السودان والسعودية.. رغم الحرب لماذا يعود ملف البحر الأحمر إلى الطاولة الآن

لماذا يعود ملف البحر الأحمر بين السودان والسعودية إلى الواجهة الآن، بعد أكثر من نصف قرن على توقيع اتفاق وضع إطاراً لاستغلال الموارد الطبيعية في قاع البحر؟ وهل تعكس التحركات الفنية والإدارية الجديدة في السودان مجرد استكمال لملفات ظلت معلقة، أم أنها تمهّد للانتقال من ترتيبات استغلال الموارد إلى اتفاق أكثر شمولاً لترسيم الحدود البحرية؟
الخرطوم ــ التغيير
تأتي هذه الأسئلة في وقت يخوض فيه السودان حرباً مستمرة منذ أبريل 2023، فيما تعمل مؤسسات الدولة في ظل وضع سياسي استثنائي وانقسام حاد حول مستقبل الحكم وصلاحيات مؤسساته. وفي المقابل، تتزايد أهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى دول المنطقة، سواء من زاوية الملاحة والأمن أو الاستثمار والموارد الطبيعية.
اتفاق 1974.. بداية القصة لا نهايتها
يرتبط الملف باتفاق وقعته الخرطوم والرياض في 16 مايو 1974، لكنه لم يكن اتفاقاً نهائياً لترسيم الحدود البحرية بالمعنى المتعارف عليه اليوم، وإنما اتفاقاً يتعلق بالاستغلال المشترك للموارد الطبيعية في قاع البحر وتحت قاع البحر في المنطقة المشتركة.
ونص الاتفاق على تقسيم المنطقة البحرية إلى نطاقات مرتبطة بخط العمق البالغ ألف متر، مع اعتراف كل طرف بحقوق الآخر السيادية الحصرية في المنطقة المقابلة لساحله، بينما اعتبرت المنطقة الواقعة بين النطاقين “منطقة مشتركة” يتمتع البلدان فيها بحقوق سيادية متساوية على الموارد الطبيعية.
كما أنشأ الاتفاق لجنة مشتركة من بين مهامها مسح وترسيم حدود المنطقة المشتركة، وإجراء الدراسات الخاصة باستكشاف واستغلال مواردها، والنظر في طلبات التراخيص والامتيازات.
لكن مرور العقود لم يؤد إلى اتفاق نهائي شامل لترسيم الحدود البحرية بين البلدين. وتقول قاعدة بيانات السعودية الخاصة باتفاقيات ترسيم الحدود إن الاتفاق الموقع مع السودان عام 1974 يتعلق بالاستغلال المشترك للموارد في المنطقة الواقعة ضمن نطاق عمق ألف متر، وإن حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين البلدين لم يتم الاتفاق عليها بعد.
ثروة تحت الماء
لم يكن الاهتمام بالمنطقة المشتركة مرتبطاً بالحدود وحدها، إذ ارتبط قاع البحر الأحمر منذ عقود باحتمالات وجود موارد معدنية مهمة، وهو ما جعل اتفاق 1974 يتجاوز كونه ترتيبا جغرافيا إلى إطار للتعاون في مجال الاستكشاف والاستغلال.
ومن أبرز الملفات المرتبطة بالمنطقة مشروع “أتلانتس 2″، الذي ظل واحداً من أهم مشروعات التعدين البحري المشتركة بين السودان والسعودية، مع محاولات متكررة لإحياء عمليات الاستكشاف والاستغلال.
وهنا تتداخل مسألة الحدود مع سؤال آخر أكثر حساسية: ما الوضع القانوني للموارد الموجودة في المناطق المشتركة، وما الذي يتطلبه الانتقال من اتفاق استغلال قديم إلى ترتيبات جديدة تتعلق بالحدود والحقوق الاقتصادية؟
السودان يثبت خطوطه البحرية
في مارس 2017 أصدر السودان المرسوم الجمهوري رقم 148 الخاص بخطوط الأساس التي تقاس منها مناطقه البحرية، ثم أودع السودان الإحداثيات لدى الأمم المتحدة.
وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن السودان لديه تشريع خاص بالمياه الإقليمية والجرف القاري، كما أودع إحداثيات خطوط الأساس في 2017، لكن صفحة السودان في قسم شؤون المحيطات وقانون البحار بالأمم المتحدة لا تسجل اتفاقيات منشورة لترسيم الحدود البحرية.
وكانت خطوة 2017 ذات أهمية خاصة، لأنها جاءت في سياق إعادة ترتيب الخرطوم لموقفها من حدودها البحرية، بما في ذلك الإحداثيات التي أثارت في ذلك الوقت خلافاً مع مصر حول مناطق في شمال البحر الأحمر.
ملف يتحرك من جديد
بعد سنوات من بقاء الملف في دائرة الترتيبات الفنية، عاد موضوع الحدود البحرية السودانية السعودية إلى التداول بصورة أكثر وضوحاً خلال 2025.
وتشير تقارير صحفية إلى أن لجنة ترسيم الحدود البحرية بين البلدين عقدت اجتماعاً في 20 سبتمبر 2025 برئاسة الفريق مهندس الأمين محمد بنقة، وناقشت تعديلات على الصيغة النهائية لمشروع اتفاق ترسيم الحدود البحرية، إلى جانب ملفات خطوط الأساس وقاعدة البيانات البحرية. كما تحدثت التقارير عن تكليفات تتصل بالتنسيق مع الجانب المصري بشأن الحدود البرية والبحرية.
ولا يعني ذلك أن اتفاقاً نهائياً قد أُبرم؛ فالمصادر المتاحة تتحدث عن اجتماعات ولجان ومسودات وتحركات فنية، بينما يظل الاتفاق النهائي لترسيم الحدود مسألة مختلفة.
لماذا الآن؟
السؤال الأبرز هو: لماذا يعود الملف إلى الواجهة في هذه المرحلة تحديداً
أحد التفسيرات يرتبط بأهمية البحر الأحمر المتزايدة إقليمياً، في وقت أصبحت فيه أمن الملاحة وحماية الممرات البحرية من الملفات الرئيسية في المنطقة. وقد تصاعدت في سبتمبر 2026 المخاوف الإقليمية بشأن سلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، مع تجدد الهجمات والاضطرابات المرتبطة بالحرب في اليمن.
وفي الوقت نفسه، يمثل الساحل السوداني مورداً اقتصادياً وجغرافياً مهماً، ليس فقط من حيث الموانئ، وإنما أيضاً من حيث التعدين والصيد والاستثمارات المحتملة في البحر.
وهناك عامل آخر يتعلق بالحرب نفسها. فقد أصبحت بورتسودان مركزاً رئيسياً للإدارة السودانية خلال سنوات الحرب، بينما تزايدت الاتصالات السودانية السعودية في مجالات اقتصادية واستثمارية وأمنية مختلفة.
الحرب تضع سؤال التفويض
لكن إعادة فتح الملف في ظل الحرب تطرح سؤالاً موازياً لا يقل أهمية عن الجانب الفني: من يملك الصلاحية النهائية لإبرام اتفاق جديد يتعلق بحدود الدولة وحقوقها البحرية؟
فالانتقال من اتفاق 1974 الخاص باستغلال الموارد إلى اتفاق نهائي لترسيم الحدود قد يفرض مساراً قانونياً ودستورياً مختلفاً، خصوصاً أن السودان يعيش منذ سنوات في وضع انتقالي ولا توجد فيه مؤسسة تشريعية منتخبة تمارس الدور الذي كان يمكن أن تضطلع به في الظروف العادية.
ولهذا، فإن النقاش حول أي اتفاق محتمل لا يتعلق فقط بخطوط الإحداثيات والخرائط، وإنما أيضاً بالجهة التي تملك صلاحية التفاوض والتوقيع والتصديق، وبالإجراءات القانونية المطلوبة حتى يصبح الاتفاق نافذاً.
السعودية.. ماذا تريد من الملف؟
بالنسبة إلى الرياض، لا تبدو أهمية الساحل السوداني منفصلة عن التطورات الأوسع في البحر الأحمر. فالسعودية ترتبط بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والأمنية والاستثمارية على الساحل الغربي للبحر الأحمر، كما أن تأمين الملاحة أصبح أكثر حساسية في ظل التطورات الإقليمية الأخيرة.
وفي الجانب الاقتصادي، تظل الموارد البحرية والمعدنية أحد عناصر الاهتمام التاريخي بالمنطقة المشتركة، وهو ما يجعل أي إعادة ترتيب للحدود البحرية ذات أثر محتمل على الاستثمارات المستقبلية.
وماذا عن مصر؟
لا يمكن فصل الملف عن الموقف المصري، بالنظر إلى أن الحدود البحرية السودانية تقع في منطقة تتقاطع فيها مصالح الدول الثلاث.
وكان السودان قد أعلن في 2017 رفضه الاعتراف بالإحداثيات التي أودعتها مصر، في سياق الخلاف حول مثلث حلايب والمناطق البحرية المرتبطة به.
كما تشير تقارير 2025 و2026 إلى أن الملف السوداني السعودي ارتبط في بعض مراحله بمشاورات مع القاهرة، وإن كانت التفاصيل المنشورة حول طبيعة هذه التفاهمات تعتمد بدرجة كبيرة على تقارير صحفية ومصادر غير معلنة.
من اتفاق الموارد إلى سؤال الحدود
بعد أكثر من خمسين عاماً، يبدو أن جوهر المسألة لم يعد محصوراً في الاتفاق الذي وقع عام 1974، بل في ما إذا كان الطرفان سيتجهان إلى ترتيب نهائي للحدود البحرية يواكب التطورات القانونية والاقتصادية والجغرافية التي شهدتها المنطقة منذ ذلك التاريخ.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع اللجان الفنية التي تتحرك اليوم أن تنقل الملف من مرحلة الخرائط والموارد المشتركة إلى اتفاق نهائي، ومن ثم ما هو المسار القانوني والدستوري الذي سيُتبع في السودان إذا وصل التفاوض إلى هذه المرحلة؟
فبينما تتغير خرائط المصالح في البحر الأحمر، لا يزال اتفاق 1974 قائماً كمرجعية تاريخية للموارد المشتركة، في حين لم تُحسم بعد، وفق المصادر الأممية والسعودية المتاحة، كل مسائل ترسيم الحدود البحرية بين البلدين.
altaghyeer.info