خبر ⁄سياسي

قطع الغابات يفاقم الكارثة البيئية في السودان.. السنط شاهدة على اتساع الدمار

نشر:آخر تحديث:
قطع الغابات يفاقم الكارثة البيئية في السودان.. السنط شاهدة على اتساع الدمار

 

تتصاعد المخاوف في السودان من اتساع نطاق تدمير الغطاء الغابي، في وقت تشهد فيه مناطق عدة، بينها ولايات الخرطوم والجزيرة وسنار والقضارف والنيل الأبيض وكردفان، عمليات قطع واسعة للأشجار واستخدام الحطب في إنتاج الفحم، وسط تداعيات اقتصادية وإنسانية للحرب المستمرة منذ أبريل 2023.

الخرطوم _ التغيير

وتتداول مصادر محلية وناشطون في مجال البيئة معلومات عن خروج شاحنات محملة بالأخشاب والحطب من مناطق غابية، فيما تظهر منشورات على منصات التواصل الاجتماعي عمليات بيع للحطب، في وقت حذرت فيه جهات محلية من استمرار القطع الجائر وتأثيره على الموارد الطبيعية.

ولا تتوافر، حتى الآن، إحصائية وطنية مستقلة منشورة يمكن من خلالها التحقق بصورة شاملة من رقم الغابات التي فُقدت خلال السنوات الأربع الماضية، أو من الادعاء بأن أكثر من 25 غابة دُمرت بالكامل. لكن تقارير محلية وشهادات ميدانية وثقت أضراراً واسعة لحقت بعدد من الغابات، ولا سيما في العاصمة الخرطوم.

غابة السنط.. نموذج للدمار

برزت غابة السنط في الخرطوم بوصفها أحد أبرز الأمثلة على حجم الضرر الذي أصاب الموارد الغابية خلال الحرب.

وتقع الغابة على ضفاف النيل الأبيض عند منطقة ملتقى النيلين، وكانت تعد من أبرز المساحات الخضراء في العاصمة، وموطناً لأنواع من الأشجار والحياة البرية والطيور المهاجرة. وتشير مصادر محلية إلى أن الغابة أُعلنت غابة محجوزة في عام 1932، كما ارتبطت بحماية الطيور منذ عام 1945، فيما تورد مصادر أخرى أن إدراجها ضمن منظومة المحميات الطبيعية جاء عام 1939.

وفي يناير 2026، أظهرت صور ومشاهد ميدانية نشرت على نطاق واسع تعرض مساحات كبيرة من الغابة للقطع والتجريف، بعد سنوات من الحرب.

وأقرت الحكومة السودانية بحجم الضرر الذي تعرضت له الغابة. ففي 17 يناير 2026، زار رئيس الوزراء كامل إدريس الموقع، ووجّه بوقف القطع الجائر، وملاحقة المتعدين، والبدء في برنامج عاجل لإعادة استزراع الغابة وتأمينها.

كما أعلنت السلطات المحلية لاحقاً اتخاذ إجراءات ضد نقل الحطب والأخشاب دون مستندات أو تصاريح، في محاولة للحد من الاعتداءات على الموارد الغابية.

وبحلول سبتمبر 2026، ظهرت مؤشرات على عودة بعض مظاهر الحياة البرية إلى المنطقة، إذ وثقت جولة لمراقبة الطيور رصد 36 نوعاً من الطيور داخل الغابة، وهو ما يشير إلى أن أجزاء من النظام البيئي لا تزال قادرة على التعافي، رغم حجم الأضرار التي لحقت بالموقع.

السنط.. من الأشجار إلى الفحم

وتبرز أشجار السنط، أو الطلح، في قلب أزمة استنزاف الموارد الغابية، نظراً لاستخدام أخشابها في الوقود وإنتاج الفحم.

وتنقل شهادات محلية عن عاملين في قطع الأشجار أن بعضهم تمكن من قطع مئات الأشجار وتحويلها إلى كميات كبيرة من الفحم. إلا أن هذه الشهادات، بما فيها إفادة شخص قال إنه قطع بين 500 و600 شجرة سنط وأنتج منها نحو 400 جوال فحم، تحتاج إلى تحقق ميداني مستقل قبل اعتمادها كإحصائية رسمية.

ويقول ناشطون إن استمرار هذا النشاط يهدد بإزالة الأشجار المعمرة التي تحتاج إلى عقود طويلة حتى تعود إلى حالتها الطبيعية، كما يفاقم تدهور التربة والتصحر وفقدان الموائل الطبيعية.

وتشير تقارير محلية إلى أن الحرب أوجدت ظروفاً مواتية لتوسع القطع غير المنظم، مع ضعف الرقابة الحكومية وتراجع قدرة مؤسسات حماية الغابات والحياة البرية على أداء مهامها في عدد من المناطق.

خسارة تتجاوز الأشجار

ولا تقتصر تداعيات إزالة الغابات على فقدان الأشجار وحدها، إذ تؤدي الغابات النيلية على وجه الخصوص أدواراً بيئية متعددة، من بينها توفير موائل للطيور والحشرات والحيوانات الصغيرة، وحماية التربة، والمساهمة في تنظيم البيئة المحلية.

وكانت غابة السنط، قبل تدهورها، محطة مهمة للطيور المهاجرة على مسار الهجرة بين أوراسيا وأفريقيا، كما كانت موقعاً للبحث العلمي والتعليم ومراقبة الحياة البرية.

ويرى مختصون أن فقدان الغطاء النباتي في مناطق واسعة من السودان يمكن أن يزيد من هشاشة الأراضي أمام التعرية والتصحر، في بلد يعتمد جزء كبير من اقتصاده ومعيشة سكانه على الزراعة والثروة الحيوانية والموارد الطبيعية.

غابة متحجرة عمرها ملايين السنين

وفي شمال السودان، تأخذ قصة الغابات شكلاً مختلفاً تماماً.

فبالقرب من منطقة الكرو في الولاية الشمالية توجد غابة متحجرة تضم جذوعاً وأجزاء من أشجار تحولت، عبر عمليات جيولوجية طبيعية، إلى مواد متحجرة وبقيت مكشوفة وسط البيئة الصحراوية.

الغابة المتاجرة شمال السودان

وتشير وثائق ومصادر بحثية إلى وجود غابة متحجرة بالقرب من الكرو تعود إلى العصر الطباشيري، مع تقديرات عمرية تتجاوز 65 مليون سنة في بعض الدراسات. كما تشير مصادر أخرى إلى تقديرات تصل إلى نحو 135 مليون سنة أو أكثر، ما يجعل تحديد عمرها بدقة مسألة تحتاج إلى دراسة جيولوجية متخصصة.

وتقع الغابة بالقرب من الكرو، إحدى أهم المواقع الأثرية المرتبطة بمملكة كوش، والتي تضم المقابر الملكية لعدد من ملوك نبتة. وقد أدرجت المنطقة ضمن موقع جبل البركل والمواقع النبتية في قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2003.

وحذرت تقارير سابقة من تعرض أجزاء من الغابة المتحجرة للنهب والتخريب واختفاء بعض القطع، في ظل غياب إدارة وحماية كافية للموقع. وتصف اليونسكو الموقع بأنه من الكنوز الطبيعية الخفية في السودان، وتلفت إلى الحاجة إلى حمايته من العبث وأخذ أجزاء من الأخشاب المتحجرة.

ثروة بيئية تحت الضغط

وبين غابات السنط الحية على ضفاف النيل، والغابة المتحجرة التي بقيت شاهدة على بيئة سودانية غابرة لملايين السنين، تتكشف صورة أوسع لأزمة الموارد الطبيعية في السودان.

فالحرب لم تترك آثارها على المدن والبنية التحتية فحسب، بل امتدت إلى الغابات والأراضي الزراعية والمواقع الطبيعية والأثرية.

ومع استمرار الطلب على الحطب والفحم، وتراجع الرقابة في مناطق النزاع، تواجه الغابات السودانية ضغوطاً متزايدة تهدد بتسارع فقدان الغطاء النباتي.

وتقول السلطات السودانية إنها بدأت إجراءات لحماية بعض المواقع وإعادة تأهيلها، فيما يطالب ناشطون وخبراء بإجراءات أوسع تشمل وقف القطع غير القانوني، وتشديد الرقابة على نقل وبيع الحطب، وإعادة تشجير المناطق المتضررة، وإجراء مسح وطني شامل لتحديد حجم الخسائر التي تعرضت لها الغابات منذ اندلاع الحرب.

وبالنسبة لبلد يمتلك واحداً من أكبر الأقاليم البيئية تنوعاً في المنطقة، فإن حجم الخسارة لا يقاس بعدد الأشجار التي قُطعت فحسب، وإنما بما تمثله تلك الأشجار من تربة ومياه وموائل طبيعية وموارد اقتصادية وإرث بيئي يصعب تعويضه في زمن قصير.

altaghyeer.info