خبر ⁄سياسي

أزمة المعيشة وحدود جريمة كامل إدريس

نشر:آخر تحديث:

 

أزمة المعيشة وحدود جريمة كامل إدريس!

رشا عوض

حكم العسكر السودان ستين عاما، وخلالها رسخوا ثقافة سياسية تحتقر الاحزاب السياسية وتجعل من الحكم المدني ورموزه مادة للتندر والسخرية وهدفا للتجريم والتخوين والتشويه المنهجي ، هذه الثقافة المعتلة تدخل في روع الشعب ان انقاذه من اي ورطة عويصة يحتاج الى يد عسكرية، وبحسب ثقافة الاستبداد العسكري تظل عين النقد والمساءلة عن الفشل مصوبة في اتجاه المدنيين ، وعمياء تماما تجاه ضفة العسكر! بل تعتقد جازمة ان النظرة الناقدة لهم جريمة وطنية ، وانهم اي العسكر هم الملجأ والملاذ الامن وليسوا صناعا للازمة! هم الجهة المنتظرة للتدخل ووضع الامور في نصابها ، والحقيقة التي يغطي عليها غبار التضليل المنهجي هي ان العسكر هم السلطة العليا واصحاب الامر والنهي خصوصا في هذه السنوات الاخيرة الكالحة سنوات انقلاب ٢٥ اكتوبر ٢٠٢١ ثم حرب ١٥ ابريل ٢٠٢٣ المستمرة حتى الان.

متى نقول ان في البلاد سلطة مدنية؟

عندما تكون لها سلطة على مؤسسات احتكار العنف وانفاذ القانون وحماية الامن ( الجيش والشرطة وجهاز الامن والمخابرات)

وعندما تكون كل العائدات المالية من موارد البلاد الاقتصادية تحت ولاية وزارة المالية الخاضعة تماما لسلطة رئيس الوزراء المدني الذي من حقه تعيين ومحاسبة واقالة وزير المالية الذي يجب ان ينفذ سياسة الانفاق الحكومي النابعة من الحكومة المدنية حسب الاولويات التي تحددها وتراقب تنفيذها.

هل تركيبة سلطة الامر الواقع بقيادة الجيش تسمح بوجود سلطة مدنية تنطبق عليها هذه المواصفات سواء بقيادة كامل ادريس أو اي رئيس وزراء غيره ؟

ابدا! فهي سلطة عسكرية صرفة! والكلمة العليا فيها لمن يحملون السلاح ممثلين في الجيش والمليشيات القبلية المتحالفة معه، ومليشيات الكيزان وأجهزتهم الأمنية الخاصة ، هؤلاء هم أهل الحل والعقد السياسي في الدولة سواء في شؤونها الداخلية او علاقاتها الخارجية ، وفي قضية الحرب والسلام ، وهم من يتحكمون في الموارد الاقتصادية عبر تقاسم ثروة غير معلن للشعب، وترسم حدوده ومقاديره البنادق! ابتداء من الذهب والبترول وصولا الى ” الشفشفة” التي ترتدي قناع الضرائب والرسوم الحكومية.

العيشة الضنك التي يعانيها السودانيون والازمات الخانقة التي تسحقهم من غلاء وانعدام او رداءة خدمات الماء والكهرباء والمواصلات ، وانهيار الصحة والتعليم والبيئة ، كل ذلك مفتاح حله ايقاف الحرب وتخصيص ما هو متوفر للبلاد من اموال للانفاق على معالجة ازمات المعيشة، وتهيئة البلاد لعلاقات خارجية صحية تخدم اهدافها في ازالة اثار الحرب و التنمية عبر جذب الاستثمارات والمساعدات لسد فجوة العجز الكبيرة.

هل يمتلك كامل ادريس مثلا صلاحيات لمنع تهريب عشرات الاطنان من الذهب التي لا تودع عائداتها وهي بمليارات الدولارات الى بنك السودان؟ بالطبع لا ! لان التهريب يتم لصالح العسكر والمليشيات غير المساءلة امام اي احد فهي صاحبة السلطة المطلقة ومن ابى فحسبه ” طلقة في رأسه” !

هل يمتلك كامل ادريس صلاحية اقالة جبريل ابراهيم وزير المالية لانه انفق الموارد على حركته واهمل كل ما له صلة بمعاش الناس؟ مؤكد لا ! لأن جبريل تبوأ منصبه متوكئا على بندقيته وهو مستمر فيه بسند بعض اخوانه الكيزان النافذين في الدولة العميقة!

هل يمتلك كامل ادريس مساءلة وزراء مناوي في وزارات النفط والمعادن ؟ وهل من حقة مساءلة مناوي عن عائدات النشاط التعديني الضخم لمنسوبي حركته؟

مؤكد لا ! لانهم اصحاب بندقية وسيقولون له ببساطة شديدة لولا بندقيتنا لما استطعت التجول في الخرطوم! ونفس هذا الكلام يمكن ان يسمعه من اصغر مستنفر برائي او من اي مليشيا كيزانية لو سأل مجرد سؤال عن فساد الشبكات الكيزانية.

باختصار ، جذر الازمة الاقتصادية الطاحنة في السودان هو الحرب ومنظومة الحكم العسكري المليشياوي الذي يحمي نظام ” اللغفيبة المحمية بالسلاح”، هذا نظام حتى في ظروف السلم نتيجته الحتمية افقار المواطنين وتجويعهم بالمعنى الحرفي! المصيبة الان هي ان ” نظام اللغفيبة المحمية بالسلاح” اصبح مرتبطا عضويا باستمرار الحرب، لانه يستثمر في اقتصاد الحرب وفي ظله يتكاثر لوردات الحرب! وتأسيسا على ذلك يجب ان نربط الازمة بصناعها الحقيقيين والمسؤولين المباشرين عنها وهم الجيش والمليشيات الكيزانية وغير الكيزانية المتحالفة معه ، وشبكات الفساد المستوطنة فيما تبقى من جهاز الدولة الفاشل.

“صحافة قمبرة الشعب السوداني” وبالتواطؤ مع العسكر تحاول تضليل الرأي العام بان عنوان الازمة هو حكومة كامل ادريس! وكأنما كامل ادريس هذا له وجود مستقل عن العسكر! في حين ان هذا الرجل هو احد ” اشتغالات العسكر” لخداع الداخل والخارج ! وجريمته التي يجب ان يحاسب عليها امام السودانيين هي قبوله بان يكون واجهة مدنية لتزيين حكم عسكري فاسد، واشتراكه عمليا في تسويق “سردية الاستبداد العسكري” وهي ان الحاكم المدني لا يمكن ان يكون الا فاشلا ونموذجا للتهريج والعبث ولا حل سوى الاستنجاد بالعسكر” لاستعدال الحال المائل” !!

يجب ان لا نعيش داخل هذه الأكذوبة ، فكامل ادريس ليس حاكما مدنيا بل هو جزء لا يتجزأ من سلطة عسكرية كاملة الدسم رضي ان يلعب لها دور المحلل المدني، كامل ادريس هو نموذج رئيس الوزراء المدني المحبب والمفضل لدى العسكر ، فهو يقبل طواعية ان ينطبق عليه المثل الشعبي” ريسوك وتيسوك” ، وفي ذات الوقت يلعب دور الشماعة التي تعلق عليها خيبات حكم العسكر، وفي الوقت المناسب يمكن تحويله الى كبش فداء لخداع الناس بان هناك امل جديد عبر تغيير رئيس الوزراء!!

ان الامل الوحيد في فتح الطريق امام حل حقيقي ومستدام للأزمة الاقتصادية هو: ايقاف الحرب ، وتأسيس السلام على اساس انعتاق الشعب السوداني من الدكتاتورية العسكرية بقيادة الجيش وهذا لن يتحقق الا بإعادة بنائه على اسس وطنية ومهنية ، والتخلص من المليشيات كلها بدون استثناء ( الد.عم السريع ، المشتركة، درع السودان ، هيئة العمليات ،البراء ابن مالك واخواتها ومليشيات الشرق ، ومليشيات موسى هلال و النور القبة واي مليشيا قيد التشكل الان) ، لان استمرار الجيش كحزب سياسي واستمرار عشرات الاحزاب السياسية المسلحة ممثلة في المليشيات التي تنافس الجيش على السلطة بالسلاح لن يقود الا الى نتيجتين: استمرار الحروب حتى لو انتهت الحرب الحالية بهزيمة ساحقة للد.عم السريع وطرده الى ما وراء ام دافوق، واستمرار نظام التجويع والافقار للسواد الاعظم من الشعب الذي يتجسد في ” نظام اللغفيبة المحمية بالسلاح” سواء في بورسودان او الخرطوم او نيالا.

altaghyeer.info