خبر ⁄سياسي

حديث الأماني يكذبه الواقع

نشر:آخر تحديث:
حديث الأماني يكذبه الواقع

حديث الأماني يكذبه الواقع

التقي البشير الماحي

إن الاقتصاد كعلم معني بالأرقام وليس الأمنيات الطيبة ومخاطبة العواطف لذلك دوما ما يكون العلاج علقما لابد من تجرعة حتى يبلغ الاقتصاد تمام العافية.

قبل فترة كنت قد نويت الكتابة والتعليق على فيديو انتشر في وسائل التواصل تحدث فيه قاسم الظافر وهو ينتمي لجماعة الإحياء والتجديد وهي جماعة إسلامية فكرية غايتها إحياء قيم الدين والتجديد. تحدث حديث الأماني عن علاج الاقتصاد السوداني وخاصة في الجزء المتعلق بسعر الصرف.

حديثه فيه تبسيط مخل جداً لموضوع التجارة الخارجية وضرورة الاستغناء عن الدولار والتعامل المباشر بعملات الدول.

هناك بالفعل تكتل اقتصادي يحمل ذات الفكرة لدول ذات اقتصاديات متشابهة بلغ عددها الآن عشر دول بدءاً بروسيا والهند والبرازيل وجميعها ذات اقتصاديات متقاربة وميزان مدفوعات كذلك وسعت لكسر الهيمنة الاقتصادية وخلق أقطاب متعددة لإدارة الاقتصاد العالمي وتجاوز شبكة سويفت SWIFT وهي أقرب للمقاصة العالمية والمتحكم الأول فيها أمريكا عن طريق الدولار.

المتحدث في تناوله للموضوع الشائك ركز على جانب واحد وهو جانب معالجة المشكلة السودانية لكنه لم يقل لنا ماذا تفعل الصين بالعملة السودانية إذا تراكمت وهو أمر حدث بالفعل مع شركات الاتصالات ذات الملكية الأجنبية التي لجأت في وقت سابق إلى شراء محاصيل نقدية وبيعها في الخارج بأسعار أقل من أسعارها في الداخل حتى تتمكن من تحويل أرباحها مما تسبب في فقدان البلاد لعائدات حقيقية بفعل هذه الممارسة حتى دون الخوض في حجم التبادل بين السودان والصين وبين الصين وإمارة دبي فقط كمركز شرق أوسطي.

إن التعامل بين اقتصاديات متشابهة بالعملات المحلية يشبه عملية المقايضة وهو نظام سبق تداول العملة بشكلها الحالي لذلك لابد من أن يكون هناك تقارب في حجم التبادل التجاري.

أيضاً في فيديو آخر له وجدته في صفحة الصحفي ضياء الدين بلال يتحدث فيه عن أن تبديل العملة يمكن القطاع المصرفي من الاضطلاع بدوره وهذا أيضاً حديث يجانبه الصواب على المدى الطويل ولكن فائدته على المدى القصير تكمن في معرفة حجم الكتلة النقدية المتداولة فعلياً مقارنة بحجم الموارد بعد التخريب الذي طال القطاع النقدي بعد الحرب.

عودة النقود للمصارف تتحكم فيها سياسات أخرى يتربع على عرشها سعر الفائدة والذي أطلق عليه الإمام الصادق المهدي الفائدة التعويضية وهو العامل الوحيد الذي يجذب الكتلة النقدية إلى الجهاز المصرفي وقد اتفق جميع العلماء المعاصرين على أن سعر الفائدة من العوامل المهمة في استقرار سعر الصرف.

ووجدوا أن العلة في تحريمه إذا كان تحريمه صحيحا تعبدية فقط وليست موضوعية وللأزهر الشريف فتوى بألا علاقة للربا بأسعار الفائدة وكذلك الإمام الصادق المهدي.

سعر الفائدة له ارتباط لا ينفصم بالنقود في شكلها الحالي.

في العام 2002 خاطبت هيئة الرقابة الشرعية إدارة البنك المركزي بسحب العبارة التي كانت تكتب على النقود منذ عهد الإدارة البريطانية وهي عبارة أظن أنها مبهمة للغالبية عبارة «أتعهد بأن أدفع لحامل هذا السند مبلغ» ومقابلها بالإنجليزية «I promise to pay bearer on demand» وحجة هيئة الرقابة الشرعية أن العبارة أصبحت لاغية بسبب أن التعهد أصبح غير موجود والعملة في شكلها الحالي قيمتها أصبحت متغيرة.

كان حرياً بشباب جعلوا من التغيير غايتهم أن يجعلوا من هذا الموضوع مدخلهم لمعالجة القصور فهيئة الرقابة الشرعية حتى اليوم لا رأي ولا فتوى لها بخصوص التداين والحقوق الآجلة للأفراد إذا كان ذلك في تعاملاتهم كأفراد أو تلك المتعلقة بحقوق المواطنين تجاه الدولة مع أن القرآن الكريم خصص آيات محكمات للتداين بين الناس وذلك في قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ».

ولم ينس القرآن حتى عامل الزمن الذي بينه في قوله إلى أجل مسمى حفظاً لتلك الحقوق.

لذلك عندما بين الإمام الصادق أن سعر الفائدة يمثل القيمة التعويضية كان يعني ذلك. لذلك رأى الكثير من العلماء أن سعر الفائدة لا علاقة له البتة بالربا.

إن بلادنا عانت كثيراً من الخطابات التي تخاطب العواطف وهي خطابات تغبش الوعي وتخاطب فقط العواطف وسريعاً ما ينكشف زيفها وفي ذلك يتساوى الجميع معارضة ونظام.

الواقعية والمبدئية المنضبطة تظل السكة الوحيدة لمخاطبة قضايانا الشائكة والمعقدة منذ الاستقلال وحتى اليوم.

altaghyeer.info