خبر ⁄سياسي

هشام عز الدين يكتب: الخدمة المدنية هل انتهى زمن الاستثناء

نشر:آخر تحديث:
هشام عز الدين يكتب: الخدمة المدنية هل انتهى زمن الاستثناء

قرار وزارة مجلس الوزراء بضرورة تبليغ جميع الموظفين غير المستوعبين إلى أعمالهم خلال 45 يوماً، أعتقد أنه جاء في وقته، لأن الظروف التي فرضت هذا الوضع لم تعد كما كانت في بداية الحرب.

عندما اندلعت الحرب تغير كل شيء. خرجت الخرطوم من كونها مركز العمل الحكومي، وانتقلت معظم مؤسسات الدولة إلى بورتسودان، التي أصبحت بحكم الظروف عاصمة إدارية مؤقتة. وكان ذلك أمراً فرضته الحرب، وليس خياراً إدارياً.

في ذلك الوقت كان من الطبيعي أن تعمل الوزارات والهيئات بأعداد محدودة من موظفيها. كثير من العاملين غادروا السودان مع أسرهم، وبعضهم اضطر إلى السفر بسبب ظروفه الأمنية والاجتماعية، بينما تمكن آخرون من الوصول إلى بورتسودان ومواصلة أعمالهم. وفي بعض المؤسسات لم يكن الموجودون يتجاوزون 10% من قوة العمل.

في البداية كان الجميع يتفهم ذلك. الدولة في حالة حرب، والظروف لا تسمح بأكثر من الحد الأدنى من العمل.

لكن المشكلة أن الوضع الاستثنائي طال، ومع طول الفترة بدأ يتحول في بعض المؤسسات إلى واقع إداري مستقر.

الموجودون أصبحوا هم الذين يديرون العمل اليومي، ويتلقون التكليفات، ويحضرون الاجتماعات، ويتولون الملفات، وفي بعض الحالات يحصلون على الحوافز والتكليفات والامتيازات.

وفي المقابل كان هناك موظفون يريدون فقط العودة إلى أعمالهم.

وأعرف عدداً منهم ظلوا يراجعون مؤسساتهم، ويطلبون مباشرة أعمالهم، فيعودون خائبين بالرد نفسه: ( حنتصل بيكم عند الحاجة).

وهكذا ظل الموظف معيناً في وظيفته، لكنه خارج المؤسسة، بينما أصبحت المؤسسة تعتمد على مجموعة محدودة من العاملين الموجودين.

ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك احتكاك وحساسيات، خصوصاً عندما يشعر الموظف الذي غاب بسبب ظروف الحرب أنه أصبح خارج حسابات مؤسسته، بينما يرى الموظف الموجود أنه تحمل العمل في أصعب الظروف.

والحقيقة أن الاثنين لهما ما يبرر موقفهما.

من عمل خلال الحرب يستحق التقدير، ومن غاب بسبب ظروف قاهرة لا ينبغي أن يُعامل وكأنه اختار ترك وظيفته.

لكن هناك نقطة أساسية يجب ألا نغفل عنها: الظروف التي فرضت هذا الاستثناء بدأت في الانتفاء.

اليوم عادت العاصمة إلى الخرطوم، وبدأت الحياة تعود إليها تدريجياً، وعادت مؤسسات الدولة إلى مقارها، أو أصبحت قادرة على استئناف عملها بصورة طبيعية. وبالتالي فإن استمرار بعض الترتيبات التي نشأت في ظروف الحرب يحتاج إلى مراجعة.

لا يمكن أن يستمر وضع استثنائي بعدما تغيرت الأسباب التي أنشأته.

وخلال سنوات الحرب لم تتغير فقط أعداد العاملين، وإنما تغيرت في بعض المؤسسات طريقة العمل نفسها.

حدث اضطراب في المسؤوليات، وتداخلت الاختصاصات، وضعف الالتزام بالتدرج الإداري، وظهرت أخطاء في المكاتبات والإجراءات، وضعفت الأرشفة وحفظ المستندات، وتراجعت بعض تقاليد العمل التي كانت مستقرة، إلى جانب حالات لتسريب خطابات ومكاتبات وقرارات رسمية.

وليس المقصود هنا أن نقول إن كل مؤسسة أو كل موظف وقع في هذه الأخطاء، لكن من الصعب تجاهل أن ظروف الحرب أوجدت فراغاً إدارياً كبيراً في عدد من المواقع، وهذا الفراغ أنتج ممارسات تحتاج اليوم إلى مراجعة.

ومن نتائج هذا الفراغ أيضاً أن بعض الموظفين وجدوا أنفسهم يتولون مهاماً أكبر من وظائفهم الأصلية، وبعضهم انتقل من وظائف عمالية إلى وظائف إدارية، وبعضهم تولى مسؤوليات لم يكن ليصل إليها في الظروف الطبيعية.

مرة أخرى، لا اعتراض على طموح أي موظف، ولا على أن يثبت الإنسان كفاءته ويتقدم.

لكن التدرج الوظيفي له قواعد، والمؤسسات لا يمكن أن تعيد بناء نفسها على أساس من شغل الموقع خلال فترة الحرب فقط.

والأمر لا يتعلق بالوظائف الحساسة وحدها. نحن نتحدث عن المؤسسة كلها: عن الهيكل الوظيفي، وتوزيع الاختصاصات، وتسلسل المسؤوليات، ومسارات المكاتبات، وحفظ الملفات، واتخاذ القرار، وتقييم الأداء، والحوافز، والتكليفات، وكل التفاصيل التي تجعل المؤسسة تعمل كمؤسسة، لا كمجموعة أفراد وجدوا أنفسهم يعملون معاً في ظرف استثنائي.

وهنا تظهر أهمية الخبرة.

الخدمة المدنية ليست لوائح مكتوبة فقط. هناك ما يمكن أن نسميه الذاكرة المؤسسية؛ وهي الخبرة التي تتراكم داخل المؤسسات عبر سنوات طويلة، ويعرف أصحابها تفاصيل العمل التي لا يمكن أن تجدها كلها في منشور أو لائحة.

غياب أعداد كبيرة من أصحاب الخبرة خلال الحرب أحدث فجوة في بعض المؤسسات، ومع استمرار هذه الفجوة ظهرت أخطاء واضطرابات لم تكن لتظهر بهذه الصورة في الظروف الطبيعية.

لذلك فإن عودة الموظفين إلى أعمالهم يجب ألا تكون مجرد تنفيذ لقرار إداري.

يجب أن تكون فرصة لمراجعة ما حدث كله.

من عاد؟ ومن ظل خارج موقعه؟ ومن شغل الوظائف خلال فترة الغياب؟ كيف تمت التكليفات؟ كيف توزعت الحوافز؟ هل ما زالت بعض الترتيبات التي نشأت أثناء الحرب مبررة؟ وهل عادت الاختصاصات إلى أصحابها؟ وهل عادت المؤسسات إلى لوائحها وتقاليدها؟

لا أحد يريد أن يعاقب الموظف الذي تحمل العمل في زمن الحرب، ولا أن يظلم الموظف الذي غاب بسبب ظروف لم يخترها.

المطلوب فقط أن تنتهي حالة الاستثناء بانتهاء أسبابها، وأن تعود الخدمة المدنية إلى وضعها الطبيعي.

فالمرحلة القادمة تحتاج إلى مؤسسات تعمل وفق قواعد واضحة، لا وفق ترتيبات صنعتها سنوات الحرب.

وإذا كانت الحرب قد فرضت على الدولة أن تعمل بما هو متاح، فإن عودة الحياة إلى طبيعتها تفرض عليها الآن أن تعود إلى ما يجب أن يكون.

محبتي

Bajnews.net