مساعد بن عبد الرحمن... جسر بين جيل الإمام ودولة المؤسسات

جاء توجيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، المبني على اقتراح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بإطلاق اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن على الجامعة الإلكترونية، والمملكة العربية السعودية تستعد للاحتفال بذكرى يومها الوطني في «الأول من الميزان»، الثالث والعشرين من سبتمبر (أيلول).
ومن الموافقات التاريخية أن قرار مجلس الوزراء، الذي ثبّت الثالث والعشرين من سبتمبر يوماً وطنياً صدر عام 1965، والأمير مساعد يومها عضو في مجلس الوزراء، ثم يأتي اليوم إطلاق اسمه على الجامعة السعودية الإلكترونية متزامناً مع ذكرى اليوم الوطني.
كما جاء التوجيه الملكي ليعيد ذكرى أحد رجالات الدولة الكبار، ورائد من رواد الفكر والسياسة والإدارة السعودية الذي توفي قبل نحو 40 عاماً (ديسمبر 1986)، ولم يكن حريصاً على نشر سيرته، ناهيك عن مذكراته أو ذكرياته.
أما ما يتوفر عنه في أرشيفات الصحافة فلا يتجاوز الأخبار الرسمية، وأبرز من كتب عنه الدكتور عبد الرحمن الشبيلي الذي حاوره في مقابلات تلفزيونية، ثم نشرها في كتاب ضمنه بعض شهادات معاصريه، وغطّى جوانب من سيرته. وأَحسبُه الكتاب الوحيد الذي تناول سيرة الأمير مساعد ومسيرته، لذا لا أستغرب عدم معرفة أكثر جيل اليوم من رجال ونساء الإدارة والسياسة السعودية بالأمير مساعد، ومسيرته السياسية والإدارية. ولعل بعضهم أول ما سمع عنه عندما أثنى سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في مقابلة تلفزيونية عام 2021، على رؤيته الاستشرافية، واقتراحه قبل عقود طويلة تطوير المجمعات السكنية من قبل الدولة، لا من القطاع الخاص؛ وهي الفكرة التي جوبهت آنذاك بمعارضة من بعض الوزراء والمسؤولين.

وليس غريباً أن تأتي فكرة تكريم ذكرى الأمير مساعد بن عبد الرحمن بإطلاق اسمه على جامعة كان إنشاؤها قبل 15 عاماً رؤية استشرافية لمستقبل التعليم، كما أحيا الأمير محمد رؤية عمّه مساعد الاستشرافية بتأسيس شركة روشن التابعة لصندوق الاستثمارات العامة.
وكأن صانع «رؤية المملكة 2030» أراد بهذا التكريم أن يقول إن كل صاحب رؤية استشرافية وعمل دؤوب لخدمة الوطن سيحظى بالتكريم، ولو لم يحن أوان تنفيذ رؤيته بعد.
شخصياً لا أعُد الأمير مساعد وزيراً أو رجل دولة فحسب، بل أراه أيضاً أحد مفكري الدولة الذين كان لهم إسهامهم الرفيع ومشاركتهم الفاعلة في مرحلة تحولات ومتغيرات تطلبت إعادة هيكلة عمل الحكومة وآليات اتخاذ القرار، إذ كان له منهجه الذي أصبح من قواعد العمل الحكومي السعودي، كما يصف ذلك أحد أبرز مساعديه وخليفته في وزارة المالية الشيخ محمد أبا الخيل: «كان ينظر للوظيفة العامة من خلال أسس شرعية، تعني أن الموظف العام مؤتمن على تطبيق القواعد العامة الموضوعة لتحقيق العدالة... وهذا الأسلوب أصبح منهجاً أو مدرسة في الإدارة الحكومية يتلخص أسلوبها في الالتزام بمفاهيم وقواعد الخدمة العامة ومراجعة مواضيع البحث بوضوح مهني مباشر. وكان شديد الإصرار على أن يقول رأيه بشكل مباشر، وأن يدافع عنه بوضوح، ثم يلتزم بما يتقرر ويطبقه بدقه، ويطالب من يعملون معه الالتزام بهذه القاعدة».

وأجمع عارفوه على اتصافه بالحكمة وبعد النظر والذكاء، والبعد عن المظاهر، والنزاهة والصدق وتحري العدل، وعمق الرؤية وسعة الثقافة وتنوعها، وغزارة التجربة، والواقعية، والقدرة على التحليل.
أما عن تكوينه العلمي والثقافي، فقد درس في كتّاب ابن مصيبيح، ثم على يد علماء الرياض. يقول الشيخ محمد بن جبير: «إن الأمير مساعد طلب العلم عند كثير من المشايخ، ومنهم الشيخ محمد بن إبراهيم، وكان يحضر في حلقاتهم دارساً أو مستمعاً، فهو معدود من طلبة العلم، لذا لا يشتطون أو يخالفون، كما استفاد من مكتبته ومطالعته كتبها المتنوعة ومحاوراته لزوارها من طلبة العلم والسياسيين والمثقفين والمؤرخين. إضافة إلى لقاءاته الفكرية التي يعقدها في منزله مع العلماء والأدباء والمثقفين، وتدور فيها مناقشات ومطارحات تنم عن سعة استيعابه وتنوع معارفه وعمق تفكيره».
أما المكتبة فمقرها في طرف منزله الواقع في حي الحلة داخل سور الرياض القديمة ثم انتقلت إلى منزله الجديد بحي الشميسي، وتعدّ أول مكتبة خاصة تفتح للجمهور في الرياض عام 1944 وحرص على تزويدها بالكتب النادرة والمتنوعة والمجلات والإصدارات الحديثة. وعلى رغم ذلك كله فإنه رغب في الاستزادة من التعلم من خلال الأشرطة والبرامج التعليمية التي توفرها هيئة الإذاعة البريطانية. هذا كله، علاوة على الاستعداد الفطري، ما يجعلنا أمام شخصية ذات تكوين فكري واسع، تجاوز حدود التأهيل التقليدي لرجل الإدارة في ذلك الزمن.
ويكشف ذلك عن تكوين فكري فلسفي مركب جمع بين التأسيس الشرعي والعمق المعرفي والتعلم الذاتي والانفتاح على ثقافة العصر. من جانب آخر، يمكن رؤية هذا التكوين المتداخل (دروس المشايخ، والاطلاع المبكر على المطبوعات الحديثة، والمطارحات الفكرية، والتعلم الذاتي)، وتأثيره على شخصية الأمير مساعد التي تعددت أبعادها وجمعت بين الانضباط الشرعي والرؤية الواسعة والصرامة الإدارية.

وعلى رغم الخلفية الشرعية للأمير مساعد، ووصف أبا الخيل له بأنه فقيه ورجل اجتهاد شرعي، فإنني لاحظت اتسام شخصيته بقوة الحجة مع قوة الشخصية، وجمعه بين الهيبة والتواضع، والبساطة والصرامة. كما رأيت في فكره جانبين قلما توفرا في كثير من رجالات الزمن الذي عاش فيه...
أولهما الحس القانوني، الذي لاحظته من خلال حضوري بعض مجالسه في الطائف والاستماع لأحاديثه ورؤاه، تؤيد ذلك بصمته التنظيمية في الأجهزة التي تولاها، والتي ما زال أثرها باقياً حتى اليوم، ويبرز ذلك تحديداً في ديواني المظالم والمراقبة العامة، ثم في وزارة المالية، إضافة إلى شهادة الشيخ صالح الحصين الخبير القانوني لوزارة المالية في عهد الأمير مساعد: «كان في نقاشه حول الفقه أو (القانون) أو الاقتصاد أو السياسة كثيراً ما يحرج - بمعارفه – ذوي الاختصاص من الخبراء الأجانب الذين قد يكونون في البداية متعالين بخبراتهم، ثم يجدون أنفسهم أمام رجل محيط بالأمور، متفهم لأبعادها».
أما ثانيهما فهي النزعة الإصلاحية من خلال مشروعه الفكري الذي تمثل في أفكاره ورؤاه تجاه الإصلاح وتجديد الفكر وتطوير المجتمع؛ فالرجل منذ صغره مهتم بالصالح العام ومستقبل الأمة، وهو لم يكن مُنَظِّراً، فقد حاول تطبيق ما يدعو إليه، ليس في حياته الخاصة فحسب، بل في كل المسؤوليات والمهام التي أوكلت إليه، واستمر على ذلك طوال حياته.
اللافت في ذلك أنه في عام 1940 وهو في العشرينات من عمره، حرّر رسالتين بثّ فيهما بعض أفكاره ورؤاه، وأحسبهما بداية التأسيس لمشروعه الفكري. أما العنوان الذي اختاره للسلسلة الفكرية التي بدأ في نشرها وكان ينوي الاستمرار في إصدارها «نصيحة إلى إخواني في الدين والنسب»، وجاءت الرسالة الأولى بعنوان «الغايات التي يرمي إليها الإسلام وموقفنا منها وبيان ما يجب عمله»، والثانية بعنوان «في التربية والتعليم»، ونادى فيهما بالإصلاح العام ونهضة المجتمع، ومواكبة العصر، وتطوير التعليم ووجوب تعلم الفنون والعلوم، وتشجيع النشر وفتح أندية عامة، وإنشاء مدارس للبنات ونوادٍ خاصة للنساء، وغيرها من الأفكار التي لم تكن محل ترحيب في ذلك الوقت، فتوقف عن إصدار مزيد منها.
واللافت هنا ليس الأفكار وحدها، بل تاريخ طرحها، فبعض ما دعا إليه في مطلع الأربعينات لم يصبح جزءاً من التحول الاجتماعي والتعليمي إلا بعد سنوات طويلة، ومن هذه الزاوية يمكن فهم وصف أفكاره بأنها تجاوزت البيئة الزمنية التي ظهرت فيها.
يقول الدكتور عبد الرحمن الشبيلي إن الأمير مساعد في طرقه واستعراضه لمواضيع الرسالتين، اتبع منهجية المؤرخين وعلماء الاجتماع في اعتماد فلسفة التاريخ، مع استنتاج العبر من دراسة الأسباب والمؤثرات، وإن ما حوتاه من فكر مستنير، وآراء متطورة، تجاوز بهما العصر الذي كتبتا فيه، والمحيط والبيئة اللتين ظهرا فيهما.
أما مشواره السياسي والإداري فبدأ بحضور مجالس الملك عبد العزيز، ثم الملك سعود، مع كبار المستشارين من دون تعيينه رسمياً، وأول منصب تولاه هو رئاسة ديوان المظالم (أكتوبر - تشرين الأول 1954)، ثم مراقبة حسابات الدولة (يونيو - حزيران 1957)، فمستشاراً للملك، ووزير دولة، وعضواً في مجلس الوزراء (أغسطس - آب 1957)، إلى جانب رئاسته لديواني المظالم والمراقبة العامة، فوزيراً للداخلية (يوليو - تموز 1960)، ثم وزيراً للمالية والاقتصاد الوطني (مارس - آذار 1962) حتى طلبه الإعفاء (أغسطس 1975)، وخلال هذه المسيرة كلّف بعدد من المهام السياسية، ورأس عدداً من المجالس واللجان. منها؛ اللجنة الخاصة، وكذلك لجنة الشؤون الإسلامية في الديوان الملكي.
بيد أن هناك 3 محطات لافتة في مسيرته السياسية والإدارية، تدل كلها على قدراته الفكرية ومكانته السياسية، وتعكس ملامح من شخصيته، ومع ذلك لم يُلقَ الضوء عليها...
الأولى: ترشيحه لوزارة المعارف في عهد الملك عبد العزيز، إذ طلب منه الملك إبداء ما يريده، يقول الأمير: «فعرضت بعض الأمور التي يتوقف عليها نجاحي، لكن الحساسيات كانت كثيرة في ذلك الوقت أمام الإصلاح والتغيير في التعليم، فجُمد الوضع».
الثانية: رئاسته مجلس الوزراء بالنيابة، ونصّ البيان الصادر من ديوان رئاسة مجلس الوزراء عن توكيله للقيام بعمل رئيس المجلس الأمير (الملك) فيصل أثناء غيابه في رحلته الاستشفائية بسويسرا (أكتوبر إلى ديسمبر - كانون الأول 1959)، وأحسب الأمير مساعد الوحيد الذي حمل لقب رئيس مجلس الوزراء بالنيابة.
الثالثة: أنه تولى رئاسة لجنة إعداد النظام الأساسي للحكم، المشكلة بقرار من مجلس الوزراء بعد إعلان البيان الوزاري المعروف ببرنامج النقاط العشر (نوفمبر - تشرين الثاني 1962). اللجنة ضمّت في عضويتها: الوزراء إبراهيم السويل وأحمد زكي يماني وعبد الرحمن أبا الخيل، والقاضي الشيخ محمد بن جبير، وعضو مجلس الشورى أحمد محمد جمال. ويظهر لي أن اللجنة استكملت عملها وأعدت مشروع النظام إلا أن الظروف وقتذاك لم تكن مواتية لإقراره.
ذلكم هو الأمير المفكر مساعد ابن الإمام عبد الرحمن، الذي كان جسراً بين جيل الإمام وجيل الوزارة، الوزير في دولة المؤسسات، والمفكر الذي أسس قواعد ونظريات للعمل الحكومي ما زال العمل بها قائماً، وكتب مبكراً في الإصلاح والتطوير والتربية، والمثقف الذي فتح مكتبته الخاصة للعموم، قبل أن تفتح المكتبات العامة، والفقيه المتبحر في علوم الشريعة ومقاصدها، الذي أسّس ديواني المظالم والمراقبة، قبل أن يصبح القضاء الإداري والرقابة المالية تقليداً راسخاً، وأدار المالية أكثر من عقد، في أهم سنوات بناء الاقتصاد الحديث، علاوة على أنه كان جامعة تخرج فيه كبار رجالات الدولة، من دون أن يحصل على شهادة جامعية.