خبر ⁄سياسي

حين يقف الجميع أمام المرآة: المثقف والبندقية وأخلاق الحوار في زمن الحرب .. الواثق كمير والنقد من داخل ذاكرة البندقية٢

نشر:آخر تحديث:

 

حين يقف الجميع أمام المرآة: المثقف والبندقية وأخلاق الحوار في زمن الحرب(٢)
د.ناهد محمد الحسن

الواثق كمير والنقد من داخل ذاكرة البندقية:

تحمل المرآة التي أعادها الواثق كمير إلى النور في عمقها صورةً أقدم لصاحبها. فالواثق نفسه لم يعش بعيداً عن سؤال المثقف والبندقية، ولم يقف طوال تاريخه في الموقع المدني الآمن الذي يكتفي بمراقبة الحركات المسلحة من الخارج. كان من المثقفين الشماليين الذين خرجوا من مواقعهم الاجتماعية والأكاديمية لملاقاة الحركة الشعبية لتحرير السودان وجون قرنق، ورأوا في حركة مسلحة، كانت الدولة تسميها تمرداً، حاملاً محتملاً لمشروع وطني يتجاوز بنية السودان القديم.

بدأت علاقة الواثق بالحركة الشعبية من بوابة العمل النقابي والفكري بعد انتفاضة أبريل. ففي أغسطس 1986 شارك، ممثلاً للهيئة النقابية لأساتذة جامعة الخرطوم، في اجتماع بأديس أبابا لمتابعة مقررات كوكادام، وهناك التقى منصور خالد وجون قرنق في ظهيرة واحدة. ثم شارك في ترتيب لقاء بين مثقفين شماليين وقيادة الحركة في مارس 1987، ونسّق في فبراير 1989 ورشة أمبو التي جمعت قيادة الحركة الشعبية بعدد من المثقفين والنقابيين من شمال السودان.

لم تكن تلك صلة مراقب أكاديمي بموضوع دراسته، وإنما علاقة سياسية وفكرية وثيقة امتدت قرابة عشرين عاماً مع جون قرنق، وثلاثة عقود مع منصور خالد. حرر الواثق وقدم كتاباً عن رؤية السودان الجديد، وكتب مطولاً دفاعاً عنها، وظل قريباً من الحركة ومن قائدها، حتى غدا أحد الأصوات الشمالية التي ساعدت في ترجمة مشروع قرنق إلى لغة تستطيع مخاطبة قطاعات من المثقفين والسياسيين في الشمال.

ولهذا فإن الواثق يعرف، من داخل تجربته لا من الكتب وحدها، معنى أن يرى المثقف في حركة مسلحة شيئاً أكبر من بندقيتها. كان يستطيع أن يرى في الجيش الشعبي قوةً مقاتلة، لكنه رأى فيه أيضاً حاملاً لمشروع السودان الجديد: دولة المواطنة التي تعيد بناء علاقة المركز بالهامش، وتخرج بالوحدة من الإكراه إلى الاختيار، وتفصل الانتماء إلى الوطن عن العرق والدين والثقافة المهيمنة.

كانت الحركة الشعبية متهمة في خطاب الدولة بالتمرد وتهديد وحدة البلاد. وكانت بندقيتها متهمة، كما هي كل بندقية، بالعنف والانتهاكات والطموح إلى السلطة. ولم يكن مستقبلها السياسي معلوماً، ولا كان ممكناً للواثق أو لغيره من المثقفين القريبين منها أن يعرفوا على وجه اليقين أين ستنتهي الحرب، أو كيف ستتغير الحركة إذا تغير قائدها، أو أي جانب من جوانب مشروعها سينتصر في نهاية المطاف: مشروع السودان الجديد الوحدوي أم الرغبة المتصاعدة في انفصال الجنوب.

ومع ذلك اختار الواثق الاقتراب. لم يفعل ذلك، بحسب ما يظهر من سيرته وكتاباته، حباً في البندقية، وإنما إيماناً بالقضية التي ظن أن البندقية تحملها، ورغبةً في فتح طريق بين الحركة المسلحة والقوى المدنية والنقابية في الشمال. لقد كان، بمعنى من المعاني، مثقفاً يقف خلف بندقية عندها قضية، بينما يظل مستقبل البندقية والقضية معاً مجهولاً.

هنا تظهر الصلة العميقة بين تجربته وموقع النور اليوم، من دون أن يعني ذلك المساواة بين الحركة الشعبية والدعم السريع، أو بين جون قرنق وحميدتي. فالحركة الشعبية نشأت في سياق حرب الجنوب، وحملت منذ وقت مبكر برنامجاً سياسياً وفكرياً لإعادة بناء الدولة، بينما نشأت قوات الدعم السريع من داخل جهاز الدولة وحروب نظام الإنقاذ في دارفور، وارتبط تاريخها بانتهاكات جسيمة وباقتصاد عسكري وشبكات مصالح تشكلت في كنف النظام نفسه الذي تقدم اليوم نفسها قوةً لتحرير السودان منه.

هذه الفروق أساسية، ولا ينبغي دفنها تحت رغبة في إثبات التناقض. لكن اختلاف القوتين لا يلغي التشابه في المعضلة التي واجهت المثقفين المحيطين بهما:

هل يستطيع المثقف أن يستخدم قوة البندقية لإنجاز مشروع يتجاوزها، أم أن البندقية تستخدم مشروع المثقف ورأسماله الأخلاقي لتوسيع شرعيتها؟

وهل يكون المثقف، حين يقترب من الحركة المسلحة، هو الذي يمنحها اتجاهاً سياسياً وفكرياً، أم أنه يبالغ في تقدير قدرته على توجيه قوة لها قيادتها ومصالحها واقتصادها وذاكرتها الخاصة؟

انتهت رحلة الحركة الشعبية إلى اتفاقية السلام الشامل وحق تقرير المصير، ثم إلى انفصال جنوب السودان. لكن من غير الإنصاف القول إن الانفصال كان قضية الواثق أو الغاية التي اصطف من أجلها. فكتاباته، كما يدل عليها كتابه عن منصور خالد وعنوانه الفرعي، كانت تدور حول «الحركة الشعبية والبحث عن السلام ووحدة البلاد». وكانت فكرته، مثل فكرة قرنق المعلنة، أن الوحدة القديمة القائمة على الهيمنة لا يمكن إنقاذها، وأن السودان يحتاج إلى وحدة جديدة تقوم على المواطنة والعدالة والاعتراف بالتنوع.

لم يكن الواثق يقف خلف بندقية لكي تفصل الجنوب، وإنما وقف إلى جانب مشروع اعتقد أن البندقية قد تساعده على إعادة بناء السودان كله. غير أن المشروع انتهى إلى غير ما أراده، لا بسبب البندقية وحدها، ولا بسبب الحركة وحدها، وإنما نتيجة تاريخ طويل من سياسات المركز، وفشل النخب الشمالية في جعل الوحدة جاذبة، وتحولات داخل الحركة، وموت قرنق، وصعود القوى الانفصالية، ومناورات نظام الإنقاذ.

لكن تبرئة الواثق من قصد الانفصال لا تغلق السؤال؛ إنها تفتحه في مكان أكثر عمقاً:

إذا منح المثقف بندقيةً ما رأسماله الفكري لأنها تحمل مشروعاً وحدوياً تحررياً، ثم انتهت الحركة، بعد تغير القيادة وموازين القوى، إلى نتيجة لم تكن غايته، فماذا تكشف التجربة عن حدود قدرة المثقف على توجيه البندقية؟

قد تكون قضية المثقف عادلة، وقد يكون مشروعه وحدوياً وديمقراطياً، ومع ذلك لا تتحكم قضيته وحدها في مستقبل القوة التي تحالف معها. فللبندقية منطقها، ولحامليها مصالحهم، وللحرب آثارها التي تعيد تشكيل المشروع نفسه. وقد تبدأ العلاقة بمحاولة المثقف إعطاء السلاح وجهةً سياسية، ثم تنتهي بمنح السلاح للمثقف حيزاً لا يستطيع التحرك خارجه.

لهذا لا أرى الواثق واقفاً خارج المرآة بالضرورة. ربما يقف أمامها منذ سنوات، ويرى في موقع النور الراهن ظلاً من موقعه القديم. وربما لا يصدر نقده من غياب التجربة، وإنما من ذاكرة رجل عرف إغراء الفكرة الكبرى حين تحملها حركة مسلحة، وعرف أيضاً أن المشروع الذي يمنحه المثقف اسمه ولغته قد ينتهي، تحت ضغط الحرب وتغير القيادة ومصالح حاملي السلاح، إلى مآل لم يكن يريده.

وهنا لا أريد أن أسأل الواثق: لماذا تحاكم النور وقد فعلت الشيء نفسه؟

فهذا السؤال يختزل تجربتين مختلفتين، ويستخدم ماضيه لإسكاته بدلاً من التعلم منه. أريد أن أسأله سؤالاً آخر:

ماذا تعلمت من تجربتك إلى جوار بندقية الحركة الشعبية؟ وما الذي يستطيع المثقف أن يفعله داخل حركة مسلحة، وما الذي يكتشف لاحقاً أنه كان عاجزاً عن فعله؟ وهل المرآة التي تضعها اليوم أمام النور هي حصيلة مراجعة لتجربتك أنت، أم أنها لا تزال تحتفظ بصورتك خارج إطارها؟

لو كان نقد الواثق للنور صادراً من هذه الذاكرة، فإنه يغدو أكثر ثراءً من مجرد المطالبة المجردة بوحدة المعيار. يصبح شهادةً من مثقف سبق أن راهن على أن مشروعاً فكرياً يمكن أن يمنح البندقية معنىً يتجاوز منطقها، ثم رأى التاريخ يسلك طريقاً أكثر تعقيداً مما تصوره المشروع.

وكتاب الواثق الأخير عن منصور خالد، رحلتي مع منصور خالد: الخروج من الذات لملاقاة الآخر، لا يبدو لي سيرةً لمنصور وحده. إنه أيضاً، في جانب منه، سيرة الواثق الفكرية والسياسية، ووثيقة عن علاقة ثلاثة مثقفين ومفكرين — منصور والواثق وقرنق — بمشروع تحرري تسنده حركة مسلحة.

ومنصور خالد نفسه يجسد التعقيد الذي يناقشه الواثق اليوم. فقد عمل مع نظام مايو، ثم غادر موقعه داخله وأصبح من أبرز منظري الحركة الشعبية ومستشاري جون قرنق. أي إنه انتقل من العمل داخل دولة عسكرية إلى العمل داخل حركة مسلحة، مدفوعاً في الحالتين، وفق رؤيته لنفسه، بالرغبة في تحديث السودان وإخراجه من مأزقه التاريخي.

لهذا يحمل كتاب الواثق، ربما من دون أن يقصد، الأسئلة نفسها التي يضعها اليوم أمام النور وأعضاء لجنة الحوار: متى يكون الدخول في بنية السلطة أو الحركة المسلحة محاولةً لاستخدام المساحة المتاحة؟ ومتى تصبح معرفة المثقف ومكانته مصدراً للشرعية تحتاج إليه القوة؟ وكيف نميز بين مثقف يؤثر في السلطة ومثقف تستخدمه السلطة لتجميل صورتها؟ وهل نحكم على تجربته بنيته، أم بموقعه، أم بما انتهت إليه تاريخياً؟

ربما كان أجمل ما يستطيع الواثق أن يضيفه إلى هذا السجال هو ألا يكتفي بوضع النور أمام المرآة، وإنما أن يقف إلى جواره داخلها، ويقول له:

كنتُ في موضع يشبه موضعك ولا يطابقه. آمنتُ بقضية عادلة حملتها حركة مسلحة، ورأيتُ في بندقيتها أداةً لفتح طريق إلى السودان الجديد. وهذه هي حدود ما استطاع المثقف أن يفعله، وهذه هي المواضع التي غلب فيها منطق السلاح على منطق المشروع، وهذه هي الأشياء التي كنت سأفعلها على نحو مختلف لو عاد بي الزمن.

عندها لا يعود الحوار بين رجل يحاكم ورجل يُحاكم، وإنما يصبح لقاءً بين تجربتين: مثقف عرف البندقية بالأمس، ومثقف اختار الوقوف إلى جوارها اليوم.

خالد كودي وانتزاع الكرامة المعرفية مع امتحان البندقية

يقدم خالد كودي اعتراضاً مهماً على الواثق كمير. وهو لا يرفض، من حيث المبدأ، مساءلة النور، ولا يقول إن «تأسيس» ينبغي أن تكون فوق النقد. حجته الأساسية أن وحدة المعيار لا تعني تماثل السياقات والمشروعات؛ فليس كل اقتراب من قوة مسلحة يؤدي الوظيفة التاريخية نفسها، وليس كل تحالف مع سلطة أو حركة مسلحة مساوياً لغيره لمجرد أن السلاح حاضر في الحالتين.

والسؤال، عند خالد في تقديري لا ينبغي أن يتوقف عند: من جلس مع من؟ ومن اقترب من أي بندقية؟ وإنما ينبغي أن يمتد إلى سؤال أعمق: أي مشروع للدولة يخدمه هذا الاقتراب؟ هل يعيد ترتيب السلطة داخل السودان القديم، أم يفتح الطريق لإعادة تأسيس الدولة نفسها؟

هذه إضافة حقيقية إلى الحوار. فالتركيز على أخلاق المثقف الفردية قد يجعلنا نغفل البنية التي يتحرك داخلها. وقد يكون المثقف معارضاً صلباً للحاكم، لكنه يظل أسير التصورات التي أنتجت ذلك الحاكم: مركزية الدولة، والهوية الأحادية، والوصاية العسكرية، والتراتبية بين المركز والهامش، واحتكار جماعات بعينها لتعريف الوطنية والمعقول والممكن.

بهذا المعنى، لا يكون «السودان القديم» حكومةً أو حزباً أو قائداً يمكن إسقاطه ثم إعلان نهاية عهده. إنه بنية لإنتاج السلطة والثروة والمعرفة والاعتراف. وقد يسكن السودان القديم في وعي معارضيه أيضاً. يمكن للمثقف أن يرفض البرهان والإسلاميين، لكنه يظل عاجزاً عن تخيل الدولة خارج مؤسساتها الموروثة. ويمكنه أن يتعاطف مع الهامش ما دام ضحيةً تطلب الإنصاف، ثم يشعر بالقلق عندما ينتقل الهامش من المطالبة بنصيبه إلى المشاركة في تعريف الدولة نفسها.

لكنني أظن أن فهم خالد يحتاج إلى خطوة أخرى لا توفرها القراءة السياسية لمقالاته وحدها. فقد عرفت خالد قبل هذا السجال بوصفه فناناً مشغولاً بضحايا الحروب، وتبادلنا الرسائل في وقت كان يعمل فيه، بتفانٍ ومحبة والتزام، على مساعدة المتأثرين بالحرب من خلال الرسم والفنون ومعالجة آثار الصدمة النفسية.

ولم تكن فلسفته الفنية قائمة على أن يأتي الفنان إلى الضحايا ليرسمهم كما يراهم، أو ليحول آلامهم إلى مادة لمشروعه الخاص. كانت أقرب إلى الفن التشاركي الذي يساعد الناس على استعادة أصواتهم، وعلى رسم خبراتهم بأيديهم، وعلى الانتقال من موقع الإنسان الذي يصفه الآخرون إلى موقع الإنسان الذي يسمي نفسه ويحكي قصته.

هذه السيرة ليست هامشاً عند قراءة موقفه الراهن. لعلها المدخل الأعدل إليه.

فخلف لغته الحادة أحياناً تجاه مثقفي المركز توجد حساسية مفهومة تجاه تاريخ طويل احتفظ فيه المركز، إلى جانب احتكاره السلطة والثروة، بامتياز آخر أقل ظهوراً: امتياز إنتاج المعرفة عن الهامش. كان الهامش يعاني ويموت ويحمل السلاح، بينما يتولى مثقف المركز تعريف أسباب معاناته، وشرح مطالبه، وتحديد ما يجوز له أن يطلبه وما يعد اعتدالاً أو تطرفاً في سلوكه.

كان يُسمح للهامش بأن يقدم شهادته، بينما يحتفظ آخرون بحق إنتاج النظرية.

ومن هنا يمكن فهم إصرار خالد على أن مجتمعات الهامش لم تعد مجرد ضحية تنتظر أن يدافع عنها مثقف من المركز، وإنما أصبحت قادرة على إنتاج مفكريها ومشروعها ورؤيتها للدولة. فالهامش، في تصوره، لا يريد من الآخرين أن يرسموه أو يشرحوا قضيته بالنيابة عنه؛ يريد أن يمسك الريشة، وأن يشارك في رسم السودان كله.

هذه محاولة لاسترداد الكرامة المعرفية، واستجابة لجرح قديم يمكن أن نسميه جرح التمثيل: أن تعيش تجربتك، ثم يأتي من يملك المنبر والتعليم واللغة المعتمدة ليخبرك بما تعنيه تجربتك وما ينبغي أن تريده منها.

ولذلك يصيب خالد حين ينقلنا الى التساؤل عن الدولة التي نريد أن تُحكم، ومن يملك حق المشاركة في تأسيسها؟

ويصيب أيضاً حين يرفض تجميد النور داخل موقفه في عام 2021، عندما دعا إلى الحوار مع الإسلاميين وتحدث عن السياسة باعتبارها فن الممكن. فليس الاتساق أن يكرر المفكر في عام 2026 ما قاله في عام 2021 مهما تغيرت الوقائع. الاتساق الحقيقي هو أن يوضح ما الذي ظل ثابتاً في مبادئه، وما الذي تغير في تقديره للواقع، ولماذا أصبح موقفه الجديد، في نظره، أقرب إلى تحقيق تلك المبادئ.

الفكر الذي لا يراجع أدواته أمام التجربة يتحول إلى عقيدة مغلقة. وقد يصبح التمسك بالموقف القديم، بعد أن يكشف التاريخ عجزه، أكثر تناقضاً مع المبدأ من تغييره.

لكن ال