عامر حسن عباس يكتب: القيادة العامة للقوات المسلحة على أبواب محكمة التاريخ.

فِي تَارِيخِ الأُمَمِ مُنْعَطَفَاتٌ مَفْصَلِيَّةٌ مَسْكُونَةٌ بِالتَّفَاصِيلِ المـُتَرَاكِمَةِ الَّتِي يَنْسَى بَعْضُهَا بَعْضًا فِي أَوَانِ هَذِهِ المـُنْعَطَفَاتِ، وَمِنْ بَيْنِ كُلِّ الأَحْدَاثِ المـُتَزَاحِمَةِ تَلْتَقِطُ مَحْكَمَةُ التَّارِيخِ شَوَاهِدَ دُونَ غَيْرِهَا لِتُقِيمَ بِهَا أَدِلَّةَ الحُكْمِ التَّارِيخِيِّ عَلَى فَاعِلِي وَمُتَنَفِّذِي هَذِهِ الحِقْبَةِ مِنَ الحُكَّامِ.
قَدْ لَاحَظْتُ أَنَّ مَا تَلْتَقِطُهُ مَحْكَمَةُ التَّارِيخِ مِنْ شَوَاهِدَ كُلَّهَا ذَاتُ ارْتِبَاطٍ وَصِلَةٍ بِالأَخْلَاقِ وَمَكَارِمِهَا أَوْ بِتَلَاشِي القِيَمِ وَانْحِدَارِهَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْفَظِ التَّارِيخُ لِلشُّيُوعِيِّينَ فِي السُّودَانِ مِنْ كُلِّ إِجْتِهَادَاتِهِمُ الوَاعِيَةِ وَالعَاقِلَةِ لِصَالِحِ مَا كَانُوا يَرْجُونَهُ لِلسُّودَانِ مِنْ خَيْرٍ كَمَا حَفِظَ لَهُمْ سَقْطَتَهُمُ الكُبْرَى غَيْرَ المـَغْفُورَةِ حِينَمَا تَجَاهَلُوا الرَّمْزَ الوَطَنِيَّ الأَبْرَزَ وَزَعِيمَ حُكُومَةِ الاسْتِقْلَالِ الزَّعِيمَ إِسْمَاعِيلَ الأَزْهَرِيَّ وَنَعَوْهُ فِي طَرَفِ الجَرَائِدِ اليَوْمِيَّةِ بِالعِبَارَةِ الجَارِحَةِ (تُُوُفِّيَ لِرَحْمَةِ اللهِ الأُسْتَاذُ إِسْمَاعِيلُ الأَزْهَرِيُّ المـُعَلِّمُ بِوِزَارَةِ المـَعَارِفِ) أَوْ عِبَارَةٍ عَلَى شَاكِلَتِهَا مُتَجَاهِلِينَ عَمْدًا أَنَّهُ رَئِيسُ الجُمْهُورِيَّةِ، اللَّقَبُ الَّذِي لَا يَسْقُطُ بِالتَّقَادُمِ مَهْمَا اخْتَلَفَتْ حَلَقَاتُ السِّيَاسَةِ وَدَارَتْ دَوْرَةُ الأَيَّامِ.
وَقَدْ حَفِظَ التَّارِيخُ لِلرَّئِيسِ عُمَرَ البَشِيرِ — اِتَّفَقَ النَّاسُ مَعَهُ أَمِ اخْتَلَفُوا — أَنَّهُ أَعَادَ رُؤَسَاءَ السُّودَانِ لِأَرْضِ الوَطَنِ مِنْ بَعْدِ المـَنَافِي، فَعَادَ الرَّئِيسُ جَعْفَر النُّمَيْرِيُّ وَعَادَ رَئِيسُ الوُزَرَاءِ السَّيِّدُ الصَّادِقُ المـَهْدِيُّ، بَلْ وَأَعْمَلَ حِكْمَتَهُ وَغَسَلَ خِلَافَاتِ المـَاضِي وَجَمَعَ مَنْ تَفَرَّقَتْ بِهِمْ سُبُلُ الإِجْتِهَادِ الوَطَنِيِّ فَصَالَحَ الرَّئِيسَ النُّمَيْرِيَّ وَالرَّئِيسَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ سُوِارَ الذَّهَبِ وَجَمَعَهُمْ عِنْدَ مَحَطَّةِ الضَّخِّ الوَطَنِيِّ الأَعْظَمِ فِي افْتِتَاحِ حُقُولِ النَّفْطِ الأُولَى لِلسُّودَانِ.
مَا رَشَحَ مِنْ وَضْعِ الرَّئِيسِ البَشِيرِ الصِّحِّيِّ وَهُوَ فِي مَحْبَسِهِ يَجْعَلُنَا نَكْتُبُ الحَقَائِقَ المرَّةً فِي بَوَّابَةِ القِيَادَةِ العَامَّةِ لِلْقُوَّاتِ المـَسْلَحَةِ قَبْلَ أَنْ تَسْقُطَ فِي مَحْكَمَةِ التَّارِيخِ الَّتِي لَا تَرْحَمُ.
الدَّافِعُ الَّذِي يَجْعَلُنَا نَقِفُ أَمَامَ سِجْنِ الرَّئِيسِ البَشِيرِ مُسْتَنْكِرِينَ تَطَاوُلَ مُدَّتِهِ مِنْ غَيْرِ مِيعَادٍ جُمْلَةُ حَقَائِقَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ نَسْرُدُهَا إِنْصَافًا لِلْحَقِّ قَبْلَ الرَّجُلِ:
الرَّئِيسُ البَشِيرُ الرَّئِيسُ السُّودَانِيُّ الوَحِيدُ الَّذِي غَادَرَ السُّلْطَةَ بِمُغَالَبَتِهَا وَخَضَعَ لِلْحَبْسِ وَالمـُحَاكَمَةِ وَلَمْ يُغَادِرْ وَطَنَهُ مُطْلَقًا وَانْصَاعَ لِلْقَضَاءِ الوَطَنِيِّ احْتِرَامًا وَنَفَّذَ أَحْكَامَ السِّجْنِ وَلَبِسَ مَلَابِسَهُ وَهُوَ الرَّئِيسُ وَالقَائِدُ العَامُّ لِلْقُوَّاتِ المـَسْلَحَةِ، وَلِلْمَنْصِبَيْنِ حَصَانَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ دُسْتُورِيَّةً تَمْنَعُ عَنْهُ هَذِهِ الأَحْكَامَ، وَقَدْ نَفَّذَ مَحْكُومِيَّتَهُ حَتَّى انْتِهَائِهَا تَمَامًا.
البَشِيرُ هُوَ الرَّئِيسُ الَّذِي لَا زَالَ فِي حَبْسٍ مُسْتَمِرٍّ بِلَا حُكْمٍ قَضَائِيٍّ نَافِذٍ تَطَاوَلَتْ أَعْوَامُهُ، وَعَاشَ فِي مَحْبَسِهِ مِحْنَةَ الحَرْبِ مُحَاصَرًا مَعَ جَيْشِهِ فِي مِنْطَقَةِ أُمَّ دُرْمَانَ العَسْكَرِيَّةِ لِعَامَيْنِ تَحْتَ القَصْفِ وَالتَّدْوِينِ وَلَمْ نَسْمَعْ مِنْهُ أَوْ أُسْرَتِهِ فِي ذَلِكَ احْتِجَاجًا.
مَهْمَا كَانَ المـَوْقِفُ السِّيَاسِيُّ مِنَ الرَّئِيسِ البَشِيرِ وَالاِخْتِلَافُ حَوْلَ تَقْدِيرَاتِهِ السِّيَاسِيَّةِ وَالأَمْنِيَّةِ فَلَا يُمْكِنُ نُكْرَانُ أَنَّهُ القَائِدُ العَامُّ لِلْقُوَّاتِ المـَسْلَحَةِ لِأَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، وَهُوَ مَنْ صَنَعَ لِهَذِهِ القُوَّاتِ مَنَعَةً وَشَوْكَةً وَصِنَاعَةً وَهَيْبَةً وَوَقَفَ فِي وَجْهِ عَوَاصِفِ الاِسْتِهْدَافِ الخَارِجِيِّ لِلْبِلَادِ بِعَزِيمَةٍ لَا تَلِينُ.
مِنَ المـَعْلُومِ بِالوَاقِعِ وَالشَّوَاهِدِ أَنَّ مَا يَمْنَعُ إِطْلَاقَ الرَّئِيسِ البَشِيرِ تَقْدِيرَاتٌ سِيَاسِيَّةٌ أَكْثَرُ مِمَّا هِيَ تَقْدِيرَاتٌ قَانُونِيَّةٌ، وَبِالتَّسْلِيمِ التَّامِّ بِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ فَإِنَّ حُدُوثَ مَكْرُوهٍ لَا قَدَّرَ اللهُ لِلْبَشِيرِ فِي مَحْبَسِهِ سَيَكُونُ ذَنْبًا لَا يُغْتَفَرُ لِقِيَادَةِ الدَّوْلَةِ وَالجَيْشِ، وَقَدْ عَلِمَتْ بِالتَّجْرِبَةِ وَالبُرْهَانِ فِي هَذِهِ الحَرْبِ وَمَا يُوَاجِهُونَهُ الآنَ مِنْ عَدَاءِ العَالَمِ وَمَكَائِدِ الجِيرَانِ وَدَسَائِسِ الأَقْرَبِينَ أَنَّ مَا قَدَّمَهُ البَشِيرُ كَرَئِيسٍ وَقَائِدٍ عَامٍّ لِلْجَيْشِ السُّودَانِيِّ مِنْ تَضْحِيَاتٍ وَمُدَافَعَاتٍ يَسْتَحِقُّ أَنْ لَا يُحْبَسَ قَائِدٌ بِهَذَا التَّوْصِيفِ، فَهُوَ رَمْزٌ لِلْجَيْشِ وَالبِلَادِ، وَالأُمَمُ المـُنْتَصِرَةُ تَحْتَرِمُ قَادَتَهَا وَتُكَرِّمُ تَارِيخَهُمْ مَا دَامَ إِجْتِهَادًا وَطَنِيًّا لَا عَمَالَةَ فِيهِ وَلَا خُضُوعَ.
قَدْ يَكُونُ النِّدَاءُ الأَخِيرُ لِلسَّيِّدِ رَئِيسِ مَجْلِسِ السِّيَادَةِ القَائِدِ العَامِّ وَلِلسَّيِّدِ رَئِيسِ هَيْئَةِ الأَرْكَانِ وَقَادَةِ أَجْهِزَةِ الدَّوْلَةِ النِّظَامِيَّةِ مِنْ شُرْطَةٍ وَجِهَازِ مُخَابَرَاتٍ عَامَّةٍ لإِطْلَاقِ سَرَاحِ الرَّئِيسِ عُمَرَ حَسَن أَحْمَدَ البَشِيرِ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى مَحْكَمَةِ التَّارِيخِ وَالأَجْيَالِ الحَاضِرَةِ وَالقَادِمَةِ بجناح كسير و نفس آسفة بلا غفران.
سبحانه (يُؤْتِي المـُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ المـُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ) المـَلِكُ الدَّائِمُ الله.
Bajnews.net