حرب الاستخبارات تنقلب ضد الحوثيين في اليمن

يرى الكاتب نواف عبيد أن المعادلة العسكرية في اليمن تشهد تحولا مهما، بعدما تمكن الحوثيون خلال المرحلة السابقة من استغلال نقاط ضعف في الجبهة الغربية بفضل منظومة معقدة للقيادة والسيطرة جمعت بين المعلومات الاستخبارية الروسية عبر الأقمار الصناعية وقدرات إيران على دمج هذه المعلومات وتوظيفها في العمليات الميدانية، إلى جانب ما يصفه الكاتب باختراق بشري داخل قوات المقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح.
ووفق هذا التحليل، لم يكن تقدم الحوثيين نتيجة التفوق العددي بقدر ما كان نتيجة حصولهم على صورة دقيقة نسبيا عن انتشار خصومهم ومقار قيادتهم واتصالاتهم وثغرات في التنسيق بينهم، وهو ما سمح لهم باستغلال نقاط الضعف على الساحل الغربي لليمن.
قصص مقترحة
list of 2 itemsويشرح عبيد -في مقال رأي نشره موقع الجزيرة الإنجليزي- أن روسيا وفرت عناصر من الاستخبارات الجغرافية المكانية الفضائية واستخبارات الإشارات، في حين تولت إيران دمج هذه المعلومات في منظومة قيادة الحوثيين، مما أتاح تتبع تحركات القوات ومواقعها وأنماط اتصالاتها والعلاقات بين القيادة.
ويشير الكاتب -وهو زميل أول في قسم دراسات الحرب في كلية كينجز كوليدج لندن– إلى أن هذه المنظومة لم تعتمد على مصدر استخباري واحد، وإنما على دمج صور ومعلومات مختلفة عبر الزمن لتكوين صورة متكاملة لساحة المعركة، ثم الجمع بينها وبين المعلومات القادمة من الأرض.
درس للقوات التي تقودها السعودية
ووفقا للكاتب، ساعد ذلك الحوثيين على اكتشاف أن بعض مواقع القوات الموالية للحكومة لا تتطابق مع التقارير المرفوعة إلى القيادات، وأن عددا من الوحدات كان يعاني من ضعف التنسيق أو مشكلات في الاتصالات والجاهزية.
ويعتبر الكاتب أن انهيار الجبهة الغربية كان نتيجة مباشرة لهذه الثغرات في منظومة القيادة والسيطرة، مستشهدا بحالات تلقى فيها قادة ميدانيون أوامر متناقضة أو قدموا تقارير غير دقيقة عن مواقع القوات، مما أدى إلى ارتباك في تحديد مواقع القوات الصديقة وأضعف قدرة الطيران السعودي على تنفيذ الضربات من دون المخاطرة بإصابة قوات حليفة.
إعلانكما يشير المقال إلى أن بعض ألوية المقاومة الوطنية اكتشفت عند استدعائها أن نسبة كبيرة من الأفراد المسجلين لديها لم تلتحق فعليا بالمواقع، رغم إجراءات التسجيل البيومتري واستعادة الرواتب ومحاولات إعادة تنظيم القوات، وهو ما زاد من هشاشة الجبهة وساهم في انسحاب بعض التشكيلات من مواقعها قبل وصول القوات الحوثية إليها.
لكن الكاتب يرى أن هذه التجربة أصبحت درسا للقوات التي تقودها السعودية، التي بدأت إعادة بناء منظومة القيادة والسيطرة على أساس أكثر صرامة.
ومن أبرز الإجراءات التي يشير إليها الكاتب دمج فرق مشتركة سعودية ويمنية وباكستانية لتوجيه الضربات الجوية، بما يوفر قناة موثوقا بها بين القوات الموجودة على الأرض ومنظومة الاستهداف التابعة للقوات المشتركة، إلى جانب نشر فرق سعودية للتوجيه والاتصال بهدف التحقق بصورة مستقلة من أعداد القوات ومواقعها وجاهزيتها.
كما يجري -بحسب المقال- تعزيز آليات التحقق من الأوامر، وفصل بعض قنوات التقارير، واستخدام اتصالات مشفرة وبديلة لمنع تكرار الثغرات التي ظهرت في معارك الساحل الغربي.
ويستند الكاتب أيضا إلى تجربة أخرى في جنوب اليمن، إذ يقول إن القوات المشتركة التي تقودها السعودية تمكنت في يناير/كانون الثاني 2026 من إضعاف منظومة القيادة والسيطرة التي كانت تدعم عمليات المجلس الانتقالي الجنوبي، مما أدى إلى تراجع قدرة القوات المرتبطة به على المناورة والاحتفاظ بمواقعها.
منظومة الدعم التي يعتمد عليها الحوثيون أكثر تعقيدا، لأنها تقوم على شبكة تجمع المعلومات الفضائية الروسية بالدعم التقني والاستخباري الإيراني، وتربط هذه القدرات بقيادات الحوثيين ومقارهم الميدانية.
مصدر ضعف
ويقدم المقال هذه التجربة باعتبارها نموذجا لما يمكن أن يحدث عندما تنجح قوة عسكرية في قطع الطبقة الخارجية التي توفر الدعم الاستخباري والقيادي لحليف محلي.
غير أن الكاتب يعتبر أن منظومة الدعم التي يعتمد عليها الحوثيون أكثر تعقيدا، لأنها تقوم على شبكة تجمع المعلومات الفضائية الروسية بالدعم التقني والاستخباري الإيراني، وتربط هذه القدرات بقيادات الحوثيين ومقارهم الميدانية.
وفي الوقت نفسه، فإن تعقيد هذه المنظومة يمثل -بحسب المقال- مصدر ضعف لها، إذ تحتاج إلى اتصالات آمنة ومراكز لدمج المعلومات وأفراد متخصصين ومستشارين تقنيين وروابط مستمرة بين صنعاء والقيادات المنتشرة في جبهات القتال.
ويرى عبيد أن هذه البنية بدأت تتعرض لضغط مباشر، خصوصا بعد الضربة التي يقول إنها استهدفت مساء 19 سبتمبر/أيلول منظومة القيادة والسيطرة العليا المدعومة من إيران في صنعاء.
ويورد الكاتب أرقاما لخسائر كبيرة في صفوف القيادات الحوثية، تشمل قيادات برتب عسكرية عليا وعددا كبيرا من الضباط ومساعديهم وعناصر الاتصالات، إضافة إلى مؤشرات على استهداف شخصيات عليا في هرم القيادة، مع إقراره بأن بعض هذه المعلومات لا تزال غير معلنة بشكل كامل.
ويؤكد الكاتب أن أهمية هذه الضربات -في تقديره- لا تكمن في عدد القادة الذين تم إخراجهم من المعركة، بل في تأثيرها في سلسلة القيادة بأكملها، لأن استهداف مراكز القيادة في صنعاء بالتزامن مع إضعاف القيادة الميدانية، يمكن أن يقطع الصلة بين جمع المعلومات واتخاذ القرار وتحديد الأهداف وتنفيذ العمليات.
إعلانكما أن اضطرار القيادات الحوثية إلى تغيير مواقعها وإعادة بناء قنوات الاتصال مع الوحدات التابعة لها قد ينتج إشارات يمكن رصدها وتحليلها وتحديد مواقعها، مما يسمح للقوات المعادية باستهدافها بصورة أكبر.
وفي ضوء ذلك، يرى عبيد أن الحوثيين يواجهون صعوبة في تكرار الزخم الذي حققوه خلال اختراق الجبهة الغربية، لأن الظروف التي سمحت لهم باستغلال ضعف خصومهم تغيرت، بينما تعمل القوات التي تقودها السعودية على تحصين قنوات القيادة والاتصال لديها، وفي الوقت نفسه محاولة إضعاف منظومة القيادة والسيطرة الخارجية التي يعتمد عليها الحوثيون.
معركة على المعلومات
ويضع الكاتب هذه التطورات في إطار تحول أوسع في القدرات العسكرية للقوات المشتركة التي تقودها السعودية، خصوصا في مجالات القيادة والاتصالات والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع وتطوير الأهداف والربط السريع بين أجهزة الاستشعار ومنظومات إطلاق النار.
كما يرى أن استمرار التصعيد الحوثي خلال السنوات الماضية أدى إلى تراجع مساحة ضبط النفس التي اتسمت بها السياسة السعودية لفترة طويلة، مما يجعل المرحلة المقبلة مختلفة عن المراحل السابقة من الصراع.
وخلاصة المقال أن المعركة لم تعد تقتصر على السيطرة على الأرض أو التفوق في عدد القوات والأسلحة، وإنما أصبحت بدرجة كبيرة معركة على المعلومات والاتصالات والقيادة والسيطرة.
فبحسب رؤية الكاتب، استفاد الحوثيون في مرحلة سابقة من منظومة استخبارية وقيادية خارجية ساعدتهم على كشف نقاط ضعف خصومهم، لكن هذه المنظومة نفسها أصبحت الآن هدفا للضغط والاستهداف، في الوقت الذي تعمل فيه القوات السعودية وحلفاؤها على معالجة الثغرات التي سمحت للحوثيين بتحقيق مكاسبهم السابقة.
ومن هذا المنظور، يعتقد عبيد أن العامل الحاسم في المرحلة المقبلة سيكون قدرة كل طرف على الحفاظ على شبكات القيادة والاتصالات، وتحويل المعلومات الاستخبارية إلى قرارات عسكرية دقيقة، ومنع الخصم من الوصول إلى الصورة الحقيقية لساحة المعركة.