البرهان يعرض تسوية جديدة.. ولكن مع من
البرهان يعرض تسوية جديدة..
ولكن مع من؟
أحمد عثمان جبريل
❝السلام لا يبدأ من رسم ما بعد الحرب.. بل من الجلوس مع من يملك قرار إيقافها❞
تقول الحكاية، إن حرب البوسنة والهرسك، التي أكلت الأخضر واليابس وشردت نحو مليوني إنسان، وصلت في خريف 1995 إلى محطة التفاوض.. وفي دايتون جلس ممثلو الأطراف المتحاربة إلى مفاوضات مكثفة، ثم وُقع اتفاق السلام في باريس في ديسمبر من العام نفسه.. لم تكن الطاولة تبحث عن شكل الدولة فقط؛ كان وقف القتال وترتيباته جزءاً أصيلاً من الاتفاق، ثم جاءت ترتيبات التنفيذ الدولية.
ومن البوسنة نعود إلى السودان..
(1)
أمس الاثنين كتب عبدالفتاح البرهان في (فورين بوليسي) مقالاً بعنوان (كيف نجلب السلام إلى السودان؟). طرح فيه وقفاً دائماً لإطلاق النار، وإزالة المقاتلين والأسلحة من المناطق المدنية بمساعدة الأمم المتحدة، وجيشاً وطنياً واحداً تحت إشراف مدني، وحواراً سودانياً، ودستوراً وانتخابات.. و في مقاله طالب البرهان المجتمع الدولي بدعم خطته أمام مجلس الأمن، ووقف تمويل وإمداد الدعم السريع، ومساعدة الأمم المتحدة في مراقبة وقف النار، وترك السودانيين يقررون ما بعد ذلك.
(2)
الكلام عن السلام جميل.. لكن السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت كثرة العناوين: “مع من سيُنجز هذا السلام؟”.. الدعم السريع قوة عسكرية موجودة على الأرض، والتعامل معها في الشق العسكري لا يعني بالضرورة منحها شرعية سياسية؛ لكنه يعني أن وقف النار، وإعادة الانتشار، وترتيبات السلاح والدمج، تحتاج إلى طرف قادراً على تنفيذها..( فمن يفاوض من؟).
(3)
ثم يأتي حديث البرهان عن الحوار الوطني مع القوى السياسية والمدنية.. وهنا تتسع الفجوة:”إذا كان الحوار للسياسة، فمن يتفاوض على الحرب؟ ومن يحدد ترتيبات السلاح؟ ومن يضمن تنفيذ الاتفاق؟ وإذا كان للدعم السريع مسار سياسي عبر (تأسيس) فأين موقع هذا المسار من التسوية المطروحة؟ المسألة ليست اعترافاً سياسياً بالبندقية.. المسألة أن البندقية التي تستطيع إشعال الحرب لا يمكن تجاهلها عندما يكون الحديث عن إطفائها.
(4)
ثم نصل إلى السؤال الذي يبدو صغيراً وهو في الحقيقة قلب الحكاية:( لماذا يبدأ البرهان من الصفر؟).. هو نفسه يقول إن أكثر من اثني عشر وقفاً لإطلاق النار فشلت.. والخماسية قالت في سبتمبر إن لا حل عسكرياً للصراع، وإن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تقترن بخطوات ملموسة لحماية المدنيين ووقف الأعمال العدائية.. إذن:” ماذا فشل تحديداً في المحاولات السابقة؟”.
(5)
المطلوب ليس دفن التجربة والبدء بورقة بيضاء.. المطلوب أن يقول لنا البرهان:( أين كان الخلل؟ في الأطراف؟ في الضمانات؟ في آليات التنفيذ؟ في غياب اتفاق ملزم؟ وما الجديد في خطته الذي يمنع تكرار الفشل؟ وأين يلتقي مساره الجديد مع الجهود الدولية القائمة، بدلاً من أن تتحول كثرة المسارات إلى طرق متوازية لا تلتقي؟).
(6)
يقول البرهان إن السلام يجب أن يكون سودانياً.. وهذا مفهوم.. لكن حتى يكون سودانياً لا يعني أن نجلس القوى المدنية والسياسية وحدها ثم ننتظر من المدافع أن تصمت.. المدنيون يحددون مستقبل الدولة، والدستور والانتخابات شأن سوداني، أما إنهاء الحرب فيحتاج إلى ترتيبات مع القوات الموجودة على الأرض والتي تملك القدرة على مواصلة القتال.. فكيف نصل إلى جيش واحد إذا لم تُطرح ترتيبات الوصول إليه على من يملك السلاح؟
(7)
هنا يصبح السؤال أكثر صراحة:”هل التسوية التي يعرضها البرهان طريق لإنهاء الحرب، أم إطار لما بعد الحرب قبل أن تنتهي الحرب؟”.. لا نحاكم النيات، ولا نزعم أن البرهان يريد إطالة أمدها.. نحاكم الفكرة بما تقوله لنا.. إذا كانت التسوية ستنهي الحرب، فأين الطرف الآخر؟ وإذا كان المسار السياسي سيحدد مستقبل السودان، فأين القوى السياسية في المعسكر الآخر؟ وإذا كانت المسارات السابقة فشلت، فأين تشخيص الفشل وما الذي تغير؟.
ما نود قوله هنا، أن السلام لا يحتاج إلى كثرة الأوراق.. يحتاج إلى اتفاق يستطيع أن يوقف الرصاص ويصمد بعد توقفه.. لا أحد يطالب أصحاب السلاح بكتابة دستور السودان، ولا يمنحهم حق حكمه.. المطلوب أبسط من ذلك وربما أصعب:”أن يجلس من يملكون قرار الحرب إلى طاولة تنهي الحرب، ثم يترك السودانيون لشأنهم السياسي اختيار دستورهم وحكومتهم ومستقبلهم”.
فالسؤال الذي يظل واقفاً على باب التسوية: (مع من سيوقع البرهان تسويته؟).
ومضة..
في دايتون، لم يكن الاتفاق مجرد حديث عن شكل الدولة بعد الحرب؛ كانت ترتيبات وقف القتال وتنفيذ السلام جزءاً من الطاولة نفسها..
وفي السودان، يبقى السؤال ذاته:”
من يملك مفتاح إيقاف الحرب؟”.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول: “السلام لا يُكتب بعيداً عن الذين يملكون مفتاح الحرب.. ولا تُغلق الحرب بالأمنيات”.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
altaghyeer.info