العام لعام 2024 إلى أن 69.8% من السكان صرحوا بتوفرهم على تغطية صحية.
إعلانويقترح برنامج حزب التجمع الوطني للأحرار إحداث ما يسميها "المجموعات الصحية الترابية" في جميع جهات المملكة بحلول عام 2027، مع توظيف 5 آلاف عون صحي إضافي في العالم القروي، ورفع عدد المهنيين الصحيين من 30 إلى 45 لكل 10 آلاف نسمة بحلول عام 2030، إضافة إلى تأهيل أكثر من 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية، وفق ما يعلنه الحزب.
ويضع برنامج حزب الأصالة والمعاصرة التأمين الإجباري عن المرض في صلب التزاماته، متعهدا بمعالجة عجز يتوقع البرنامج أن يبلغ 33 مليار درهم قبل عام 2030، بدءا من قانون المالية لعام 2027، عبر التحكم في أثمنة الأدوية وتوحيد بروتوكولات العلاج، إلى جانب بناء 4 مستشفيات جامعية جهوية جديدة قبل نهاية عام 2028.
ويستحضر الخبير الاقتصادي أمين سامي -في تصريح للجزيرة نت- معطيات دولية تشير إلى أن الأسر المغربية تتحمل مباشرة نحو 37.25% من الإنفاق الصحي الجاري (وفق قاعدة بيانات البنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية لعام 2023)، وأن نسبة من هم في سن 60 عاما فما فوق ارتفعت من 9.4% عام 2014 إلى 13.8% عام 2024، وهو "ما يفرض ضغطا متزايدا على النظام الصحي في السنوات المقبلة".
ويبرز أن معيار الإصلاح الصحي لا يتوقف عند حجم الإنفاق، وإنما عند الأثر الذي يحدثه.
ويعيد لبكر بعض الوعود الصحية إلى مسألة الموارد البشرية المتاحة فعليا، مشيرا إلى أن توسيع الخدمات يظل مرتبطا بتوفر الأطباء والممرضين والتقنيين، حتى داخل المستشفيات الجامعية الكبرى.
ويحضر التعليم بقوة في البرامج الانتخابية، لكن الأولويات تتوزع بين مداخل مختلفة، بعض الأحزاب يبدأ من المدرسة العمومية وجودة التعليمات، وبعضها من الموارد البشرية وأعداد الأساتذة والحجرات، وبعضها من التحول الرقمي وإدماج الذكاء الاصطناعي، في حين تربط أحزاب أخرى الإصلاح بالتكوين المهني والجامعة والبحث العلمي.
ويقول سامي إن المفارقة تكمن في تحقيق المغرب تقدما كبيرا في الولوج إلى المدرسة، لكن التحدي أصبح هو الانتقال من تعميم التعليم إلى تعميم التعلم والجودة والمهارات.
أي موقع للثقافة؟
تختلف البرامج في موقع الثقافة داخل تصوراتها، فبعضها يمنحها محورا مستقلا، بينما يدرجها بعضها ضمن الهوية أو يوزعها على محاور متعددة.
ويقول الباحث في الصناعات الثقافية والإبداعية عبد اللطيف الحاجي للجزيرة نت إن دراسته عن "الثقافة في البرامج الانتخابية لتشريعيات عام 2026" اعتمدت منطقا إجرائيا يركز على الثقافة بوصفها سياسة عمومية، لا مجرد خطاب احتفائي.
ويشير إلى أن الثقافة لا تزال حاضرة في جزء من البرامج بوصفها خطابا أكثر منها سياسة عمومية مكتملة الأدوات، في حين يطرح تقييم حضورها أسئلة تتعلق بالميزانية والتشريع والحكامة والتشغيل وآليات التتبع.
ويصنف الحاجي برنامج حزب العدالة والتنمية ضمن النمط الذي تحضر فيه الثقافة كجزء من محور الهوية، لا كمحور قائم بذاته كما هي الحال في برامج أخرى.
يقدم برنامج التقدم والاشتراكية تصورا ماليّا يتضمن 20 مليار درهم (نحو 2.1 مليار دولار) على 5 سنوات، و400 فضاء ثقافي جديد، وألف مقاولة ثقافية، و12 مدينة للإبداع الجهوي، إلى جانب صندوق للاستثمار في الصناعات الثقافية.
وبدوره، يقترح تحالف اليسار رفع ميزانية الثقافة إلى 1% من الميزانية العامة في أفق عام 2031، مع إحداث مكتبة ومركز ثقافي عمومي مجاني في كل جماعة، وتغطية صحية وتقاعد للفنانين.
أما الشاعر والفاعل الثقافي مراد القادري، فيرى أن الممارسة اليومية للأحزاب المغربية تكشف محدوديتها في الترافع عن الثقافة وجعلها في صميم برامجها، رغم القناعة المعلنة لديها جميعا بأهميتها في مسارات التنمية.
إعلانويضيف للجزيرة نت أن اختبار هذا الاهتمام لا يقتصر على ما كتبته الأحزاب في برامجها، بل يشمل أيضا موقعها في العمل البرلماني، من خلال عدد الأسئلة البرلمانية والمبادرات التشريعية المتعلقة بالثقافة، وموقفها من تفعيل المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، الذي لم يظهر له أثر إلى اليوم رغم النص عليه في دستور عام 2011.
من البرنامج إلى التنفيذ
يرتبط تحويل البرامج إلى سياسات عمومية بالاختصاصات الدستورية والموارد المالية والمساطر التشريعية والقدرة على التنسيق بين المؤسسات.
وتوضح ابليل أن الانتقال من البرنامج الحزبي إلى البرنامج الحكومي يكتسب أهمية خاصة بعد تشكيل الحكومة، إذ يصبح البرنامج الحكومي الإطار الذي تترجم داخله الالتزامات وفق المقتضيات الدستورية والقانونية.
ويرى ساري أن اختبار الوعود الانتخابية لا يرتبط فقط بالأرقام المعلنة، وإنما يطرح أيضا سؤال مدى اعتماد البرامج على النموذج التنموي الجديد في أفق عام 2035 باعتباره خارطة طريق، إلى جانب ما يصفه بغياب حديث مفصل وموضوعي عن التحديات المناخية والجفاف والكوارث الطبيعية التي قد تواجه المغرب مستقبلا.
بعد تشكيل الحكومة، يمكن العودة إلى الوعود نفسها بالأسئلة ذاتها: ما الذي تحقق؟ وكم كلف؟ ومن نفذه؟ وفي أي أجل؟ وما النتائج التي أمكن قياسها؟ عندها يصبح الانتقال من البرنامج الانتخابي إلى التنفيذ قابلا للمتابعة والمساءلة، وتتحول الأرقام من وعود إلى التزامات قابلة للاختبار على أرض الواقع.
aljazeera.net