اخطأ الجمهور في ندوة واشنطن
اخطأ الجمهور في ندوة واشنطن!
رشا عوض
هناك تقاليد ديمقراطية في الندوات العامة يجب ان يلتزم بها الجمهور ، ومنها ان اي شخص منحته المنصة فرصة للحديث يجب ان لا يقاطعه احد حتى يكمل وجهة نظره الى نهاية الزمن الممنوح له، مهما كانت وجهة نظره خاطئة او حتى تهريجية او مستفزة، لا يجب ان يقاطعه افراد من الجمهور وان فعلوا فيجب على منصة ادارة الندوة ان تلتمس منهم الصمت ومن اراد التعليق فينتظر دوره في فرصة نقاش لاحقة.
الندوات هي تدريب ديمقراطي على احتمال الرأي اخر بصرف النظر عن دوافع المتحدث، فيجب ان نجعل معيار اختبار الالتزام بالتقاليد الديمقراطية هو كيفية تعاملنا مع من نختلف معهم لا من نتفق معهم.
القوى المدنية الديمقراطية لديها مشروع سياسي هو الانبل في الساحة ، مشروع السلام والديمقراطية ، وقد حققت في زيارتها الاخيرة لامريكا وقبل ذلك الى اوروبا نجاحات دبلوماسية كبيرة في خدمة قضية السلام في السودان ، وندوة واشنطن كانت ناجحة ، وكل ماطرح فيها من كافة المتحدثين كان اضاءات سياسية في غاية الاهمية والرصانة، وكل المتحدثين لديهم القدرة على الرد الموضوعي على اي شخص ، فلماذا يفتح الجمهور بانفعالات لا معنى لها هذه الثغرة للمتربصين ويساعدهم على انفاذ خطتهم المعدة سلفا لصرف الانظار عن محتوى الندوة وعن الاختراقات الدبلوماسية المهمة واختزال المشهد كله في فاصل تهريجي مخطط له؟ كان يمكن قلب الطاولة على المتربصين بالندوة عبر الرد بموضوعية.
ما حدث خطأ ، يجب وضعه في حجمه الطبيعي ، وهو سوء تصرف من بعض المتحمسين ، وفي الندوات والفعاليات القادمة يجب تفادي مثل هذه الاخطاء.
ولا يمكن لمراقب نزيه ان يقفز من خطأ محدود الى اصدار حكم مطلق يجرد القوى المدنية بضربة لازب من انها ديمقراطية ، فكلنا كنا شهود على عشرات الندوات ايام الفترة الانتقالية وعلى ورشة تقييم الفترة الانتقالية التي كانت تشريحا لاداء حكومتها اختلفت فيه الاراء لاقصى درجة وكل ذلك تم في اجواء ديمقراطية فتحت باب الاختلاف على مصراعيه .
الديمقراطي فردا او مؤسسة ليس هو من لا يخطئ مطلقا ، بل هو من يتراجع عن الخطأ ، والديمقراطي السوداني في هذه اللحظة التاريخية هو من يكون منخرطا في مشروع استعادة السلام والديمقراطية الى السودان حتى تكون هناك بيئة سياسية وقانونية تسمح بالجهر في وجه السلطة باخطائها دون اعتقالات وبيوت اشباح ، بيئة يكون فيها كل الفاعلين في العمل العام في دائرة النقد والرقابة والمساءلة.
المفارقة العجيبة هي ان من جعلوا من ذلك الخطأ فأسا يجب ان يهوي على رؤوس كل المدنيين الديمقراطيين يصطفون بلا مواربة في صف المشروع العسكركيزاني الذي يذبح المختلفين من الوريد الى الوريد ! ويعتقل خارج نطاق القانون ويعذب بالشبهة ويدعو لاستمرار الحرب حتى استعادة الانقاذ ببيوت اشباحها !
في كل فعالية مدنية متوقع ارسال الغواصات الامنية للتخريب والاستفزاز ، ولترديد الهتافات الامنجية على شاكلة بي كم بي كم بعتو الدم ، كل ذلك يحتاج الى يقظة وحكمة ، وليس لدى معسكر الحرب اي حجة يصعب الرد عليها.
altaghyeer.info