خبر ⁄سياسي

شعب يستحق الحرية: كيف بددت أوغندا إرث عقود من القطيعة السودانية؟

نشر:آخر تحديث:
شعب يستحق الحرية: كيف بددت أوغندا إرث عقود من القطيعة السودانية؟

 

بقلم: حمد الطاهر

تأتي ذكرى يوم الاستقلال الوطني في أوغندا لتمنحنا فرصة استثنائية لتقديم التهنئة للأصدقاء والأكاديميين والمعارف، ولكافة أبناء هذا الشعب الذي يثبت يومًا بعد يوم أنه شعبٌ كريم، شهم، وبشوش، يقبل على الحياة بأمل وإصرار رغم تحدياتها. كما يمثل هذا اليوم سانحة وجدانية للتأمل في أفضال هذا الشعب وخصاله التي غابت عن مخيلة الكثيرين لسنوات طويلة.

قبل السنوات الأربع العجاف التي عصفت بالسودان جراء “الحرب العبثية” الأخيرة، كانت معرفة غالبية السودانيين بدول القارة الأفريقية عمومًا، وبدولة أوغندا خصوصًا، محدودة للغاية. وعلى الرغم من جغرافية الجوار والحدود المباشرة التي كانت تربط البلدين قبل انفصال جنوب السودان، إلا أن عوائق اللغة والسياسة حالت دون التلاقي الشعبي.

لقد لعب نظام “الإنقاذ” السابق في الخرطوم دورًا محوريًا في تعميق الفجوة وتغريب الشعبين؛ إذ اعتمد سياسة العداء المباشر للحكومة الأوغندية نتيجة احتضان الأخيرة لبعض فصائل المعارضة والمناضلين السودانيين. ومنذ سنوات صبانا الأولى، لم نعتد على سماع ما يعزز أدبيات حسن الجوار مع كمبالا، بل كانت الساحة السياسية والإعلامية تشحن بالخطابات والمشعارات الصادحة بالعداء، من قبيل “يا عميل كمبالا.. البلد بـ رجالها” و”موسيفيني ما بتكفيني..”، وهي عبارات سمّمت الوجدان العام وبنت جدارًا من القطيعة والنفرة، شملت حتى دول جوار أخرى مثل إثيوبيا وإريتريا.

لكن المحنة الأخيرة التي أعقبت اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل في السودان، وما تبعها من موجات نزوح وقسوة شردت الملايين نحو دول الجوار، كانت السبب في رمي أوراقنا على أرض أوغندا. وهناك، تكشّف لنا زيف الصورة النمطية والمقولات الموروثة، لنقف وجهًا لوجه أمام الحقيقة الناصعة للشعب والحكومة الأوغنديين.

أفق سياسي يتجاوز مرارات الماضي

أولى صور التغيير تجلت في موقف الحكومة الأوغندية، بقيادة الرئيس يوري موسيفيني، التي لم تتعامل بذاكرة الماضي ولم تختزن مرارات العقود المنقضية. فتحت أوغندا حدودها وأرضها للاجئين السودانيين دون منّ ولا أذى، واستقبلت حتى أولئك الذين فقدوا وثائقهم وأوراقهم الثبوتية أثناء الفرار من أتون الحرب.

وعبر إجراءات مرنة وميسرة تقودها مفوضية اللاجئين، أصبح بإمكان الفارين الحصول على وضعية اللجوء الرسمية وتسهيل استخراج مستنداتهم في غضون أيام قليلة. ولم تتوقف الرعاية عند حدود المنظمات الدولية؛ بل أُوكلت ملفات اللاجئين لإشراف مباشر من مكتب رئيس الوزراء (OPM) لضمان حمايتهم ورعايتهم. كما مُنح اللاجئون حرية الحركة، والإقامة، والتملك، والممارسة التجارية دون قيود مكبلة، وهو ما رسخ احتراميًا عميقًا لدى السودانيين تجاه الدولة الأوغندية.

شعب يُغالب المعاناة بالبهجة واللطف

أما عن الشعب الأوغندي، فتلك حكاية أخرى تستحق أن تُروى في مجلدات؛ شعبٌ بالغ التهذيب، منفتح، ولطيف. لم نسمع منه شكوى أو تبرمًا من تدفق أعداد اللاجئين ومشاركتهم في الموارد والخدمات، بل قابلوهم بابتسامة وترحاب دائمين.

يتجلى هذا الرقي الإنساني حتى في أوساط الفئات الكادحة التي تعاني ظروفًا معيشية قاسية، مثل سائقي الدراجات النارية (البودا بودا). تجدهم يعملون ويكدون دون تبرم أو إهدار للطاقة في الندب ولوم الحكومة على فقرتهم، بل يحولون ضغوط اليوم إلى مظاهر من البهجة. وفي زحام شوارع كمبالا الضيقة، عندما تقع الحوادث البسيطة أو الاحتكاكات المرورية، لا تجد صراخًا أو مشاجرات أو استدعاءً للشرطة، بل يكتفي الأطراف بنظرة هادئة وإيماءة رأس، ليواصل كلٌّ طريقه بكل سلام.

وعلى الصعيد الأكاديمي والإنساني، حظيت بتجربة شخصية عند التحاقي بجامعة “ماكيريري” لتعلم اللغة الإنجليزية؛ حيث التقيت بدكتور أيوب، رئيس شعبة اللغات، وهو من خريجي جامعة إفريقيا العالمية بالسودان. قدم د. أيوب نموذجًا مشرفًا للمؤسسة الأكاديمية وللأخلاق الأوغندية؛ إذ كان كريمًا بعلمه ووقتِه، يُصغي للجميع بتواضع ويقدم الدعم دون تردد رغم أعبائه الجسام.

في شوارع أوغندا، تغيب مظاهر العنف اللفظي والخصومات العامة، لتفسح المجال لأصوات الموسيقى وحب الحياة، في مشهد يوحى بأن هذا الشعب يمتلك قدرة استثنائية على تجديد الأمل وتجاوز أعباء المعيشة والتطبيب والتعليم بالابتسامة والفن.

إن التجربة الأوغندية تقدم درسًا إنسانيًا بليغًا في التسامح، والتعايش، وقبول الآخر. إنه شعبٌ يعلمنا كيف تكون الحياة رغم صعوبتها، وهو بلا شك شعبٌ يستحق الحرية، والسلام، والأمن، والاستقرار.

كل عام وأوغندا وشعبها بخير وأمان.

المشاهدات 185

مشاركة الخبر

ugandainarabic.com