الحياة هنا كما هي
الحياة هنا كما هي
بشارة يوسف
هنا لم تتغير الحياة؛ لا يزال الناس على عهدهم: طيبين، مسلمين، مسالمين وعفويين، غير لاهثين ولا منشغلين بما يحدث في العالم. ليسوا على عجل من أمرهم، غير موظفين ولا يتقاضون رواتب، يعملون بأذرعهم، ويقضون حوائجهم فيما بينهم. يعرف بعضهم بعضًا؛ يرسل الواحد منهم أحدهم إذا نقص ملح الملاح، فيسرع اليافع فيجلبه. هكذا هي حياتهم.
قد تجاوز نيروس الرابعة والثمانين من عمره، مؤذنًا في المسجد. لا يمنعه مرض، ولم يكن كثير الأسفار، ونادرًا ما يغيب عن الأذان. إذا أذّن شخص آخر وهو تأخر قليلًا، أو أقعده المرض، يظهر مَهْمُرَ العينين، يعتقد أنه باقٍ وأزلي، وينتفخ.
في المنطقة دكان واحد، يتزاحم الناس عليه صباحًا ومساءً لقضاء حاجاتهم من المؤن. إذا تأخر صاحبه، ينتظرون في صفوف. صاحبه تقيٌّ ورع، يعرف أسرار المنطقة، ويحفظ العديد من دفاتر الديون. أحيانًا يوزع الحلويات على الأطفال «كرامةً»، لا يسألهم أجرًا ولا شكرًا.
يستيقظون على صياح الديك، وينامون على نباح الكلاب وصوت الرياح الغادي والرائح بهدوء. يأكلون في مجمع واحد؛ كلٌّ يحضر طعامه. يعرفون أسرار بعضهم، ويتناقلون الأخبار بما سمعوا في الإذاعة، ثم يفترقون.
يجمع الناس بهائمهم لراعٍ واحد مكث معهم قرابة عشرين عامًا، دون أن يكذب أو يرتكب خطيئة. آمن الناس به وأمَّنهم هو، فكان مصدر رزقه، ووجد راحة بال في المنطقة؛ ألفهم وألفوه. يصلي الصلوات الخمس وفي جماعة. بعد فترة أصبح من أهل المنطقة، حتى طلب بنت حاجة ساو. فعندما سمعت بذلك، استلت سكينًا من إبطها، بعد أن خبأته تحت الثوب، وانتظرته عند المساء.
حينما بلغ أحدهم خبر حاجة ساو، غادر المنطقة تاركًا خلفه عفشه وأربعين دينارًا. لا يعرف عنه أحد أين غادر، وسلّم العفش والأربعين دينارًا لشيخ الحلة دمبنتار، حتى تغيرت العملة، ولم يعد إلى يوم الناس هذا.
هنا الناس كما هي؛ ما تغيروا: بالطيبة والتلقائية، يفرحهم القليل، ويبغضهم الحرام. أنقياء، أصفياء، يقدمون الشك على الإيمان، والحلال على الحرام، والصلاة على السعي. يوقرون الكبير والصغير، حتى السيدة عندهم لا تمر حتى يمر الرجل، ولا تقاطعه في الحديث. ولا يعرفون المحاكم؛ إذا أخطأ أحدهم يحتكمون إلى الشيخ أو ولي الأمر. ومن يذهب إلى المحكمة عندهم «فاجر».
لم يكن لديهم غير خريج جامعي واحد، عاد بعد ثلاثين عامًا. يتحدث حديث العارفين، هزّ مسلماتهم، وحاول إدخال مصطلحات وكلمات لم يألفوها، ولم يكونوا بحاجة إليها. شعر بالغربة، وشعروا هم بالغرباء. تخرج من كلية مرموقة في دولة أوروبية، لا يستطيعون أن ينطقوا اسمها، فأصبحوا يسمونه «الوزير» من عندهم. ظنوا أنها درجة علمية أو أعلى درجة تُمنح للشخص إذا تخرج من مركز مرموق.
هنا كل شيء كما هو؛ الناس لم يغيرهم الزمن ولا الظروف. فقط ما انتقصهم: مات جافور، صاحب الظرف. كان يساعد النساء في رفع الأشياء الصغيرة لهن، يحبهن ويحببنه. يرسلونه إذا أردن شيئًا، وفي وجوده لا يشعرن بحرج؛ يدخل عليهن وهن بملابس البيت، وهو لا يهتم، يغني ويرقص معهن حتى «يجبجب» بالأكتاف بطريقة مذهلة.
وبالضفة الأخرى يظهر «مينور»، الذي لا يستاك، أصفر الأسنان، ولا يحلق ذقنه، يشبه كفار الجاهلية. غير متزوج، ولا تحلو الجلسات دونه؛ كأنه يتكلم بوحي، لا يفتر، ومشكلته الوحيدة أنه يخاف من صوت العربية.
الناس في بساطتهم كأنها من يدوس على عشب أو علف ثم يرتفع؛ حياة مليئة بالقيم الإنسانية والمبادئ النبيلة. من يرتكب عندهم خطيئة ليس أمامه إلا أن يغادر المنطقة. سبق أن غادر (…) عندما ضُبط وهو يتلصص على ابتسامات صافية. يقال إنه ذهب وتزوج من جهة أرض الحبشة فتاة عشرينية، وأنجب منها بنين وبنات.
يوجد في المنطقة خلوة لقراءة القرآن، دون دراسة الفقه وعلومه. كرة القدم ومشاهدة التلفاز محرمتان عندهم، إلا في أزمنة يحددها لهم الشيخ. وإذا وجدوه في الطريق، اتخذوا طريقًا آخر.
لا تزال الشجرة الكبيرة موجودة. وُجدت منذ زمن طويل، لم تمت ولم تشخ، تخضر في الخريف وتتساقط أوراقها في الصيف. يقضي الناس حوائجهم، وكل حوائجهم، تحت هذه الشجرة.
معالجهم الوحيد هو «قافور»، يعالج الناس بالعروق والأعشاب، وإن أمراض الناس ليست كثيرة، ولا يعرفون بعض الأمراض مثل السكري والسرطان وغيرها، ولم يحدث أن أصيب شخص بها في المنطقة، اللهم إلا أنهم يسمعون بها سماعًا ويقولون: ما هذا المرض؟ ومن أين جاء؟.
كانت «حاجة تمران» تقول لهم دائمًا، وهي تعاني من عاهة، وتعتقد أن مثل هذه الأمراض ربنا خلقها للأغنياء، وتمتدّد قائلة: «دول ناس أوروبا»، فتضحك ويضحك معها ابنتها الوحيدة ملء شدقيها.
هنا، إذا مات عندهم شخص، تتعطل كل الأشياء. المنطقة يسكنها هدوء؛ لا حركة ولا سكون. الموت عندهم مقدس. لا أحد يذهب إلى السوق، ولا إلى الزرع، ولا يسافر. الأطفال لا يلعبون؛ يحذرونهم: «عيب… عيب! ألم تسمع أن فلانًا قد مات؟».
يلتزمون الصمت دون أن يعرفوا. فهنا كل شيء كما هو.
لا أحد يتجاوز حديث ود النور. ود النور رجل مسن، مصلٍّ، ورع، تقي، لا يجيد القراءة ولا الكتابة، لكنه حكيم يفصل بين الناس في النزاعات والخلافات. هو قاضي كل شيء. تزوج ثلاث نساء، مسموع الكلمة، والناس يحتكمون إليه في كل صغيرة وكبيرة.
altaghyeer.info