هل يتحول حراك الطلاب في فرنسا إلى ائتلاف للغضب

تتفق الصحف الفرنسية على أن اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر/تشرين الأول قد يشكل محطة حاسمة في مسار حراك طلاب الثانويات، بعدما انتقل خلال أسابيع من احتجاجات محلية على أوضاع التعليم إلى تعبئة وطنية تستعد فيها النقابات والطلاب الجامعيون للانضمام إلى التلاميذ.
فالمؤشرات التي سبقت هذا اليوم تظهر حركة آخذة في الاتساع، في حين تخشى الحكومة أن تتحول المطالب المتعددة إلى موجة احتجاج اجتماعي أوسع يصعب احتواؤها، وقد تحدثت لوموند عن "ائتلاف للغضب" يمكن أن يجمع بين مطالب مختلفة، بينما وصفت ليبراسيون الحكومة بأنها تتحرك على "خط رفيع" بين الاستجابة للمطالب والحفاظ على الأمن.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوهذا يعني أن حكومة سيباستيان لوكورنو تواجه اختبارا مزدوجا عليها أن تتأكد ألا يتحول "الفصل الثالث" من التعبئة إلى شرارة توسّع الاحتجاجات في ظل ضيق هامشها المالي.
وتتمحور المطالب الأساسية حول زيادة الموارد المخصصة للتعليم، وتحسين ظروف الدراسة، وترميم المؤسسات المتدهورة، وتوفير المدرسين، إضافة إلى الاعتراض على منصة "باركور سوب" (Parcoursup) للقبول في التعليم العالي.
وبحسب لوباريزيان، فإن الاحتجاج يعكس واقعا يوميا يعيشه الطلاب داخل عدد من المدارس، من النوافذ المعطلة والرطوبة إلى دورات المياه غير الصالحة ونقص المساحات المخصصة للدراسة.
وفي ثانوية مارسيلان-بيرتلو في بانتان، تنقل الصحيفة عن الطالب سيمون قوله إن "90% من نوافذنا لا تفتح، درجة الحرارة في قاعات الدراسة تصل 40 درجة، ولا توجد دورات مياه كافية".
لكن ما يجعل يوم الثلاثاء مختلفا هو انتقال الحركة إلى مستوى آخر من حيث التنظيم والحجم، فقد انضمت 6 من النقابات التعليمية السبع الممثلة وطنيا إلى الدعوة إلى التظاهر، إلى جانب اتحادات طلابية ومنظمات أهلية، في حين دعت النقابات إلى المشاركة "بما في ذلك عبر الإضراب".
إعلانوترى لوموند أن دخول النقابات يعني أن الحركة لم تعد "مشتتة ومن دون تنسيق حقيقي"، إذ تستطيع النقابات تأطير التظاهرات وحماية الطلاب، لكنها في الوقت نفسه ستضيف أعدادا جديدة إلى الشارع، كما تتوقع السلطات تعبئة كبيرة في أنحاء فرنسا، مع نشر جهاز أمني مهم تحسبا لتصاعد التوتر.
وتبرز هنا خشية الحكومة من أن يتحول الاندماج بين طلاب الثانويات والجامعات والعمال إلى نقطة تحول، وتقول ليبراسيون إن السلطة تخشى "الشرارة التي ستشعل النار في البارود"، سواء جاءت في صورة حادث أمني أو تصريح سياسي أو عنف خلال التظاهرات.
وتضيف أن ذلك قد يحول الحراك الطلابي إلى اضطرابات أوسع، وتكتسب هذه المخاوف أهمية خاصة بعدما شهدت الأيام السابقة مواجهات وأعمال تخريب وإصابات في صفوف الطلاب والعاملين وقوات الأمن.
وكان حادث لنس، حيث فقد مراهق يبلغ 15 عاما يده خلال الاحتجاجات، قد زاد التوتر بصورة كبيرة، وتؤكد رويترز أن التحقيق الرسمي فُتح في الحادث، في حين نقلت عن صحيفة محلية أن المراهق فقد يده بعد التقاطه قنبلة صوتية استخدمتها الشرطة لتفريق المتظاهرين.
كما نقلت ليبراسيون انتقادات رابطة حقوق الإنسان، التي تحدثت عن "انحراف شامل عن دولة القانون" في طريقة تعامل قوات الأمن مع الحراك، في حين نقلت عن وزير قوله: "نأسف كثيرا لأن شابا أصيب على يد شرطي، ربما تصرف بقوة وبسرعة أكبر مما ينبغي".
وفي مواجهة التصعيد، حاولت الحكومة تقديم مسار للحوار، فقد طلب لوكورنو العمل على استبدال المدرسين الغائبين، وترميم المباني، وتحسين الصحة المدرسية، وإدخال تعديلات على نظام "باركور سوب"، مع اتخاذ إجراءات أولية قبل نهاية أكتوبر/تشرين الأول الحالي.
لكن ليبراسيون تنقل عن النقابات اعتراضها على سرعة هذه الوعود، إذ تقول إليزابيث ألان-مورينو: "كيف يمكن إصلاح ما دُمّر خلال سنوات في بضعة أيام؟"، وتضيف الصحيفة أن المفارقة تكمن في أن مشروع موازنة عام 2027 يتضمن إلغاء 1588 وظيفة تدريس، بينها 836 في التعليم الثانوي، بينما تطالب الحكومة في الوقت نفسه بتحسين ظروف المؤسسات التعليمية.
وتذهب لوباريزيان إلى التفاصيل الميدانية التي تفسر لماذا يصعب اختزال الحراك في شعارات سياسية، مبرزة أن الطلاب يتحدثون عن ساعات دراسة طويلة، واكتظاظ الأقسام، ونقص الموظفين، ومبان غير ملائمة للحرارة الشديدة.
وتؤكد تغطية الصحيفة أن ملف البنية التحتية أصبح أحد العوامل التي غذت التعبئة، خصوصا في مناطق إيل دو فرانس.
أما لوفيغارو، فتضع الحراك ضمن مشهد اجتماعي أكثر اتساعا، معتبرة أن الغضب لا يقتصر على الطلاب، بل يشمل موظفين ومزارعين وناقلين وفئات أخرى، في حين تستعد الساحة لتعبئة جديدة حول غلاء المعيشة والوقود في 17 أكتوبر/تشرين الأول.
ويربط إيف تريار في افتتاحيته بالصحيفة بين "الدين والعنف وانعدام الثقة"، معتبرا أن تعدد المطالب يعكس حالة أوسع من السخط الاجتماعي.
وتضيف لوموند بعدا اقتصاديا مهما إلى المشهد، إذ ترى أن الحكومة تواجه مشكلة تتجاوز القدرة على تقديم تنازلات محدودة: فالمطالب الحالية تتطلب سياسات هيكلية تحتاج إلى الوقت والمال، في وقت بلغ فيه الدين العام الفرنسي 3595.5 مليار يورو نهاية يونيو/حزيران الماضي.
إعلانوتستعد الجمعية الوطنية لبحث موازنة عام 2027 ابتداء من 12 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، لذلك فإن هامش المناورة أمام الحكومة ضيق، خصوصا مع ضغط الأسواق المالية.
وهكذا، فإن أهمية الثلاثاء لا تكمن فقط في عدد المتظاهرين، بل في قدرته على تحديد اتجاه الحراك: هل يبقى احتجاجا مركزه التعليم ومطالب الشباب، أم يصبح نقطة التقاء بين غضب طلابي ومطالب نقابية واجتماعية واقتصادية أوسع؟
وتختصر لوموند هذا الخطر في فكرة ائتلاف الغضب، بينما تتحدث ليبراسيون عن "الشرارة التي تشعل النار في البارود"، وبينما تحاول الحكومة الجمع بين الحوار وتشديد الإجراءات الأمنية، تبدو نتيجة تعبئة السادس من أكتوبر/تشرين الأول عاملا مهما في تحديد ما إذا كانت الأزمة ستتراجع، أم ستدخل مرحلة جديدة أكثر اتساعا وتعقيدا.
aljazeera.net