خبر ⁄سياسي

مجد على الأنقاض

نشر:آخر تحديث:
مجد على الأنقاض

مجد على الأنقاض‏

خديجة الرفاعي

هل يُعقل أن تكون دولة بأكملها تعيش في عتمة دائمة، ينقطع عنها ‏التيار الكهربائي أيامًا متصلة، وتجفّ صنابيرها من الماء، وتتهاوى ‏مرافقها الصحية حتى باتت المستشفيات القليلة الصامدة تعمل بالكاد ‏وبلا دواء ولا كوادر كافية، ومعظم وزاراتها تُدار بنسبة ضئيلة من ‏طاقتها البشرية بعد أن هجرها موظفوها بين نازح ولاجئ وقتيل، أن ‏تكون كل هذه الدولة مجرد خلفية باهتة في ذهن قائد عسكري يبحث ‏عن مجدٍ شخصي يتوّجه رئيسًا، غير مُلتفتٍ إلى شيء من هذه ‏المآلات؟ هذا هو بالضبط ما يعيشه السودان اليوم، دولة أنهكتها أربع ‏سنوات من حرب لا تلوح لها نهاية، بينما يبدو أن هاجس القائد ‏العسكري الأول ليس كيف يوقف النزيف، بل كيف يضمن مقعدًا في ‏قصر الرئاسة حين تسكت المدافع، إن سكتت.‏

فالسودان اليوم ليس دولة تُحصي خسائرها الاقتصادية أو تعدّ ‏أضرارها في البنية التحتية فحسب، بل دولة تحوّل جلّ سكانها إلى ‏نازحين ولاجئين، في واحدة من أكبر أزمات النزوح التي يشهدها ‏العالم في العقود الأخيرة. الملايين تكدّسوا في معسكرات مؤقتة داخل ‏حدود بلادهم، أو عبروا الحدود إلى تشاد ومصر وجنوب السودان ‏وغيرها، يفترشون الأرض في مخيمات لا تفي بأبسط شروط الكرامة ‏الإنسانية، بينما من تبقّى منهم في الداخل يُعاني تحت وطأة حربٍ ‏مستمرة، وفقرٍ مدقع، وانعدام شبه كامل للخدمات الأساسية. هذه ليست ‏أرقامًا في تقرير أممي عابر، بل ملايين من البشر فقدوا بيوتهم ‏وأمنهم ومستقبلهم، بينما تستمر الحرب التي تُدار باسمهم دون أن ‏تسألهم رأيًا فيها.‏

وفي مقابل هذا الانهيار الشامل، يبدو أن معركة قائد الجيش الحقيقية ‏ليست معركة إنقاذ الدولة من الانهيار، بل معركة تثبيت شرعيته ‏السياسية وتحويل موقعه العسكري المؤقت إلى مشروع رئاسي دائم. ‏فكل خطوة سياسية يتخذها، من “مبادرات الحوار” التي تُطلَق بين ‏حين وآخر إلى الترتيبات الدستورية التي تُناقَش في الغرف المغلقة، ‏تصبّ في اتجاه واحد: تثبيت موقعه في معادلة ما بعد الحرب، لا ‏إنهاء الحرب ذاتها بأسرع وقت ممكن وبأقل الخسائر الممكنة. وكأن ‏الحرب، بكل ما تجرّه من دمار، تحوّلت من كارثة وطنية يجب ‏اجتثاثها، إلى مسرح يُدار بعناية لصناعة صورة المنقذ الذي سيقود ‏البلاد بعد النصر، ولو كان هذا النصر على أنقاض دولة لم يعد فيها ‏ما يستحق أن يُحكَم.‏

والمفارقة المؤلمة أن من يُفترض أن يكون حارس الدولة ومؤسساتها ‏أي المؤسسة العسكرية هي ذاتها من تدير معركته الشخصية على ‏حساب الدولة، بينما تُترك الوزارات الخدمية من الصحة إلى الكهرباء ‏إلى المياه إلى التعليم، تُدار بجهد فردي من موظفين صامدين منهم من ‏لم يتقاضوا رواتبهم منذ أشهر يعملون في مبانٍ متهالكة أو مدمّرة بلا ‏موازنات حقيقية ولا دعم مركزي جاد. فبينما يُصرَف الجهد السياسي ‏والدبلوماسي كله على تثبيت موقع القائد في معادلة السلطة القادمة، ‏تتآكل الدولة من الداخل، ويتحول الحديث عن “الرئاسة” إلى ترف ‏سياسي في بلد لم يعد يملك الحد الأدنى من مقومات الدولة الوظيفية.‏

وهنا يُطرح السؤال الجوهري: أي شرعية يبحث عنها من يقود بلدًا ‏هذا حاله؟ فالمجد الشخصي الذي يُراد تثبيته اليوم لن يُبنى إلا على ‏أنقاض شعبٍ مشرَد، ودولة مفككة ومؤسسات منهارة. ولعل أعمق ‏مأساة في هذا المشهد أن معركة البقاء في السلطة تُدار بمنطق منفصل ‏تمامًا عن معركة إنقاذ الناس، وكأن ثمة دولتين: دولة افتراضية ‏يُخطَّط لرئاستها في الغرف المغلقة، ودولة حقيقية يموت أهلها جوعًا ‏ومرضًا ونزوحًا في العراء. ولن يكتب التاريخ لمن يصل إلى القصر ‏على هذا النحو مجدًا، بل سيكتب له وصمة قائدٍ رأى بلاده تحترق ‏واختار أن يتفاوض على موقعه من الرماد بدلًا من أن يُطفئ النار.‏

altaghyeer.info