أم وضاح.. نواح للبيع
أم وضاح.. نواح للبيع
أحمد عثمان جبريل
❝حين يصبح الكلام مهنة.. يصبح السؤال: من يدفع ثمنه؟
وحين يصبح الصوت أعلى من الدليل.. لا يعود الكلام بحثاً عن الحقيقة.. بل بحثاً عن التصفيق.❞
تقول الحكاية إن بغداد عرفت النائحات المحترفات؛ نساءً كان النواح عند بعضهن مهنة.. يحضرن مجالس الموت، ويرفعن أصواتهن، ويعددن مناقب الراحل، حتى صار للحزن صوتٌ مستأجر، وللدمعة أجر، ولارتفاع النحيب قيمة في سوق المشهد.
لم يكن مهماً دائماً أن يكون الميت عظيماً.. المهم أن يكون النواح عالياً.
ومن هنا تبدأ الحكاية التي لا تتعلق بالموتى هذه المرة.. بل بالكلام، حين يصبح الصوت مهنة.. ويصبح الميزان قابلاً للتبديل.
(1)
لنضع الأرشيف على الطاولة أولاً.. فالذاكرة تخون، والمواقف تتبدل، لكن ما كُتب لا يشيخ..
في فبراير 2019 كانت أم وضاح ترى في الاحتجاجات السودانية (صحوة شبابية عظيمة) وتصف الثورة بأنها مستحقة، وترى في الشباب الذين واجهوا البمبان والرصاص جيلاً يبحث عن واقع أفضل.
وفي مايو 2020 خاطبت لجان المقاومة بعبارة (أصحى يا ترس) ووصفت المقاومة بأنها من أجمل وأنبل مشاهد ثورة ديسمبر..
كان ذلك منشوراً.. لا همساً في مجلس..
كان موقفاً مكتوباً.. شاهداً على صاحبه.
والأرشيف لا يجامل أحداً.
(2)
ثم دارت الأيام.. ودارت معها اللغة.
وهذا حقها..
من حق الإنسان أن يراجع موقفه.. ومن حق الصحفي أن يكتشف أنه أخطأ.. بل من شجاعة الصحفي أن يقول: كنت مخطئاً..
لكن المشكلة تبدأ في مكان آخر..
حين يتغير الموقف.. ولا يتغير الاعتراف به..
وحين يصبح ما كان بالأمس بطولةً وشباباً وفداءً ومقاومة.. قابلاً اليوم لأن يُقرأ بعين أخرى، كأن الأمس لم يكن.
نحن لا نحاكم أم وضاح لأنها غيّرت رأيها.
نسأل فقط:
(هل تغيّر الرأي.. أم تغيّر الميزان؟)..
فالصحافة لا تُقاس بمن تقف معه اليوم.. وإنما بالميزان الذي تقيس به الجميع.
(3)
ثم يأتي السؤال الذي أشعل هذه المساحة:
(من يمول القناة التي يُقال إنها ستنشأ في لندن؟)..
(هل وراءها تمويل إماراتي؟)..
حسناً.. اسألي.
بل ارفعي السؤال إلى آخر السقف:
(من الممول؟)
(من الشركاء؟)
(كم المال؟)
(كيف تم الاستلام؟)
(وما طبيعة العلاقة؟)
هذه صحافة..
لكن الصحافة تتوقف عند السؤال.. حتى تصل إلى الدليل..
أما حين يتحول السؤال إلى إدانة.. والشك إلى يقين.. واليقين إلى مؤامرة.. ثم تُرمى الأسماء في الهواء قبل أن توضع وثيقة واحدة على الطاولة، فهنا لا يعود الميكروفون أداة بحث..
يصبح منصة حكم.
والفرق بين الصحفي والقاضي بسيط: “القاضي لا يحكم بالنبرة.. وإنما بالبينات”.
(4)
والمفارقة أن حساسية المال لا ينبغي أن تكون موسمية..
إن كان القرب من دولة أو مؤسسة أو ممول سبباً كافياً للريبة.. فليكن السؤال على الجميع..
لا يصبح المال خطراً حين يأتي من نافذة.. ثم يتحول إلى (علاقة عادية) حين يدخل من باب آخر..
فالميزان الذي يتغير بتغير الجهة..
ليس ميزاناً.. بل موقف.
ولا مشكلة في أن تسألي..
المشكلة أن تعطي السؤال إجابته قبل أن تبحثي عنها..
هنا تبدأ الصحافة في فقدان اسمها..
وهنا يبدأ النواح.
(5)
ثم يأتي فيصل محمد صالح..
وليس فيصل اسماً ظهر أمس على طاولة السياسة والصحافة.
عرفناه سنوات، وعملنا معه، وعرفنا مهنيته عن قرب.. لكن شهادتنا الشخصية ليست وثيقة براءة، كما أن اختلاف الناس معه ليس شهادة إدانة.
فلندع الأرشيف يتحدث:
في عام 2013 نال فيصل محمد صالح جائزة بيتر ماكلر العالمية للشجاعة والنزاهة الصحفية، بعدما تعرض للاعتقال بسبب كتاباته عن انتهاكات حقوق الإنسان في السودان.
هذه ليست شهادة نكتبها نحن..
هذه شهادة كتبها سجل مهني سابق على هذه اللحظة.
ولذلك يصبح السؤال ثقيلاً:
هل يُهدم رصيد صحفي كامل.. بجملة على الهواء؟..
وهل تكفي نبرة مرتفعة لمحو سنوات من الكتابة؟
(6)
لا.. إن كان هناك مال مشبوه.. هاتوا دليله.
وإن كانت هناك شراكة خفية.. اكشفوا أسماءها.
وإن كان هناك مخطط.. ضعوا وثيقته على الطاولة.
لا نطلب حصانة لفيصل.
ولا نطلب حصانة لأحد.
نطلب فقط أن تكون الكلمة بحجم الدليل.
فالصحافة التي تملك وثيقتها.. لا تحتاج إلى الصراخ.
والصحفي الذي يملك دليله.. لا يحتاج إلى العويل.
أما أن يُحاكم مشروع لم يولد بعد.. ويُدان أصحابه قبل أن تتكلم القناة حرفاً واحداً..
فذلك لا يكشف مستوراً.
إنه يدفن السؤال قبل أن تكتمل إجابته.
(7)
وهنا نعود إلى البداية..
إلى النائحة التي كانت ترفع صوتها فوق جسد الميت..
لم يكن ارتفاع صوتها دليلاً على عظمة الراحل..
كما لم يكن طول نواحها دليلاً على صدق الحزن.
كان الصوت مهنة..
والمهنة لها ثمن..
لذلك لا نسأل أم وضاح لماذا غيرت رأيها.. فهذا حقها.
ولا نسألها لماذا انتقلت من موقع إلى آخر.. فهذا شأنها..
نسأل فقط:
(هل بقي الميزان نفسه؟)
لأن من حق الصحفي أن يغير رأيه..
لكن ليس من حقه أن يغيّر مقياس الحقيقة كلما تغيّر موقعه منها..
القلم لا يُحاسب لأنه تغيّر..
يُحاسب حين يتغير ميزانه.
واللسان لا يصبح حراً لأنه مرتفع..
ولا يصبح مهنياً لأنه صاخب.
أما الكلام الذي يسبق البينة..
فلا يصنع حقيقة..
يصنع ضجيجاً.
ومضة..
في أثينا القديمة، عُرف (السُّكوفانتي) بكثرة الاتهام ورفع الدعاوى، حتى صار الاتهام عند بعضهم وسيلة إلى المال والنفوذ.. لم تكن المشكلة أن الجرائم لم تكن موجودة.. بل أن الاتهام نفسه أصبح عند بعضهم طريقاً إلى الكسب..
منذ أثينا إلى يومنا هذا..
لم يتغير السؤال كثيراً:
(هل نملك دليلاً على ما نقول.. أم نملك فقط لساناً يجيد الاتهام؟)
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول:
حين يتغير الرأي.. لا نخاصم صاحبه.
وحين يتغير الموقف.. لا نطارده بالماضي.
لكن حين يتغير الميزان..
نرفع الأرشيف من على الرف.
وحين يصبح الصوت أعلى من الدليل..
لا نرفع أصواتنا معه.
نخفضها قليلاً..
لنسمع الحقيقة.
altaghyeer.info