الكوليرا في السودان .. وباء يتبع أثر الحرب ومسارات النزاع
الخرطوم – 7 أكتوبر 2026م – راديو دبنقا
كشفت وزارة الصحة الاتحادية، في تقريرها يوم الثلاثاء، عن تزايد حالات الإصابة بالكوليرا مقارنة بالعامين السابقين، مع ظهور حالة واحدة بمحلية سودري بشمال كردفان. فيما أعلنت منظمة “أطباء بلا حدود” أن السودان عانى في عامي 2024 و2025 من أشد تفشٍّ للكوليرا فتكاً في تاريخه الحديث؛ حيث وصل المرض إلى جميع الولايات الـ 18 لأول مرة، مع تسجيل أكثر من 124,000 حالة و3,500 حالة وفاة، وفقاً لما ذكرته منظمة الصحة العالمية.
وقال ميكايلا سيرافيني، رئيس منظمة أطباء بلا حدود في سويسرا: “واجه السودان ما لا يقل عن 16 تفشياً للكوليرا منذ الستينيات، بما في ذلك موجات كبيرة في عام 2006، ومن 2016 إلى 2018، وفي عام 2019. وقد أدت الأمطار الموسمية وضعف البنية التحتية إلى تفاقم تلك التفشيات”.
تغير النمط السائد للمرض
وأضاف: “على مدى العامين الماضيين، غيّرت الحرب النمط السائد. فمنذ اندلاع القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، لاحظت فرقنا انتشار الكوليرا على طول مسارات النزاع وتدهور الأوضاع المعيشية في مواقع النزوح. وقد ارتفعت حالات الإصابة بشكل حاد في بورتسودان والقضارف والخرطوم وكوستي خلال موسم الجفاف، قبل أشهر من هطول الأمطار التي عادةً ما تُسرّع من انتقال العدوى”.
وأشار إلى أن قصف محطة توليد الكهرباء التي تغذي مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض في فبراير 2025، والهجمات على محطات توليد الكهرباء في الخرطوم أدت إلى قطع التيار الكهربائي عن المضخات التي توفر المياه النظيفة، مما أدى إلى التفشي الواسع للكوليرا. وبحلول 5 مارس/آذار، أي بعد أقل من شهر، تم إدخال أكثر من 3,000 مريض بالكوليرا إلى مستشفى كوستي التعليمي، وتوفي أكثر من 100 منهم.
موجات الكوليرا تتبع وتيرة الحرب
ويرى أن هذه الموجات اتبعت وتيرة الحرب لا الفصول أو الأحوال الجوية، ووقع العبء الأكبر على عاتق الأشخاص الأقل حماية: العائلات النازحة داخل السودان، والتي غالباً ما تعيش في مخيمات مكتظة أو مستوطنات عشوائية تفتقر إلى المياه النظيفة والصرف الصحي والرعاية الصحية بالقرب من منازلها. وفي بعض المناطق، بدأت موجات التفشي في غضون أيام من وصول الوافدين الجدد.
وأوضح أن الصراعات وفرت الظروف المواتية لتفشي الكوليرا وزادتها تفاقماً، مشيراً إلى تضرر شبكات المياه والطاقة، والنزوح الجماعي، وانقطاع وصول المساعدات الإنسانية، ونقص الموارد اللازمة للاستجابة. وقال إن هذا المرض قابل للوقاية، ويعكس الفشل المتكرر في الوقاية منه في الماضي خيارات سياسية تمثلت في عدم حماية المدنيين، واستهداف البنية التحتية المدنية وقبول إلحاق الضرر بها، ومنع وصول المساعدات العاجلة، وخفض التمويل اللازم للاستعداد الأمثل.
وأشار إلى احتواء أكبر تفشٍّ للمرض بحلول مارس 2026، لكن الخطر لم ينتهِ؛ فقد أُعلن عن تفشٍّ جديد في غرب كردفان في يونيو، بعد ظهور حالات إسهال مائي حاد في مايو، قبل بدء موسم الأمطار بشكل كامل. كما ظهرت حالات في شمال كردفان، وإن كانت أعدادها في انخفاض. ومرة أخرى، ساهم النزاع، ونقص بيانات المراقبة الواضحة، وعدم كفاية المياه النظيفة في تهيئة الظروف لظهور المرض.
دعوة لتحرك عاجل
ودعا للتحرك بالسرعة التي يتطلبها هذا الوباء، موجهاً رسالة إلى مجتمع المانحين، ووزارة الصحة الاتحادية السودانية، والوكالات الإنسانية الأخرى بأن التوقيت لا يقل أهمية عن الاستثمار نفسه. ودعا إلى تعزيز الترصد لاكتشاف الحالات مبكراً، واللجوء إلى أساليب عمل لا مركزية تُعزز الترصد وتستبق انتقال العدوى. وهذا يعني الاستثمار العاجل في التأهب، بما في ذلك خطة التطعيم وخدمات المياه والصرف الصحي. وأكد أنه حيثما أمكن إنقاذ حياة من مرض يمكن الوقاية منه كالكوليرا، يجب أن نبذل قصارى جهدنا.
كما دعا أطراف النزاع، ومن يملكون نفوذاً عليها، لاحترام التزاماتهم بموجب القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لحماية البنية التحتية المدنية، كشبكات المياه والطاقة، الضرورية لبقاء الناس. وأضاف: “هذه ليست ضمانات اختيارية. فعندما تتعرض محطة توليد كهرباء أو محطة معالجة مياه للهجوم، تتجاوز العواقب تدمير البنية التحتية بكثير، إذ تظهر آثارها في جناح الكوليرا المجاور، المكتظ بالمرضى الذين سيموت بعضهم”.
dabangasudan.org