المستشار يهتف لشنب البرهان
المستشار يهتف لشنب البرهان
أحمد عثمان جبريل
❝المستشار يقول لصاحب القرار ما يحتاج إلى سماعه.. لا ما يحب أن يسمعه❞
تقول الحكاية إن السلطان السلجوقي الملقب (ملكشاه) طلب من وزرائه أن يكتبوا في أحوال الدولة وما يصلح أمرها، فكتب الوزير أبو علي الحسن بن علي الطوسي، الملقب (نظام الملك) كتابه الشهير (سياست نامه) أو (سير الملوك) جمع فيه التجارب والحكايات والنصائح، ولم يجعل وظيفته أن يصفق للسلطان، بل أن يضع أمامه ما يحتاج إلى معرفته عن الأمور غير المحمودة في المملكة، وارفقها بسنن الملوك السابقين، واختار منها ما يصلح أن يكون دستوراً للحكم..
والذي أصبح كتاباً مرجعا في الحكم والإدارة والعدل وتجارب الدول، لا كتاب في مديح السلطان.. كان أبو علي الطوسي يعرف أن وظيفة المستشار، أن يضع الحقيقة أمام الحاكم، حتى حين تكون ثقيلة على السمع.. يكتبوا له ما يرونه من خلل وما يعرفونه من سنن الحكم..
لم يكن نظام الملك يهتف لملكشاه.. كان يكتب له ما ينبغي أن يعرفه.
ومن السلاجقة هناك، نعود للسودان لنبدأ حكاية محمد محمد خير، لا من عبارته الأخيرة التي هتف فيها (لشنب البرهان) قبل أن يغادر كامل إدريس منصبه، وإنما من الطريق الطويل الذي قاده إلى وظيفة المستشار السياسي لرئيس الوزراء.
(1)
محمد محمد خير، صحافي وكاتب قبل ان يكون المستشار السياسي لرئيس الوزراء كامل إدريس، له تاريخ طويل مع موائد السلطان، لا يكتب الشعر ليمدح السلطان، كما كان يفعل المتنبي مع كافور، ولكن عبارة من أربعة أسطر في مقال منه كافية أن تحرك عرش السلطان نحوه، ولأنه (ابن جزار) كما ظل يكتب دائما، ما يعني أنه يعرف من (اين تؤكل الكتف) تماما كما يعرف متى يركب سفن السلطان، ومتى يقفز منها، مثلما فعل مع (التجمع الوطني الديمقراطي) والحزب الاتحادي الديمقراطي، الذي غادر محطة نضاله المزعوم وعاد إلى حضن الوطن، و في ذلك التاريخ البعيد، لم يكن (حضن الوطن) كالحضن الذي عاد إليه (كيكل وقبة وبقال وابورهف) كان حضنا من نوع آخر جعله يستقر في سفاراتنا بالدوحة، بديلا للمستشار العبيد أحمد مروح، ثم مرة أخرى ينتقل إلى سفارتنا بدبي لسنوات طوال، وحين حاصره المرض عاد إلى كندا، ولكن صلته (بحضن الوطن) لم تنقطع ظل يكتب في صحفه.. وما إن هبت ثورة ديسمبر المجيدة، حتى سخر لها قلمه، فمن نعم الله على العباد أن ارشيف عمنا (قوقل) لا يضيع ولا ينسى، يسجل حتى (الشولة) فقد كتب عنها بفخر واعزاز وتقدير لثوارها، ولم ينسى حتى المؤسس فكتب (شكرآ حمدوك).
(2)
فما إن سقط البشير و جاءت ثورة ديسمبر، حتى احتفى قلم محمد محمد خير بتلك المرحلة احتفاءا معبرا يليق بالمشهد الجديد وبالثوار، وبالحكومة المدنية.. وفي مقاله (ثلج على الطريق) المنشور في يوليو 2020 كتب عن تجاوز مرحلة (شكراً حمدوك) إلى امتنان آخر بعد تعيين الولاة المدنيين، وربط صراحةً بين ذلك وبين (انتصار ثورة ديسمبر).. وفي مقال آخر وصف شباب الثورة بأنهم وقودها ولهبها.
(3)
ثم نصل إلى محطة تستحق أن يتوقف عندها الأرشيف طويلاً.. في يوليو 2022 زار علي كرتي، الأمين العام للحركة الإسلامية، محمد محمد خير في منزله.. وعقب أن غادر الضيف القيادي منزله، كتب خير عباراته الأشهر، مبشرا بعهد الانقلاب الجديد قائلا: (المشروع السياسي المغلق .. قد ولى) وأضاف، وأن (عصراً جديداً يدق كل الأبواب) .. ثم تحدث عن استعداد الشباب للاستجابة لمعطيات الحاضر، قبل أن يقول إنه تمنى لكرتي اعترافاً بما سببه (الهتاف والزعيق) من (شرخ دولي وجراحات داخلية) .. هنا لا نحتاج إلى تفسير النوايا؛ نضع النص بجوار النص، ونترك القلم يحاكم القلم.
(4)
واليوم يقف محمد محمد خير في موقع مختلف تماماً.. مستشار سياسي لرئيس الوزراء كامل إدريس. وفي حديثه المنشور في (المحقق) يوم أمس الأول 23 سبتمبر، دافع محمد خير عن موقف البرهان من الهدنة، وذهب في عبارته الهتافية إلى آخر مدى يمكن أن يمجد وهو (شنب القائد) قائلا: البرهان إذا عجز عن استعمال الأسلحة الحديثة أو نفد سلاحه (سيستل لهم من شاربه سيفاً) .. نعم. تلك العبارة التي لم يسبقه فيها المتنبي ولا أي مادح سلطان من زمن ما قبل كسرى، ولا (أجعص) هتيف تصلح للهتاف في مدرج، لكنها تفتح سؤالاً أكبر حين تصدر من مستشار سياسي:” أين تنتهي المشورة ويبدأ التصفيق؟”.
(4)
فالمستشار لا يُقاس بقدرته على رفع معنويات صاحب القرار، وإنما بقدرته على كشف ما قد لا يريد صاحب القرار سماعه: كلفة القرار، مخاطره، البدائل، والنتائج التي قد لا تظهر في لحظة الحماس.. المستشار الذي يحول السياسة إلى هتاف يترك صاحب القرار وحيداً أمام الحقيقة، حتى لو ملأ الغرفة بالتصفيق. وبين (شكراً حمدوك) و(عصراً جديداً) و(الهتاف والزعيق) ثم (سيف الشنب).. نحن لا نصدر حكماً على الرجل؛ نحن فقط نرتب أرشيفه زمنياً.
(5)
وهنا يعود أبوعلي الطوسي (نظام الملك) من القرن الخامس الهجري ليجلس معنا في غرفة القرار.. ملكشاه لم يحتج إلى شاعر يصفق له، وإنما إلى وزير يكتب له ما يرى في الدولة من خلل وما تحتاج إليه من إصلاح.. لذلك بقي كتابه (سياست نامه) بعد السلطان والوزير معاً؛ لأن قيمة المشورة أنها تبقى حين يذهب الهتاف.
(6)
أما في السودان اليوم، فالسؤال البسيط أكبر من (شنب البرهان وسيفه): “هل المستشار يصنع المشورة.. أم يصنع الهتاف؟”..
نحن هنا لا نطارد الرجل في ماضيه.. نحن نضع ماضيه أمام حاضره، ونترك قلمه يشهد على قلمه.. فمن القاهرة إلى الدوحة إلى دبي، ومن (شكراً حمدوك) إلى (الهتاف والزعيق) ومن المقال إلى مقعد المستشار، الطريق طويل.. والأرشيف أطول.
ومضة..
قالوا قديماً إن السلطان يحتاج إلى من يخافه الله في نصحه، لا من يخاف فقدان منصبه.. ولذلك كان أخطر رجل في مجلس الملك هو الذي يستطيع أن يقول له: أخطأت.
أما (الهتيف) فيستطيع أن يقول لك ما تحب.. حتى وأنت تمشي نحو الحائط.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول:
حين يتحول المستشار إلى هتيف.. تصبح النصيحة آخر ما يصل إلى صاحب القرار.
إنا لله ياخ.
الله غالب
altaghyeer.info