خبر ⁄سياسي

نقابة الصحفيين وتحالف صمود .. بعيدا عن التضليل

نشر:آخر تحديث:

 

نقابة الصحفيين وتحالف صمود .. بعيدا عن التضليل!
رشا عوض

المزعج في خروج نقابة الصحفيين من تحالف صمود ليس قرار المغادرة نفسه، بل السردية المصاحبة للقرار والتي يرددها بعض الزملاء والزميلات ممثلة في ان وجود النقابة في تحالف سياسي يتعارض مع تقاليد العمل النقابي وينتقص من المهنية والاستقلالية بتسييس العمل النقابي ، وهذا حديث لا اساس له من الصحة للأسباب التالية:
اولا: انخراط جسم نقابي للصحفيين في تحالف سياسي ليس بدعة ، فنقابات واتحادات الاعلاميين حول العالم تشارك بفاعلية في التحالفات السياسية ولا سيما في الدول التي تجتاز مراحل نضال من اجل التخلص من نظام استبدادي، او انجاح مشروع تحول ديمقراطي او السعي للسلام ، وحتى في الديمقراطيات المستقلة تلعب نقابات واتحادات الاعلاميين دورا سياسيا عبر انتظامها في جماعات الضغط ومشاركتها في صنع السياسات البديلة، فما المشكلة في ان تكون نقابة الصحفيين جزء من تحالف عريض يعمل من اجل السلام واستعادة الانتقال المدني الديمقراطي؟ والغريب في الامر ان رأس الرمح في عملية خروج النقابة من صمود هم الزملاء في شبكة الصحفيين التي كانت جزء من تجمع المهنيين وضمنا جزء من قوى اعلان الحرية والتغيير ! فلا توجد اي بدعة جديدة بخصوص المشاركة في التحالفات السياسية.
ثانيا : خروج النقابة من صمود لم ولن يبعدها من التسييس، بل ان الخروج نفسه قرار سياسي، ومن دفعوا في اتجاهه فعلوا ذلك مدفوعين باجندة سياسية ولا ينطبق عليهم ابدا الحياد السياسي المزعوم، ما حدث بالضبط هو انتقال من موقف سياسي الى موقف سياسي اخر.
ثالثا: هناك تضليل كثيف يحيط بقضية علاقة الصحفي بالسياسة ، وفي هذا السياق يتم الخلط بين مصطلحي: الحياد والاستقلال ، ودائما يتم التعامل مع الحياد كقيمة ايجابية فيتم تعريف الصحفي الجيد بأنه هو الصحفي المحايد! والصحيفة الجيدة هي الصحيفة المحايدة! وهذا خطأ شائع !
في الحقيقة الحياد في المؤسسات الصحفية وفي العمل الصحفي مستحيل!! وان وجد فهو عيب وليس ميزة!!
المطلوب من الصحفي هو الاستقلال والمهنية، اي ان ينقل الحقيقة بمصداقية ودقة وموضوعية ونزاهة، وان يلتزم بالتوازن في عرض وجهات نظر الاطراف ذات الصلة بالخبر او التحقيق او القضية المطروحة للنقاش، فلا تؤثر انحيازاته الذاتية سواء كانت سياسية او ايدولوجية او مصلحية او مزاجية على التزامه بالقواعد المهنية في نقل الاخبار للجمهور ، وان لا يجعل عمله الصحفي رهينا لتوجيهات حكومة او حزب سياسي او مؤسسة اقتصادية، وهذا معناه ان المطلوب من الصحفي هو الاستقلال وليس المطلوب منه ان يكون محايدا سياسيا ، فالصحافة بطبيعتها ليست فعلا محايدا ، بل هي سعي مقصود لاحداث ” فارق ايجابي” في حياة كل مجتمع حسب معطيات سياقه السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي ، فالصحفي لا يمكن ان يكون محايدا بين الدكتاتورية والديمقراطية، لان اكسجين حياة مهنته هو حرية التعبير وحرية الصحافة التي لا تتوفر الا في نظام ديمقراطي، ولا يمكن ان يكون محايدا بين الحرب والسلام، والصحافة اساسا وسيلة تغيير سلمي، لا يمكن ان يكون محايدا بين الجلاد والضحية وهو اساسا محامي المجتمع امام السلطة ، لا يمكن ان يكون محايدا تجاه انتهاكات حقوق الانسان او تجاه الفساد او تجاه العدوان على البيئة او تجاه العنصرية وخطاب الكراهية. باختصار لا توجد صحافة محايدة بمعنى خاوية سياسيا او منزوعة الرؤية ، وان وجدت فهي صحافة لا قيمة لها ولا اثر .
رغم ان الصحافة الخاضعة للانظمة الدكتاتورية هي ابعد ما تكون عن المهنية والاستقلال إلا انها وفي سياق تزييفها للوعي في الوسط الاعلامي تجتهد في التعبئة السلبية ضد الصحفيين ذوي التوجهات الديمقراطية والحقوقية المعارضة للسلطة على اساس انهم غير مهنيين ومسيسين ، ويجب ان لا يفوت على فطنة اي صحفي ان هذه التعبئة السلبية نفسها تنطلق من ارضية مسيسة للنخاع! وان ذبح المهنية يتم في جبهة صحافة النظام الاستبدادي الفاسد .
يظل قرار خروج اي نقابة من تحالف سياسي او الاستمرار فيه قرارا يعود لتقديرات عضويتها ومؤسساتها ، فلا مشكلة خطيرة في ذلك ، ولكن المشكلة الحقيقية في تزييف الوعي ومحاولة تخويف الاجيال الجديدة من الصحفيين من الانخراط الواعي في الحراك السياسي الديمقراطي، ومحاولة ايهامهم بانهم لا يكونون صحفيين جيدين الا بالحياد في وقت الازمات الوطنية الكبرى ، ولا يكونون مهنيين الا بقدر ما يتصفون به من عمى سياسي كامل للدرجة التي تجعلهم عاجزين عن اكتشاف الاجندة السياسية” الموغلة في السياسة” التي يضمرها من يستميتون في جرجرتهم الى الحياد السياسي المزعوم !

altaghyeer.info