تصريحات مناوي: ما وراء الاعتراف بصناعة المليشيات ومخاطر الصراع القادم

تصريحات مناوي: ما وراء الاعتراف بصناعة المليشيات ومخاطر الصراع القادم
حسب الرسول العوض إبراهيم
أثارت تصريحات مني أركو مناوي الأخيرة بشأن مسؤولية الدولة السودانية عن صناعة المليشيات المسلحة جدلاً واسعاً وفتحت الباب أمام تساؤلات ظلت مؤجلة عند الكثيرين فقد بدا حديثه مرتباً عكس ما عرف عنه، وكأنه يحمل رسالة تتجاوز الاعتراف بأخطاء الماضي إلى التحذير من تطورات عسكرية وسياسية تهدد موقعه ونفوذه.
حمّل مناوي الدولة مسؤولية صناعة المليشيات وهدد بالتمرد إذا اتجهت إلى إنشاء تشكيلات جديدة وحصر الاعتراف العسكري والتمويل الحكومي في الجيش والقوات المشتركة التي ينتمي إليها. وهي مواقف تبدو مقبولة من حيث المبدأ، فمن منا يقبل تعدد الجيوش وتمويل المليشيات؟ لكن التناقض يكمن في أن الرجل يتزعم حركة مسلحة احتفظت بقواتها خارج إطار الجيش الموحد وسبق أن خاضت الحرب ضد الدولة التي يمثل مناوي جزءا من تكوينها الحالي.
وربما ترتبط هذه التصريحات بما يتداول بشأن تشكيل قوات جديدة من عناصر منشقة عن الدعم السريع يقال إنها تحظى بدعم من الدولة والبرهان شخصياً. وقد يكون مناوي أراد قطع الطريق أمام قيام قوة تنافسه في النفوذ، يظل هذا التفسير الاقوى لدوافعه.
واللافت أنه استثنى القوات المشتركة من وصف المليشيات ووضعها إلى جانب الجيش مستنداً على ما يبدو إلى اتفاق جوبا للسلام. لكن الاتفاق لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لاستمرار التشكيلات العسكرية المستقلة خصوصاً أن استكمال الترتيبات الأمنية ودمج القوات يمثلان جوهر بناء جيش وطني موحد. كما أن الدعم السريع نفسه اكتسب في مرحلة سابقة صفة رسمية بموجب قانون سنته الدولة، وهو ما يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد تسميات، وتتعلق بسياسات إنشاء القوات الموازية واستخدامها في الصراعات السياسية.
إن خطورة هذه التصريحات لا تكمن فقط في تناقضاتها بل في أنها تكشف جانباً من الصراع على النفوذ داخل المعسكر الذي يقاتل إلى جانب الجيش. فحركتا تحرير السودان بقيادة مناوي والعدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم أصبحتا جزءاً مؤثراً من معادلة السلطة والحرب وتبرز مخاوف من توسع نفوذهما السياسي والاقتصادي والاجتماعي خاصة في وسط السودان مستفيدتين من المناصب والموارد والقوة المسلحة.
ويزداد القلق مع استمرار عمليات التجنيد والتدريب والتخريج في صفوف القوات المشتركة وما قد يترتب عليها من ترسيخ واقع عسكري مواز يصعب تفكيكه مستقبلاً. فالقوى التي تتحالف اليوم قد تتحول غداً إلى أطراف متنافسة على السلطة والموارد، إذا ظلت مصالحها محمية بالسلاح بدلاً من المؤسسات والقانون.
ولا يقل عن ذلك خطورة ما يثار بشأن الامتدادات الإقليمية والروابط القبلية العابرة للحدود بين السودان وتشاد وما قد يرتبط بها من تجنيد ومصالح سياسية وعسكرية. وهذه مسائل تستحق البحث والتحقق، لكنها تؤكد ضرورة ألا ينظر السودانيون إلى أي تغيير في السلطة التشادية باعتباره مكسباً للسلطة الحالية فقد تكون تداعياته أكثر تعقيداً وتنعكس سلباً على أمن السودان واستقراره.
وقد يتراجع مناوي عن تصريحاته أو يقول إنها أُخرجت من سياقها لكن ذلك لا يلغي المخاوف الحقيقية ولا الاسئلة المستحقة، إلى أين يقود السودان هذا التوسع في إنشاء المليشيات المسلحة؟ وجعل السلاح وسيلة للمشاركة في السلطة وتحديد موازين النفوذ؟.
لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لسياسات صناعة المليشيات واستخدامها في إدارة الصراعات. ولن يكون الحل باستبدال قوة بأخرى أو منح الشرعية الانتقائية لهذا الطرف دون ذاك، وإنما بإخضاع جميع التشكيلات لمعيار واحد يقوم على جيش وطني موحد وقيادة واحدة وقانون يسري على الجميع.
إن تصريحات مناوي رغم ما يحيط بها من تناقضات لكنها تمثل فرصة للتنبيه إلى مخاطر استمرار النهج الحالي. فالسودان الذي أنهكته الحرب ودمرت مؤسساته لا يحتمل مزيداً من المغامرات العسكرية. وإذا لم يتعلم السودانيون من كارثة صناعة المليشيات فقد يجدون أنفسهم أمام صراعات جديدة من نوع آخر حتى لو توقفت الحرب الحالية.
* كاتب ومحلل سياسي
altaghyeer.info