خبر ⁄سياسي

تأملات في ظاهرة خالد عمر يوسف.. لماذا يتصدر قائمة خصوم الإسلامويين

نشر:آخر تحديث:

تأملات في ظاهرة خالد عمر يوسف.. لماذا يتصدّر قائمة خصوم الإسلامويين؟

خالد عبد الله- أبو أحمد

من يتابع ما تنشره منصات الإسلامويين وكتائبهم الإلكترونية منذ سقوط نظام البشير يلاحظ أمراً لافتاً، هو أن اسماً ‏واحداً يتكرر أكثر من غيره في حملات الشتم والتخوين: خالد عمر يوسف، المعروف بين السودانيين بـ(خالد سلك)، ‏يُنعت بالعميل والخائن وبائع الوطن، وتُقتطع كلماته من سياقها، وتُنسب إليه أقوال لم يقلها، ويُحمَّل في بعض الأحيان ‏وحده مسؤولية ما آل إليه حال السودان. وهذا التركيز الشديد على رجل واحد لا يأتي مصادفة، فالجماعة التي أدارت ‏آلة الدعاية ثلاثين عاماً تعرف جيداً أين تضرب ولماذا تضرب. ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي يحمله هذا ‏الرجل حتى يصبح الهدف الأول لكل هذا الغضب؟

ابن الجيل الذي أرادوا صناعته

أول ما يزعج الإسلامويين في خالد عمر يوسف أنه ابن زمنهم. نشأ وتعلّم في أعوام حكم الإنقاذ، ودخل المدرسة ‏والجامعة في ظل ما سُمّي بالمشروع الحضاري، ذلك المشروع الذي أراد أن يصنع جيلاً كاملاً على صورته، يفكر ‏كما يفكر أهله ويخاف مما يخافون. غير أن هذا الجيل خرج في معظمه على عكس ما أرادوا، وكان خالد واحداً من ‏أبرز وجوهه. انخرط في العمل السياسي المعارض مبكراً، وانتمى إلى حزب المؤتمر السوداني، وهو حزب بناه جيل ‏جديد خارج البيوت الطائفية والأيديولوجيات القديمة‎.‎

وهنا تكمن المشكلة بالنسبة لهم. فالتهم الجاهزة التي اعتادوا إلصاقها بخصومهم لا تنطبق عليه. لا يستطيعون القول إنه ‏من بقايا الأحزاب التقليدية التي أضاعت البلاد، ولا يستطيعون تصويره غريباً عن ثقافة المجتمع ودينه. هو شاب ‏سوداني عادي، يتحدث لغة الناس، ويعرف خطاب الإسلامويين من الداخل لأنه عاشه في المدرسة والجامعة ‏والشارع. ومن يعرف خطابك من الداخل يعرف أيضاً مواضع ضعفه، ولهذا كان وجوده بحد ذاته دليلاً على فشل ‏مشروعهم في صناعة الإنسان الذي أرادوه‎.‎

الحجة الهادئة

الأمر الثاني الذي يجعل خالد عمر يوسف هدفاً مفضلاً هو طريقته في الكلام. فهو لا يصرخ ولا يشتم، ويتحدث ‏بهدوء وترتيب، ويبني حجته على المعلومة والتسلسل المنطقي، ويشرح الموقف السياسي المعقد بلغة يفهمها المواطن ‏البسيط. وهذا النوع من الخصوم هو الأصعب على جماعات اعتادت أن تكسب معاركها بالصوت العالي والعاطفة ‏الدينية والتخويف‎.‎

ومن يملك الحجة يرد على الحجة بمثلها، أما من لا يملكها فيلجأ إلى الشتيمة. ولهذا فإن كثافة السباب الموجّه إليه ‏تكشف في جوهرها عجزاً عن مواجهته في ساحة النقاش. فالإسلامويون لم يقدموا في الغالب رداً مفصلاً على ما ‏يطرحه، واكتفوا بمهاجمة شخصه والتشكيك في وطنيته، لأن النقاش الهادئ ساحة لا يجيدون اللعب فيها‎.‎

الرجل الذي اقترب من الشبكات

تولى خالد عمر يوسف وزارة شؤون مجلس الوزراء في الحكومة الانتقالية، وكان قريباً من ملفات الدولة ومن جهود ‏تلك الحكومة لتفكيك ما أقامه النظام السابق داخل المؤسسات طوال ثلاثة عقود، وهو لم يكن أفكاراً فحسب، كان ‏وظائف وشركات وأموالاً ونفوذاً ومصالح متشابكة تمثل مصدر القوة الحقيقي للجماعة. ولهذا صارت الخصومة معه ‏خصومة مصالح إلى جانب كونها خصومة أفكار‎.‎

وبعد انقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 اعتُقل ضمن عدد من قيادات الحكومة المدنية، ثم خرج ليواصل ‏العمل السياسي بالنبرة نفسها. وقد رأى الإسلامويون في الانقلاب فرصة لاستعادة ما فقدوه، ورأوا في استمرار ‏أصوات مثل صوته عقبة في طريق هذه العودة‎.‎

لا للحرب.. الموقف الأغلى ثمناً

منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل 2023 كان خالد عمر يوسف من أوضح الأصوات المدنية الداعية إلى ‏وقفها والذهاب إلى حل تفاوضي. وفي حرب يقدّم فيها الإسلامويون أنفسهم حماةً للدولة، ويعملون على تعبئة الناس ‏وحشدهم، يصبح كل صوت يدعو إلى وقف القتال تهديداً مباشراً لهذه التعبئة. فالحرب بالنسبة لهم فرصة للعودة إلى ‏المشهد من باب السلاح بعد أن أغلقت الثورة في وجوههم باب السياسة‎.‎

ولهذا جرى تحويل الدعوة إلى السلام إلى تهمة، وصار كل من يرفض الحرب في خطابهم متواطئاً مع الطرف الآخر ‏فيها، واستُخدمت عبارته الشهيرة عن “الاتفاق الإطاري أو الحرب” بعد اقتطاعها من سياقها، لتقديمه للناس وكأنه ‏هدّد بالحرب، بينما يقول هو وحزبه إنها كانت تحذيراً من خطر الانزلاق إليها. وتكررت هذه العبارة آلاف المرات ‏على المنصات حتى صارت عند بعض الناس حقيقة لا تقبل النقاش، وهذا من أوضح الأمثلة على الطريقة التي تعمل ‏بها آلة التضليل: جملة واحدة، تُنتزع من مكانها، وتُكرَّر حتى تحل محل الواقع‎.‎

العمالة.. التهمة الجاهزة

تهمة العمالة والخيانة ليست جديدة في قاموس الإسلامويين، فمنذ عام 1989 وُصف بها كل من عارضهم تقريباً، من ‏السياسيين والنقابيين والصحفيين والمثقفين، وقد اتُّهم بها كاتب هذا المقال شخصياً مراراً وتكراراً. وهي تهمة مريحة ‏لأنها لا تحتاج إلى دليل، وتكفي لتخويف الناس من الاستماع إلى الشخص المتهم‎.‎

غير أن الجماعة التي ترفع هذه التهمة في وجه خصومها هي أكثر من ولغ في العمالة حتى النخاع. ففي عام 2005 ‏أوفدت رئيس جهاز مخابراتها صلاح قوش إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث جلس مع وكالة المخابرات ‏المركزية الأمريكية‎ (CIA) ‎وسلّمها ملفات بالغة الحساسية عن الجماعات المتطرفة التي كانت الخرطوم نفسها قد ‏آوتها ورعتها في التسعينيات، وكل ذلك في وقت كان إعلامها يملأ الدنيا بالهتاف ضد أمريكا ويعد الناس بأن عذابها ‏قد دنا. والقيادة العسكرية التي يقف الإسلامويون خلفها اليوم ويقاتلون تحت رايتها، ذهب رأسها الفريق عبد الفتاح ‏البرهان إلى عنتيبي في فبراير 2020 والتقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ثم استقبل في الخرطوم ‏الوزير الإسرائيلي إيلي كوهين مرتين، في يناير 2021 وفي فبراير 2023، ولم نسمع من هذه الجماعة يومها كلمة ‏واحدة عن الخيانة أو بيع الوطن‎.‎

أما خالد عمر يوسف فلم يصل إلى شيء من هذه الأمكنة، وكل ما فعله أنه التقى، ضمن الفريق القيادي لتحالف ‏‏(صمود)، مسؤولين كباراً في دول عديدة، ليشرح لهم ما يجري في السودان، وحجم المأساة التي يعيشها المدنيون، ‏وضرورة وقف الحرب. وهذا عمل سياسي معروف في كل الدنيا، تقوم به القوى المدنية في كل بلد يمر بأزمة. ‏فالمعيار عند الإسلامويين ليس التواصل مع الخارج في حد ذاته، إنما من يتواصل، ولأي هدف. فإذا فعلوه هم أو ‏حلفاؤهم صار حنكة وسياسة، وإذا فعله خصومهم صار عمالة وخيانة‎.‎

خالد سلك واصل‎..!!‎

في عام 2013 زارت السودان فرقة (طيور الجنة) التي يحبها الأطفال في كل أنحاء العالم، فتحول مكان الحفل إلى ‏زحمة لا أول لها ولا آخر. الصغار يتدافعون، والكبار يزاحمونهم عند الأبواب، والأمهات يرفعن أطفالهن فوق ‏الرؤوس كأنهن يعبرن بهم النيل في موسم الفيضان، والكل يريد أن يرى الطيور بعينه قبل أن تطير‎.‎

مرّ من هناك رجل بسيط كان ماشياً في طريقه، لا علاقة له بالغناء ولا بالطيور، فوقف مندهشاً من هذا المشهد، ‏واقترب من رجل يقف على جانب الطريق يتفرج على الناس، وسأله: يا أخي، ما الذي يحدث هنا؟ لماذا كل هذا ‏الزحام؟

فرد عليه دون أن يلتفت إليه: الناس عاوزين يدخلوا يشوفوا طيور الجنة‎..‎

وقف الرجل في مكانه لا يتحرك، وأعاد الكلام في رأسه مرتين ليتأكد أنه سمع جيداً، ثم سأل بصوت منخفض فيه ‏شيء من الرهبة: طيور الجنة؟ ومن الذي أحضرهم؟

فجاءه الرد: الحكومة‎..!!‎

هنا فتح الرجل فمه من الدهشة، وهز رأسه كمن اكتشف سراً خطيراً من أسرار الدولة، وقال: والله ناس (الإنقاذ) ‏واصلين.. لمن جابوا طيور الجنة ذاتها‎!‎

واليوم تمتلئ وسائل التواصل الاجتماعي باتهامات لخالد سلك بأنه هو من منع البرهان من دخول قاعة الجمعية العامة ‏للأمم المتحدة في نيويورك‎..!‎

ولو مرّ صاحبنا القديم اليوم على هذه المنشورات، وسأل عن الحكاية، لفتح فمه بالدهشة نفسها وقال: خالد سلك ‏واصل‎..!!‎

الثبات في وجه الحملة

ما يلفت النظر في تجربة خالد عمر يوسف أنه تعرّض لحملة متواصلة منذ أعوام، شملت الاعتقال والتهديد والتشويه ‏والإبعاد عن البلاد، ومع ذلك لم يغيّر نبرته ولم ينجر إلى لغة خصومه. لم يرد على الشتيمة بمثلها، ولم يتراجع عن ‏موقفه من الحرب رغم كلفته العالية عليه وعلى أسرته. وهذا الثبات تحديداً هو ما يُغضب خصومه أكثر من أي شيء ‏آخر، لأن الهدف من حملات التشويه هو إسكات الشخص أو دفعه إلى التراجع أو إلى الانفعال، وإذا لم يتحقق شيء ‏من ذلك تفقد الحملة جدواها وتتحول إلى شاهد على صاحبها‎.‎

بين النقد والتخوين

ولا يعني كل ما سبق أن الرجل فوق النقد. فخياراته السياسية، ومنها الشراكة مع العسكريين في الفترة الانتقالية، ‏والاتفاق الإطاري، وأداء الحكومة التي كان جزءاً منها، كلها موضوعات يدور حولها نقاش واسع ومشروع، حتى ‏داخل صفوف القوى المدنية نفسها، وهناك من يختلف معه فيها بحجج جادة تستحق الاستماع. غير أن هذا النوع من ‏النقد يختلف في طبيعته عن الحملة التي يقودها الإسلامويون. فالنقد يناقش المواقف والقرارات، ويقبل الرد، ويبقى في ‏حدود الخلاف السياسي. أما حملتهم فتستهدف الشخص نفسه، وتطعن في وطنيته وذمته، وتسعى إلى إخراجه من ‏دائرة المواطنة كلها. والتمييز بين الأمرين ضروري، حتى لا يختلط الخلاف المشروع بحملة التشويه‎.‎

لماذا هو ظاهرة؟

يجتمع في خالد عمر يوسف ما يندر اجتماعه في شخص واحد: فهو من جيل نشأ تحت حكم الإسلامويين ثم خرج ‏عليهم، ويملك لغة هادئة مقنعة يصعب الرد عليها بالصراخ، وله تجربة في الحكم مسّت مصالحهم مباشرة، ويقف ‏موقفاً واضحاً ضد الحرب في لحظة يرون فيها الحرب طريق عودتهم، ويُظهر قدرة على الثبات أمام حملات ‏متواصلة، تسنده في ذلك شخصية تتسم بالرزانة والأدب والتهذيب والثقة العالية بالنفس، منحته قوة في الطرح وقدرة ‏على مواجهة المواقف الصعبة دون تردد. وكل عنصر من هذه العناصر كان كافياً وحده ليضعه في دائرة استهدافهم، ‏أما اجتماعها كلها فقد جعله في صدارة هذه الدائرة، وجعل منه ظاهرة في السياسة السودانية المعاصرة‎.‎

خلاصة

تكشف تجربة خالد عمر يوسف أن الحملات التي تشنها جماعات الإسلام السياسي على خصومها تتبع نمطاً ثابتاً لم ‏يتغير منذ عام 1989: تختار الشخص الأكثر تأثيراً، وتتجنب مناقشة أفكاره، وتركّز على الطعن في وطنيته وذمته، ‏وتكرر التهمة حتى تستقر في أذهان الناس. وحجم الحملة عليه يعكس حجم تأثيره، وهي في الوقت نفسه تقول عن ‏أصحابها أكثر مما تقول عنه، فتكشف طريقتهم في التفكير والعمل، وخوفهم الحقيقي من جيل سوداني جديد يعرفهم ‏جيداً ويرفض أن يعود إلى ما كان‎.‎

وما يتعرض له الرجل اليوم لا صلة له بالنقد المشروع، وهو في حقيقته محاولة لإسكات صوت يدعو إلى السلام في ‏بلد أنهكته الحرب. وسيبقى هذا الصوت، بقدر ما يثبت صاحبه على موقفه، من أوضح الشواهد على أن جيلاً كاملاً ‏نشأ تحت حكم الإسلامويين اختار طريقاً آخر لبلده‎.‎

altaghyeer.info