البرهان يقرأ من كتاب البشير
البرهان يقرأ من كتاب البشير
أحمد عثمان جبريل
❝حين لا يتعلم الحاكم من نهاية سلفه، يصبح التاريخ كتاباً يعاد فتحه لا درساً يُستفاد منه❞
تقول الحكاية أن الرئيس السوداني المخلوع عمر البشير، كان أكثر الحكام في عصره وقوفا أمام الحشود، فقد كتب الرواه إنه بعثر في ذلك اوقاتا ثمينة، ولصدق التاريخ، فقد عرف طوال ثلاثة عقود حكمه، كيف يجعل الحشد الجماهيري جزءاً من خطاب السلطة؛ فكان كلما اشتد عليه ضغط الخارج، خرج إلى الساحات، فحشدت له منظومة الحكم الموظفين والطلاب وغيرهم، وتحول الحشد الذي لم ينسى حتى أطفال خلاوي القرآن، إلى رسالة سياسية لتقول للخارج إن خلف الرجل جماهير.. ثم جاء ديسمبر 2018، فخرج الشباب الذين أريد لهم أن يكونوا جمهوراً للسلطة، فإذا بهم يصنعون أكبر حشد ضدها، حتى سقط البشير سقوطاً مدوياً في أبريل 2019، ودخل السجن، ثم أخرجته الحرب من كوبر إلى الاحتجاز العسكري، الذي قيل أنه في مدينة مروي، بينما لا تزال المحكمة الجنائية الدولية تضعه في قائمة المطلوبين.
من عقود الإنقاذ الثلاثة والبشير ومروي نعود إلى حاضر الخرطوم، حيث البرهان.
(1)
المشهد الجديد كان مختلفاً في ظاهره.. شباب ورياضيون وصناع محتوى اجتمعوا في فعالية لدعم القطاع الصحي، تحت شعار (لن ننساكم).. مرضى يبحثون عن طبيب، وأسر تبحث عن دواء، ومستشفيات تكافح كي تبقى واقفة في بلد أنهكته الحرب.. فجأة يدخل البرهان المشهد، فتحولت المنصة من رسالتها الإنسانية إلى منبر للرد على واشنطن، بعد رفض منحه تأشيرة لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.. وقال أمام الحشد إن السودان لا يحتاج إلى تأشيرة ولا إلى إذن من أحد.
(2)
وهنا يبدأ السؤال الذي يستحق أن يطرق عليه (أفق الحرف) بشدة: هؤلاء الشباب لم يتنادوا لإنقاذ تأشيرة البرهان.. بل لإنقاذ مريض.. لم يحملوا شعاراً ضد واشنطن، ولم يجتمعوا لتأييد موقف دبلوماسي، وإنما جاءوا ليقولوا للمريض والطبيب والمستشفى: (لن ننساكم).. فمن الذي قرر أن تتحول هذه المنصة من وجع الصحة إلى معركة التأشيرة؟ ومن يفكر للبرهان؟ ومن اختار له أن يخاطب واشنطن من منصة جاءت أصلاً لتخاطب وجع السودانيين؟
(3)
يبدو أن البرهان فتح الكتاب ذاته الذي كان البشير يقرأ منه.. كتاب الحشد، ومواجهة أمريكا والغرب، وتحويل المنبر الداخلي إلى رسالة للخارج.. اختلفت الوجوه وتبدلت الأدوات، لكن الوصفة تبدو مألوفة: “حين تضيق السياسة، يصبح الحشد جزءاً من الرسالة.. غير أن الفرق هذه المرة كبير؛ فالبشير كان يملك حزباً حاكماً ومنظومة دولة تصنع الحشود، أما هذه الفعالية فلم يصنعها الحزب ولا أجهزة الدولة، بل صنعها شباب جاءوا من أجل الصحة”.
(4)
البشير لم يكتفِ بالحشد، بل جعل مواجهة أمريكا والمحكمة الجنائية مادة ثابتة في خطاباته، حتى قال ذات حشد عن مدعي المحكمة الجنائية الدولية لويس مورينو أوكامبو إنه (تحت حذائه).. كانت الخصومة مع الخارج تتحول في كل مرة إلى مادة تعبئة في الداخل.. لكن الحشود لم تمنع النهاية.. خرج السودانيون في ديسمبر، وفي مقدمتهم الشباب، فانهار النظام الذي أمضى ثلاثين عاماً يظن أن المنابر والجماهير تمنحه مناعة من السقوط.
(5)
والسؤال هنا ليس: هل يحق للبرهان أن يرد على أمريكا؟ بالطبع، الرد السياسي والدبلوماسي حق للحكومة.. السؤال: (أين يرد؟) ولماذا تحمل منصة جاءت لإنقاذ القطاع الصحي رسالة أخرى؟ أمريكا لها سفارات ووزارات خارجية ومؤتمرات صحفية وبيانات دبلوماسية، والسودان لديه وزير خارجية يستطيع أن يحتج ويشرح موقف بلاده.. أما المريض فلا يملك وزارة خارجية تدافع عنه، ولا تأشيرة ينتظرها، ولا منصة أخرى حين يغلق المستشفى بابه.
(6)
وفي الوقت نفسه، بدأت واشنطن جادة و تدفع النقاش إلى مساحة أوسع من التأشيرة.. فقد أعلنت أن القوات المسلحة السودانية والدعم السريع، وكذلك قائديهما، لا يمثلون حكماً شرعياً دستورياً للسودان.. وردت الحكومة السودانية برفض الموقف الأمريكي، مؤكدة تمسكها بالسيادة وانفتاحها على الحوار..
وهنا يصبح السؤال أكبر من تأشيرة البرهان:(ماذا يعني أن تنتقل واشنطن من التعامل مع الحرب بوصفها صراعاً بين طرفين مسلحين إلى التشكيك في صلاحية أي منهما لتأسيس حكم دستوري؟).
(7)
هنا بالضبط يصبح كتاب البشير حاضراً.. ليس لأن التاريخ يتنبأ بنهاية أحد، وإنما لأن التجربة تقول إن الحشد لا يصنع شرعية، وإن الصراخ في وجه الخارج لا يعالج وجع الداخل.. ففي 21 ديسمبر 1989، دعا نيكولاي تشاوشيسكو إلى حشد جماهيري في بوخارست ليظهر تأييد الناس لنظامه؛ لكن خطابه انقطع بالهتافات والاضطراب، وتحول المشهد إلى لحظة فاصلة سبقت سقوطه في اليوم التالي.. التاريخ لا ينسخ نفسه، لكنه أحياناً يضع المشهد ذاته أمام قارئ جديد.
ما نود قوله هنا.. كان الأولى بالبرهان، إذا خاطب هؤلاء الشباب، أن يسمعوا منه ما يعيد للقطاع الصحي عافيته، لا ما يعيد إلى الذاكرة خطاب المنابر القديمة.. هؤلاء لم يأتوا لإنقاذ صورة الحاكم أمام واشنطن.. جاءوا لإنقاذ إنسان أمام المرض. وبين المهمتين بون شاسع..
والسؤال الذي يبقى:(إذا كان كتاب البشير قد انتهى بثورة أسقطته.. فلماذا يُعاد فتحه أمام البرهان؟).
ومضة:
في 21 ديسمبر 1989، دعا نيكولاي تشاوشيسكو إلى حشد جماهيري في بوخارست، أراده استعراضاً لقوة النظام وتأييد الجماهير.. وقف على المنصة وبدأ خطابه.. لكن الهتاف الذي انتظره انقلب عليه، وتحولت الساحة التي أرادها شاهداً على قوته إلى شاهد على انهيارها.. وفي اليوم التالي فرّ بطائرة مروحية، وبعد أربعة أيام أُعدم.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول:
الحشد الذي يصنعه الحاكم لا يضمن له البقاء.. فقد تتحول المنصة نفسها إلى شاهدٍ على النهاية.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
altaghyeer.info