خبر ⁄سياسي

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الثالثة: المحامي ليس رجل المحكمة فقط

نشر:آخر تحديث:

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق

 الحلقة الثالثة: المحامي… ليس رجل المحكمة فقط

ميرغني الحبر/ المحامي

حين يُذكر المحامي أمام كثير من الناس، تتجه الصورة مباشرة إلى قاعة المحكمة: محامٍ يقف مرتدياً ثوبه الأنيق ، يحمل ملفاً، ويترافع أمام القاضي عن متهم أو مدعٍ أو مدعى عليه.

وهذه صورة أصيلة من صور عمل المحامي، لكنها لا تختصر المحاماة.

فالمحكمة هي الجزء الأكثر ظهوراً من المهنة، أما الجزء الأكبر من العمل القانوني فقد يبدأ قبل أن توجد القضية أصلاً؛ وقد يكون نجاح المحامي الحقيقي في أن يمنع النزاع من أن يصبح قضية.

قد يأتيه شخص يريد إبرام عقد، فيراجعه معه، وينبهه إلى حقوقه والتزاماته وما قد يترتب على بعض بنوده من آثار.

وقد يأتيه صاحب عمل يريد إنشاء شركة، أو الدخول في شراكة، أو شراء أرض، أو استئجار عقار، أو بدء مشروع، فينظر المحامي إلى ما وراء الكلمات والأرقام، ويبحث عن المخاطر التي قد لا تظهر لصاحب المصلحة في لحظة الحماس أو الاستعجال.

وقد يكون الأمر أبسط من ذلك:

شخص تلقى إنذاراً قانونياً ولا يعرف كيف يتعامل معه.

وآخر طُلب منه توقيع مستند لا يدرك آثاره.

وثالث يعرف أن له حقاً، لكنه لا يعرف الطريق القانوني للوصول إليه.

ورابع يواجه نزاعاً عائلياً أو تجارياً، ويظن أن المحكمة هي البداية، بينما قد يكون التفاوض أو التسوية هو الطريق الأجدى.

هنا يظهر وجه آخر للمحاماة.

فالمحامي لا يأتي دائماً بعد وقوع المشكلة؛ بل قد تكون مهمته الأهم أن يساعد على ألا تقع.

فالاستشارة القانونية في وقتها قد توفر سنوات من النزاع، والعقد المحكم قد يمنع خصومة، والتنبيه إلى خطأ في إجراء قد يحمي حقاً، والتفاوض المهني قد ينهي نزاعاً يحفظ فيه كل طرف حقه وكرامته.

وقد لا يعلم أحد أن محامياً أنقذ صفقة من الفشل، أو وفر على موكله خسارة كبيرة، أو حال دون نزاع كان يمكن أن يستمر سنوات.

لكن ذلك كله عمل قانوني حقيقي.

 المحاماة مهنة للوقاية كما هي مهنة للدفاع

المحامي يعمل في القانون قبل أن يعمل في الخصومة.

فهو يساعد الفرد والأسرة والتاجر والعامل وصاحب العمل والشركة والمؤسسة على معرفة مراكزهم القانونية، وتنظيم معاملاتهم، وحماية مصالحهم، وتجنب المخاطر التي قد تتحول لاحقاً إلى نزاعات.

ولهذا ليس كل خلاف بحاجة إلى محكمة، وليس كل حق يحتاج إلى سنوات من التقاضي حتى يُصان.

وقد يكون من أفضل ما يفعله المحامي أن يقنع موكله بأن المعركة التي يستطيع تجنبها أفضل من المعركة التي يستطيع كسبها.

فالتسوية العادلة ليست دائماً تراجعاً، والتفاوض ليس ضعفاً، واللجوء إلى القضاء ليس دائماً الخيار الأول.

المحامي لا يبحث عن الخصومة لذاتها؛ وإنما يبحث عن الطريق القانوني الأجدى لحماية حق موكله.

وحين تصبح المحكمة هي الطريق

وعندما يصبح التقاضي ضرورياً، يظهر الوجه الذي يعرفه الناس أكثر.

يقف المحامي أمام القضاء، يعرض وقائع موكله، ويناقش الأدلة، ويتمسك بحقوقه، ويدافع عن مركزه القانوني في حدود القانون.

وحتى في القضايا الجنائية، حين يتولى المحامي الدفاع عن متهم، فإنه لا يصبح حكماً على موكله، ولا يملك أن يمنح البراءة، ولا أن يغير الحقيقة بوسائل غير مشروعة.

إنما يؤدي واجبه في أن يُسمع دفاع موكله، وأن تطبق عليه أحكام القانون، وأن تجري المحاكمة في إطار الضمانات المقررة.

وهنا تتضح قاعدة مهمة:

المحامي لا يدافع دائماً عن الشخص؛ وإنما يدافع عن حقه في أن يُعامل وفق القانون.

وهو بذلك لا يقف في مواجهة العدالة، وإنما يؤدي دوره داخل منظومتها، ثم يترك للقضاء أن يقول كلمته.

 قيمة المحامي في معرفته

القانون، مثل الطب والهندسة وغيرهما من مجالات المعرفة، أصبح علماً له قواعده وإجراءاته وتفاصيله.

والإنسان قد يعرف ما يريد، لكنه لا يعرف كيف يحميه قانوناً.

وقد يعرف أن له حقاً، لكنه لا يعرف الطريق الصحيح للوصول إليه.

وقد يوقع عقداً يبدو بسيطاً، ثم يكتشف لاحقاً أن عبارة واحدة فيه كانت تحمل التزاماً لم ينتبه إليه.

ولهذا فإن الاستعانة بالمحامي ليست ترفاً ولا دليلاً على عجز الإنسان عن إدارة شؤونه؛ وإنما هي استعانة بخبرة متخصصة عندما يكون القرار ذا أثر قانوني.

ولهذا أيضاً لا يبيع المحامي لموكله حكماً أو براءة أو نتيجة مضمونة.

إنما يقدم له علمه وخبرته ووقته وجهده.

أما الحكم، فملك للقضاء.

 المحاماة ومصلحة المجتمع

لا تتوقف آثار المحاماة عند مصلحة الموكل.

فعندما يمنع المحامي نزاعاً قبل وقوعه، فإنه يحمي أطرافاً قد تتجاوزهم آثار النزاع.

وعندما يساعد في صياغة عقد واضح، فإنه يقلل احتمالات الخصومة.

وعندما ينجح في تسوية نزاع، فإنه يوفر على أطرافه الوقت والمال، ويخفف في الوقت نفسه العبء عن مؤسسات العدالة.

وعندما يقف أمام القضاء مطالباً بحق، فإنه يساهم في أن يكون الاحتكام إلى القانون بديلاً عن الاحتكام إلى القوة.

وهنا تكمن إحدى الوظائف الاجتماعية العميقة للمحاماة: أن تساعد المجتمع على حل خلافاته بالقانون، لا بالقوة.

ومن ثم فإن استقلال المحاماة ومكانتها ليسا شأناً خاصاً بالمحامين؛ فالمجتمع نفسه يحتاج إلى محاماة قوية ومهنية ومستقلة.

وفي زمن الحرب والاضطراب

تزداد هذه الحاجة حين تضطرب الحياة وتتداخل الحقوق وتعقد المعاملات وتكثر المخاطر.

قد تضيع مستندات، وتتغير أوضاع الملكية، وتتداخل المصالح، وتنشأ خصومات، ويصبح الوصول إلى المعلومة القانونية أكثر صعوبة.

وفي مثل هذه الظروف يحتاج الناس إلى من يميز بين الحق والادعاء، وبين الإجراء الصحيح والخاطئ، وبين النص القانوني والرأي الشخصي.

ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط:

ماذا يستطيع المحامي أن يفعل داخل المحكمة؟

بل أيضاً:

ماذا يستطيع أن يفعل قبل أن نصل إلى المحكمة؟

وكيف يمكن للمعرفة القانونية أن تساعد الناس على حماية حقوقهم قبل أن تضيع، وأن تجعل القانون وسيلة للوقاية والحماية، لا مجرد وسيلة نلجأ إليها بعد وقوع الضرر؟

هنا تتسع صورة المحاماة، وتتجاوز قاعة المحكمة إلى الحياة نفسها.

 الاعتزاز بالمهنة لا يعفيها من النقد

ولأننا نعتز بالمحاماة، فإننا لا نريد لها أن تكون فوق النقد.

ولأننا نؤمن بقيمتها، فإننا نريد من أهلها أن يكونوا في مستوى هذه القيمة.

فإذا أخطأ محامٍ، فإن مساءلته لا تسيء إلى المهنة، بل تحميها.

وإذا أساء أحد منتسبيها التصرف، فإن تصحيح الخطأ لا ينتقص من مكانتها، بل يصونها.

وفي المقابل، لا يجوز أن تختزل مهنة كاملة في أخطاء بعض أفرادها، أو في صورة واحدة من صور عملها، أو في انطباعات تكونت عنها في أوقات الخصومة والاستقطاب.

لا تمجيد للمحامي لمجرد أنه محامٍ، ولا نيل من المحاماة بسبب خطأ من أحد أبنائها؛ وإنما إنصاف للمهنة.

 المحاماة التي نريد أن يعرفها الناس

المحاماة ليست مجرد مرافعة، ولا مجرد خصومة، ولا مجرد حضور في قاعة المحكمة.

هي علم وخبرة وممارسة مهنية، وهي في الوقت نفسه مسؤولية تتصل بحقوق الناس وحرياتهم وأموالهم وعلاقاتهم.

والمحامي لا يملك العدالة، ولا يصنع الأحكام، لكنه يستطيع أن يكون أحد أهم أدوات الوصول إليها.

وقد تكون أعظم خدمة يقدمها لموكله قضية يكسبها أمام المحكمة، وقد تكون أعظم من ذلك قضية لم تقع أصلاً لأنه حال بينه وبين  الوقوع فيها.

لذلك فإننا لا نريد أن نعيد اختراع صورة المحامي في مخيلة الناس، وإنما أن نعيد تقديم المحاماة للمجتمع في صورتها الحقيقية:

مهنة تقوم على المعرفة والخبرة، ورسالة في خدمة العدالة، ومسؤولية في حماية الحقوق.

 ومن هنا نصل إلى سؤال لا يقل أهمية:

إذا كانت المحاماة تقوم على العلم والخبرة، وإذا كان المحامي يتعامل مع حقوق الناس وأموالهم وحرياتهم ومصائرهم، فهل يكفي أن يعرف المحامي القانون؟

أم أن هناك ما هو أبعد من معرفة النصوص؟

فقد يعرف ما يسمح به القانون، وقد يكون التصرف صحيحاً في ظاهره، لكنه لا ينسجم مع شرف المهنة وروحها.

وهنا تبدأ الحكاية الأصعب…

حكاية أخلاق المحاماة.

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الثانية: المحاماة… مهنة يعرفها الناس ولا يعرفونها

altaghyeer.info