خبر ⁄سياسي

حدث سوداني واحد ومنتجان مغايران

نشر:آخر تحديث:
حدث سوداني واحد ومنتجان مغايران

 

حدث سوداني واحد ومنتجان مغايران 

د. عبد الناصر علي الفكي

أستاذ جامعي

 

شهد يوم الأحد 27 سبتمبر 2026، تنظيم فعاليتين توافرت فيهما عناصر تشابه وتشابك ما عن واقع الحرب المأزوم، في بيئة الفاعلين والناشطين السياسيين وأثره لدى المهجر السوداني. إذ تطل بقوة، دومًا عند أي منشط ندوة منتدي مؤتمر.. الخ ، محاور قضايا الاتهامات المتبادلة: الدعم السريع، والإمارات العربية المتحدة، وحزب المؤتمر الوطني (الإسلاميين)، ومصر، وشروط تُطرح تجاه عمليات السلام من الأطراف السودانية، وهو ما تسبب في حالات من العنف الرمزي والمادي والمعنوي في معظم الفعاليات السياسية بمنصاتها المختلفة.

ندوة تحالف القوى المدنية (صمود): السودان إلى أين؟، بحضور قيادة التحالف برئاسة د. عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السابق، وممثلين عن إعلان مبادئ نيروبي. والأخرى نظّمها منبر الصحفيين السودانيين ببريطانيا (ماس)، واستضاف الأستاذ فيصل محمد صالح، وزير الثقافة والإعلام السابق (صمود)، وأدارها الأستاذ الصادق الرضي؛ ليقدما نموذجين للتفاعل مع المعطيات والمنطلقات في سياق الرأي والرأي الآخر السوداني.

في ندوة تحالف صمود كان التشدد والاشتراط للحضور عبر الحجز المسبق، وبالتالي كان يفترض أنها أكثر تنظيمًا وإدارةً وإيصالًا لرسالة التحالف ورؤيته للسلام والحرب. ولم يكن حضور الجمهور المباشر متاحًا. ورغم ذلك، تحول النقاش إلى توتر شاب الفعالية ورسالتها، وأدى إلى ما يشبه الاشتباك عند طرح الأسئلة، ثم تجاوز إلى ما هو أبعد، إذ قوبل الاخر بالرفض والتهديد والطرد من القاعة. وهو الانتقال غير المرغوب للمنافسة السياسية حين تُنتقل إلى خانة الصراع، مع أن الخلاف والتباين السياسي أمر عادي؛ الا إنها ثقافة ترفض الآخر وتعد كل سؤال نقدي مغاير تهديدًا يجب إسكاته.

 

في مدينة لندن كان المشهد مختلفًا؛ فقد كانت الندوة مفتوحة، رغم رسائل بعض الشخصيات المصنفة سياسيًا كمعارضة للفعالية وللموقف السياسي عموما لصمود وخيار لا للحرب. وقد حضرت تلك الشخصيات فعلًا، وتم النقاش والتبادل الواعي حول القضايا، ودار فيها نقاش وحوار شفاف في مناخ حر، وشارك الجميع من خلفيات مختلفة. ورغم توتر القاعة واختلاف الآراء، وما ظهر أحيانًا من تطرف، فإن إدارة المنصة المتسع على يد الأستاذ الصادق الرضي، وإجابات الأستاذ فيصل محمد صالح عن مختلف القضايا، واحترام قناعات الآخرين، واتساع النقاش للرأي والرأي الآخر، جعلت الجميع يمارسون تدريبًا عمليًا في تجربة ديمقراطية حقيقية، حيث لم تُقابَل الأسئلة الصعبة بالتهديد أو الطرد.

التباين بين ندوة مالت نحو السيطرة ومخاطبة المتفق قبل المختلف، وأخرى فتحت الباب مشرعًا للحوار ليعمل. ويمكن تفسير ذلك، ضمن عملية قبول الآخر المختلف وصولًا إلى عمليات التعايش الاجتماعي وقبول الآخر والسلام، بالمنظور السوسيولوجي، بأن الخوف ليس انفعالًا عابرًا، بل يمكن أن يكون أداة سياسية واجتماعية تنتج بناء الكراهية وتعيد تشكيل وعي الجماعات، حتى يتحول المختلف إلى عدو يجب وسمه وتخوينه وإقصاؤه. وحين يسيطر هذا الخوف على السياسيين المدنيين الديمقراطيين افتراضًا، تصبح المنصة مكانًا للمواجهة المتشاكسة لا للحوار الذي يفضي إلى حل أزمة الثقة الوطنية، ويصبح السؤال حقًا مشروعًا، لكنه يُعامل بالاسكان والصد . وهذا ما شاهدناه في ندوة أمريكا حين قوبلت مداخلة شاب بالتهديد والطرد، وهو ما ينسف أساس المواطنة المتساوية ويضعف البناء الاجتماعي الوطني المتعدد. واي كان الغرض للمداخلة طالما كانت راي.

في لندن تحقق نموذج يقترب من فكرة التعايش وقبول الآخر، الذي لا يعني الاتفاق على كل شيء، بل يعني الاعتراف بحق الآخر في اختلاف الرأي، وبناء مؤسسات تعالج أسباب الصراع بدلًا من معالجة أعراضه. لقد أظهرت ندوة لندن أن النقاش الديمقراطي ممكن حتى في القضايا الحساسة المختلف حولها، وأن احترام قناعات الآخرين لا يضعف صاحب الموقف، بل يمنحه شرعية أخلاقية وسياسية. وتكشف تلك المواقف عن ثقافة سياسية ما تزال أسيرة لسوسيولوجيا الخوف، التي تريد أن تفرض رؤيتها كحل واجب، لا أن تطرحها للنقاش والحوار.

المطلوب وسط السياسيين المدنيين السودانيين هو ثقافة سياسية مغايرة؛ ثقافة تعترف بالاختلاف كثروة وقوة، لا كتهديد لضعف أو هيمنة مدنية، وتعتبر المواطنة المتساوية العادلة أساسًا مقدسًا لا يجوز المساس به، وتتعامل مع الخلاف عبر المؤسسات الراشدة. وتلك الثقافة تحتاج إلى سياسيين قدوة في الصبر والمسؤولية، يقبلون النقد العلني، ويدركون أن السلام ليس توقيعًا على ورقة، بل سلوك ثقافي وممارسة لإدارة الخلاف والآخر.

الحقيقة الجوهرية التي لا يمكن تجاهلها أن حرب السودان، ذات المطلقات الثقافية والاجتماعية، تُواجَه وتنتهي بالاتساع الحواري وبالرأي والرأي الآخر بين المختلفين من الفاعلين والناشطين السياسيين. فالحرب لا تنتهي بالغلبة، ولا بالإقصاء، ولا بإسكات الأصوات، بل تنتهي عندما يجد كل طرف مكانه على طاولة حوار حقيقي، وعندما تصبح البيئة السياسية قادرة على استيعاب التنوع المختلف لا إلغائه. وإذا كان المطلوب هو إنهاء الحرب وبناء سلام مستدام، فإن الطريق إلى ذلك يمر بالضرورة عبر توسيع مساحات الحوار لا تضييقها، وعبر الاعتراف بالمختلف لا تضييق شروط الرأي؛ فالوعي يُبنى عبر بناء الثقة.

 

المنع كسياق تضييق ينبغي الحذر منه؛ فهو بالضرورة يؤدي إلى رد الفعل غير المنضبط، ويمنح السلوك الشمولي والمتسلط، الذي لا يؤمن بالحوار والرأي والرأي الآخر، البيئة المثلى لينمو وينتشر في البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية. فحين يُقابَل السؤال بالتهديد والتضييق، فإن أعداء الديمقراطية يتجدّدون بدورة هذا السلوك، ويرون فيه صحة موقفهم، فيزيدون الفوضى والانقسام لتعزيز موقعهم.

إدارة الخلاف بوعي ومسؤولية، فعل صعب كالحنظل المر (القرض)، تجاه من لا يؤمن بالحوار؛ حينها لا يجد نفسه إلا أمام تحدٍّ تفضح موقفه منطق وتُظهر عاجز عن المنافسة في ساحة مفتوحة.

ولهذا فإن الثقافة السياسية المطلوبة ثقافة الثقة كمقدمة للتعايش لا الخوف من الاخر ، وثقافة الرأي والرأي الآخر، وثقافة المؤسسات والقانون، لا ثقافة الغلبة والإقصاء وعسكرة الفضاء المدني وتجييش المجتمع، وهي وحدها القادرة على إنهاء الحرب وبناء سلام المستدام .

altaghyeer.info