خبر ⁄سياسي

سرديات.. الإخوانيات عن سيرة محمد جاد الله الوادي

نشر:آخر تحديث:
سرديات.. الإخوانيات عن سيرة محمد جاد الله الوادي

 

سرديات..
الزاكي عبد الحميد أحمد

حماسي لها ظل طاغيا، منذ ميعة الصبا، وحتى بداية المرحلة الجامعية..ثم فتر تدريجيا، قبل أن يتلاشى ويصبح سطراً في سجل الماضي..

الإخوانيات فن من الأدب، لم يحظ في السودان، بما يليق به من اهتمام ودراسة..صديقي الأثير، الحبيب محمد جاد الله الوادي، أبلغني ذات يوم، من ايام لقاءاتنا (اعني اللقاءات الراتبة، التي كانت تجمعنا، نحن بعض ابناء دفعة كلية الآداب، عام ١٩٧١-جامعة الخرطوم) ان زميلَنا عثمان جامع، أحد الذين يتقنون هذا الفن-فن كتابة الرسائل الإخوانية..

الاهتمام بالتفاصيل التي تجمع بين المرسِل والمرسَل إليه، كان سبب احتفائي بها، لأنها (هذه التفاصيل) تنقلك من مكانك الذي أنت فيه، إلى المكان الذي يكون فيه الراسل، حين كتب الرسالة، فتشاركه أنت تفاصيل تلك اللحظات العِذاب، وكأنك تجالسه..كأن الأحرف تهمس في أذنك، قبل أن تكتحل بها عينك، فتتولد الدهشة كينبوع انبجس، فاخضر الزمان والمكان..

بلونه الأسود الصقيل؛ كان يتصدر؛ عن جدارة؛ مجموعة مقتنياتي القليلة:
*قلم التروبن*..

اذكر أنني اشتريته من محل *ميرزا* في الخرطوم..محل تجاري صغير، يطل على المحطة الوسطى، من جهة الشمال..مدرسة الخرطوم شرق الأولية، حيث كانت بداياتي الأولى في التعلُّم، كانت تجاور هذا المحل.. كان يدير المحل احد الاخوة الأقباط: رجل مربوع القامة؛ اصلع؛ يرتدي دائما قميص أبيض (نص كم) وبنطلون رمادي، وحزام بني لامع، بلون الحذاء..كنا كثيرا ما نطلع من المدرسة عند نهاية الحصص، لزيارة هذا المكان؛ لا للشراء، بل لمعرفة الجديد من الأدوات المدرسية، التي كان يزخر بها هذا المحل التجاري الصغير..

كان قلم التروبن يزيد اهتمامي بالاخوانيات..كنت اراسل اصدقائي، واحتفي بردودهم، بل واكتنزها..صديقي بابكر كان يجيد هذا الفن: كان يهتم بالتفاصيل التي تجعلك تشعر؛ وانت تقرأ رسالته لك؛ وكأنك تجالسه، مهما كان البون الذي يفصل بينكما شاسعا..كأنك تسمع همسات احرفه في أذنك..(بابكر اغترب بعد امتحان الشهادة)..
اسمعه يقول:

تذكرتك بالأمس، وأنا أتجول داخل أحد المولات الضخمة في هذه الدولة الخليجية الثرية..عند المدخل، عرضت عليّ حسناء خلاسية، بعيدة مهوى القرط، عطرا ..قالت لي إنه عطر فرنسي؛ ولكن بمواصفات خليجية..وعدتُها بان أعودَ لشرائه، إن راق لي شذاه وأنا أتجول..راق لي، ولكني فقدت البوصلة..لم اعرف كيف الوصول لبائعة العطر..خرجت..ولكني لم أعرف المكان الذي اوقفت فيه السيارة..دخلت من بوابة وخرجت من اخرى..بوابات كثيرة وخلق كثير. اما زال النسيان يلازمك؟ لماذا داهمنا النسيان يا ترى ونحن بعد شباب، أو هكذا ظننت..

تلقيت رسالة من صديقنا هاشم..كعهدنا به، ما زال صامدا حيث تركناه..قال إنه أكمل قراءة رواية لأوسكار وايلد..اعجابه بهذا الآيرلندي يفوق التصور..قال الكاتب العربي يشعر، حين يجلس للكتابة، بسيف معلق من السقف بشعرة، يسقط على رأسه، متى فكر في قول ما يمليه عليه ضميره! لذلك لا تأتي فكرته كاملة البنيان! قال التومة بائعة الطعمية، توقفت عن العمل..قالت كل شي غالي، وهي لا تريد أن تزيد السعر على زبائنها.. التومة تشعر بحال الناس عكس الحكومات.. قال إن صاحبنا برعي فتح محلا لبيع الثلج..لم نشهد خلال شهر رمضان حرا؛ لذلك برعي مهموم. ويدعو جهرا، أن يزنق الله على عباده المسلمين الصائمين، بموجة حر.. برعي يشكو من أن تجارتَه لم تعد رائجة..قال إنه سمع بظاهرة اسمها الاحتباس الحراري؛ ولكنه لا يعرف عنها شيئا !
(نهاية رسالة صديقي بابكر)..

أنا أحتفي بالرسائل الاخوانية وأجد فيها متعة في اعادة قراءة الكثير منها؛ حتى تسنى لي حفظ قدر كبير من تعابيرها المشرقة؛ وتأملاتها الفريدة؛ وايحاءاتها البكر؛ التي يمتزج فيها الخاص بالعام والمشاعر الحميمة بالأفكار العميقة..

الدكتور حسن ابشر رحمه الله؛ دعا ذات عام؛ عدداً من سودانيي مسقط، لاستعراض رواية للصديق الأستاذ محمد سعيد شلي؛ والذي كان مراسلا لجريدة الخرطوم من مسقط، يوم كانت تصدر من القاهرة..كانت الصحيفة متنفسا لسودانيي الشتات في التسعينيات..

دار الدكتور حسن ابشر لم تكن بعيدة عن مسكني في مدينة السلطان قابوس..حين وصلت، وجدت عددا من الحضور من بينهم رجل احبه جدا..رجل من كبار رجالات القانون في بلادي وموسوعي الثقافة..وجدت مقعدا خاليا بجواره..شغلته؛ فرحب بي بحميمية؛ الاستاذ *عبد الله ابو عاقلة* رحمه الله..كنت أسعد كثيرا، حين ألتقيه في امسيات نهاية الاسبوع في النادي..كان يثري معارفي بالكثير مما لا اعرف..في الشعر..في الادب..في المسادير..شعر العرب الرحل..ومع ذلك كان يشعرك بأنه لا يعرف الكثير عن الموضوع الذي يحدثك عنه، رغم علمه الدفّاق..يصدق فيه ما قاله فلاسفة الفرنجة:
A great man who was always willing to be little!

رجل عظيم الشأن ولكنه يشعرك دائما بأنه رجل عادي محدود المعرفة..

قال لي إسمِعني (فنظارتي داكنة السواد؛ لا تسمعني ما تقول الأحرف!) -قبل أن تبدأ الجلسة- ما قال صاحب هذه الرسالة (والتي أعطانا إياها مضيّفُنا) لصديقه؛ وناولني ورقة فلسكاب..أخذتها فإذا هي رسالة مكتوبة بخط جميل من الشاعر محمد المهدي المجذوب لصديقه د. حسن أبشر..

اسمعكم بعض ما قال شاعرنا لصديقه:
عزيزي حسن؛
قطعت الطريق إلى المكتب هذا الصباح وأنا أسب والعن غير مستثن نفسي؛ ووقعت عيني على رسالتك فسرى عني..وقرأتها مثنى وثلاث ورباع..فتحت لها كل نفسي مرحبا شكورا..وضحكت؛ ما قيمة الشهرة بغير مال لا ينقطع؛ اتصرف فيه بغير حسابات-أعني حساب- ولكن الحسابات؛ سبق قلم، أو غلبة صنعتي الأليمة، الطويلة على كل شيء..

ويمضي الشاعر في رسالته قائلا:
ما أعظم سروري بحفاوتك بالدكتورة سلمى؛ تلك السيدة العالمة المثابرة الشاعرة حقا؛ وأتظنى لو استطاعت البقاء في السودان؛ كان أهل السودان يكرمون من يعلمهم؛ ارجو ان يستمر ذلك (وسلمى هي سلمى الخضراء الجيوسي، أستاذة الأدب المقارن في كلية الأداب، والتي التحقت بجامعة الخرطوم بجهود من الراسل والمرسل اليه)..

ويقول: تذكر أن الرئيس القائد تعطف عليّ بجائزة تكريمية قبضت ١٥٠٠ جنيه شاكرا..ولم أعطَ الوسام الذهبي؛ وهو جزء منها في لائحة التكريم؛ استحييت أن أسأل؛ ونال من لم يبل بلائي الجائزة التقديرية والوسام الذهبي..الانصاف جميل ومثلي منذور للحزن والصمت؛ ووراء ذلك التاريخ؛ ولكن هل يعزيني انصاف التاريخ؛ هل يسمع التيجاني قول التاريخ فيه؟
(يقصد الشاعر التيجاني يوسف بشير)..إنني أؤمن بالعزاء في الموت..أعذرني لهذا التفكير الخابي؛ ولا أؤكد محبتي إلا ببثي إليك ما في صدري..لا شك أنك مشجع عبد الهادي (الصديق!) وهو جدير بتشجيعك ورعايتك..من الخير أن ننتظر سلمى؛ فالثابت أن رسائلي لا تصل اليها..سأكتب التماسا رسميا الى ناس الصحة بخصوص شرك الفأر..ذهبت إليهم فقلت لهم زودتموني بسم عافته الفئران؛ قالوا نعطيك شركا؛ أستاذ؛ يقبض عشرة مرة واحدة..كلمة أستاذ مع الشرك لا تخلو من حقيقة؛ ارادوا معنى وفطنت لمعنى آخر.. هو أنني أعرف أخلاق الفئران؛ أعني أمزجتها وسلوكها ..هل تذكر حشرة كافكا البشعة؟ لا أستبعد أن أصبح فأرا شيخا لا كلمة له..ربنا يستر…

ما أشد الزحام في الخرطوم..غير منظم..وألمح ببصري الكليل بنات ارتيريا في البنطلونات والقمصان، كأوراق الشجر..لا تخفي ما وراءها من ثمر..شي كمثرى وشي تفاح وشي دوم….وأديم التهليل للصانع الجليل.. .

أبحث عن شركة تبني منزلي في قطعة الأرض الخالية؛ وتؤجرها وتأخذ الايجار لقاء التكاليف! ما رأيك في هذه الفكرة الهائلة! فإذا فرغنا من الحساب؛ صرت من اعيان الخرطوم، ونظرت الى الشعر المشؤوم، منكرا علاقتي بصاحبه!

عند نهاية الجلسة، طلبت من الصديق الراحل د. حسن أن نبعث رسائل اصدقائه له (ومنها رسالة المجذوب هذه ورسالة من جمال محمد أحمد ورسائل اخرى) لمحرر الملحق الثقافي في صحيفة الخرطوم، أيام صدورها من القاهرة؛ الاستاذ احمد عبد المكرم..وافق الدكتور حسن على الفكرة، غير ان الموتَ كان قد غيّب الأستاذ أحمد عبد المكرم..فأكد لي الدكتور حسن بأنه سوف ينشرها في كتاب للترويج لهذا النوع من الأدب.. أي الاخوانيات.
.
الاخوانيات تمثل مادة خصبة لاثراء الدراسات الاجتماعية وما اتصل منها بعلم النفس..ولهذه الرسائل، أهميتها وقيمتها الفكرية والأدبية والاجتماعية والفنية، متى ما اتسمت بالصدق في التعبير عن العاطفة والاخلاص في الكشف عن الرأي، وما تنقله من فكر ومشاعر تعبر عن خبايا النفس، بصورة لا تتأتى بالدرجة ذاتها من الصدق والجرأة، في المواد المنشورة..

على أن الاخوانيات في عصرنا هذا؛ غابت مع قلم التروبن، فحلت محلها وسائط التواصل الاجتماعي بلغتها المختزلة والتحايا الصباحية الخالية من الدفء..تطل عليك كل صباح من صديق لم يكتبها ولا نعرف من كتبها ولمن كتبها.. تلقفناها بسرعة واصبحنا نتبادلها بلا وعي:
اهو تخدير مقصود لاستلاب قادم؟
ربما!

تحياتي؛
-الزاكي عبد الحميد أحمد-

altaghyeer.info