العم صديق يوسف الحزب الشيوعي السوداني وافيون المثقفين
العم صديق يوسف ، الحزب الشيوعي السوداني وافيون المثقفين…
مهدي رابح
يُحمد للعم صديق يوسف صراحته، واعترافه الأخير، المبذول في المنصات الاعلامية المختلفة، بأنه لم يقرأ كتاب راس المال للفيلسوف الكبير كارل ماركس رغم قضائه سبعين عاما عضوا ثم قياديا مناضلا ومنافحا عن الحزب الشيوعي السوداني منها ما يقارب الخمسة عشر عاما متنقلا بين المعتقلات السياسية للأنظمة الاستبدادية المتعاقبة. وتُرفع له القبعات ويُشكر علي شجاعته في هذا الزمان الذي أصبحت فيه خصلة الصدق في الفضاء العام السوداني اندر من الكبريت الأحمر.
لكنه بالمقابل فإن هذا التصريح يكشف كيف تتحول فكرة ما الي عقيدة (دوغما) ، يؤمن معتنقوها بامتلاكهم ناصية التاريخ وبإنفرادهم بمعرفة الحقيقة الوحيدة المطلقة دون عناء التدبّر، وهي النتيجة الحتمية التي تؤدي اليها متلازمة تضخم العقل اليقيني وإضمحلال العقل النقدي الحُر.
وكما ذكر اريك هوفر في كتابه الهام “المؤمن الحقيقي” الي أن كل حركة جماهيرية متطرفة يستند رصيدها في الأساس علي عاطفة الكراهية تجاه الآخر، المختلف، وتستهلك بالتالي طاقتها حتي تتآكل من الداخل.. وهو ما ينطبق علي كل التنظيمات المتطرفة (الجذرية) من أقصي يمينها كالاسلامويين الي أقصي يسارها.
علي المستوي الشخصي كان عصيا عليّ جدا سبر اغوار كتاب راس المال ، ووجدت في محاولة قرائته وفهمه صعوبة بالغة لكن ، ومتسلحا بالحقائق التاريخية التي تشير بالأدلة القاطعة الي تحول جل الأنظمة الشيوعية الي ديكتانوريات مركزية وارتكابها جرائم مروعة في حق الإنسانية تقدر في مجملها ب 100 مليون ضحية، ما بين الهولومودور والغولاغ في الاتحاد السوفيتي الي القفزة الي الامام والثورة الثقافية في الصين وما حدث في كمبوديا وغيرها من بقاع العالم، لجأت الي محاضرات وكتب الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ريمون ارون، وهو احد أصلب من وقف في وجه قطيع المثقفين الذين دافعوا عن تلك الأنظمة الاجرامية عندما كان الانتماء لليسار الشيوعي تحديدا صك غفران اخلاقي يمنح لكل من سلك طريقها ونعوت الجهل والتخوين توزع جزافا لمن وقف في وجه تيارها الجارف آنذاك، اي خلال حقبة الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
التالي موجز مكثّف لرؤية ريمون ارون
—————————–
يمكن تلخيص رؤية الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي ريمون آرون (Raymond Aron) إلى كارل ماركس والماركسية والمشروع اللينيني السوفيتي في النقاط التالية، مع التمييز بين ما قاله آرون بالفعل وما يمكن استخلاصه من نقده. وتستند هذه الخلاصة أساساً إلى محاضراته عن المجتمع الصناعي، وكتابه أفيون المثقفين (1955)، وأعماله في نقد الماركسية.
أولاً: كتاب «رأس المال» صرح فكري ضخم يصعب الإحاطة به
———-
1. ماركس مفكر موسوعي: لا يمكن فهم مشروعه الفكري فهماً عميقاً دون الإلمام بالفلسفة والاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع والتاريخ. فهذه الحقول متداخلة في تحليله للمجتمع الرأسمالي.
2. «رأس المال» ليس كتاباً اقتصادياً فحسب: إنه محاولة لتفسير بنية المجتمع الرأسمالي، والعلاقات بين رأس المال والعمل، وآليات الاستغلال وتراكم الثروة، والتناقضات التي يعتقد ماركس أنها تحكم تطور هذا المجتمع.
3. صعوبة ماركس لا تعني بالضرورة صحة استنتاجاته: يمكن الاعتراف بالعمق الفكري لمشروعه، وبأهمية الأسئلة التي طرحها، مع إخضاع نظرياته الاقتصادية وتنبؤاته التاريخية للنقد والاختبار.
4. آرون لم يكن مجرد خصم سطحي لماركس: لقد درس فكره بجدية، واعتبره أحد المفكرين الأساسيين الذين حاولوا فهم المجتمع الصناعي الحديث. لكنه رفض اعتبار الماركسية تفسيراً نهائياً للتاريخ أو قانوناً حتمياً لمستقبل المجتمعات.
ثانياً: ماركس حاول تفسير المجتمع الرأسمالي، لا مجرد وضع وصفة للحكم
————
يمكن صياغة هذه الفكرة على النحو التالي، مع التنبيه إلى أنها تلخيص تفسيري وليست اقتباساً حرفياً عن آرون:
1. المشروع الأصلي لماركس كان نقدياً وتفسيرياً: سعى إلى الكشف عن آليات عمل الرأسمالية، وعلاقات الإنتاج والملكية، والصراع الطبقي، والتناقضات التي رأى أنها تدفع المجتمع نحو التحول.
2. كان ماركس معنياً بفهم قوانين تطور المجتمع: لم يكتفِ بوصف الفقر أو التفاوت الاجتماعي، بل حاول تفسير أسبابهما البنيوية، وربطهما بنمط الإنتاج الرأسمالي وبالعلاقات بين الطبقات.
3. لكن ماركس لم يكن منفصلاً عن السياسة والثورة: فقد تبنى موقفاً ثورياً، ودافع عن تجاوز الرأسمالية، وتصور انتقالاً إلى مجتمع شيوعي. لذلك سيكون من غير الدقيق القول إنه لم يسعَ إلى أي تغيير سياسي؛ الأدق أنه لم يضع مخططاً مؤسسياً تفصيلياً لنظام الدولة السوفيتية الذي ظهر لاحقاً.
4. هنا تبرز أهمية قراءة آرون: فقد ميّز في دراسته للمجتمع الصناعي بين تحليل ماركس للرأسمالية وبين الاعتقاد بأن التاريخ يتبع مساراً حتمياً ينتهي بالثورة الشيوعية. كما قارن بين المجتمعات الصناعية الرأسمالية والمجتمعات التي حكمتها أحزاب شيوعية، رافضاً اعتبار النظامين مرحلتين ضروريتين ومتتابعتين في مسار تاريخي واحد.
ثالثاً: نقد آرون للمشروع اللينيني والتجربة السوفيتية
————
هنا ينتقل آرون من نقد النظرية إلى نقد نتائج تحويلها إلى أيديولوجيا سياسية ونظام للحكم.
1. الفرق بين ماركس والماركسية اللينينية
لم يتعامل آرون مع كل ما كتبه ماركس باعتباره مطابقاً لما فعله لينين أو لما أقامته الدولة السوفيتية. فثمة فرق بين تحليل اجتماعي واقتصادي، وبين أيديولوجيا تتبناها حركة ثورية وتدّعي امتلاك الحقيقة التاريخية.
لكن آرون رأى أيضاً أن بعض عناصر الفكر الماركسي، ولا سيما الاعتقاد بالحتمية التاريخية والرسالة الثورية للبروليتاريا، يمكن أن تُستخدم لتبرير احتكار السلطة.
2. من تحرير الطبقة العاملة إلى احتكار السلطة باسمها
من أبرز انتقادات آرون أن ادعاء الحكم باسم البروليتاريا لا يعني أن العمال أنفسهم أصبحوا أصحاب السلطة.
ففي مقالته عن الطبقة الاجتماعية والطبقة السياسية والطبقة الحاكمة، أشار إلى أن الأقلية التي تمتلك السلطة السياسية لا تتطابق بالضرورة مع ملايين العمال الذين تدّعي تمثيلهم.
وبذلك يمكن أن تنشأ طبقة حاكمة جديدة، مؤلفة من مسؤولي الحزب وأجهزة الدولة، تمارس سلطتها باسم الطبقة العاملة دون أن تكون خاضعة لرقابتها الفعلية.
3. الثورة لا تضمن الحرية أو العدالة
رفض آرون الافتراض القائل إن الثورة التي ترفع شعارات المساواة والتحرر تؤدي بالضرورة إلى مجتمع أكثر عدالة وحرية.
فالمعيار عنده ليس الأهداف المعلنة للنظام، بل طبيعة مؤسساته وممارساته الفعلية: هل يسمح بالتعددية السياسية؟ هل يحمي حرية النقد؟ وهل يمكن للمواطنين محاسبة من يحكمونهم؟
4. الماركسية حين تتحول إلى عقيدة مغلقة
في كتابه أفيون المثقفين، انتقد آرون المثقفين الذين يدينون عيوب المجتمعات الرأسمالية والديمقراطيات الغربية، لكنهم يتسامحون مع القمع والانتهاكات في الاتحاد السوفيتي لأنه يرفع شعارات الاشتراكية والثورة.
ورأى أن الثورة واليسار والبروليتاريا تحولت في الخطاب الأيديولوجي لدى بعض المثقفين إلى أساطير سياسية، تُستخدم لتبرير الواقع بدلاً من تحليله.
والنتيجة هي أن الأيديولوجيا التي يفترض أن تساعد على فهم العالم تصبح وسيلة لحجب حقائقه.
رابعاً: الماركسية بين العلم والإيمان السياسي
————–
هذه من أهم أفكار آرون النقدية.
في أصلها النظري، تقدم الماركسية نفسها بوصفها تفسيراً علمياً للتاريخ والمجتمع.
في تحولها إلى عقيدة سياسية، قد تصبح منظومة مغلقة تفسر كل حدث بما يؤكد صحتها، وتتعامل مع الوقائع المخالفة باعتبارها انحرافات مؤقتة أو مؤامرات.
في تطبيقها السلطوي، يمكن أن تمنح الحزب الحاكم شرعية مطلقة، لأنه يزعم أنه يعرف قوانين التاريخ ويمثل مصالح الطبقة التي ستقود البشرية إلى التحرر.
لهذا شبّه آرون الماركسية الأيديولوجية لدى بعض المثقفين بنوع من الدين العلماني: فهي لا تقدم تفسيراً للعالم فحسب، بل تمنح أتباعها إيماناً بالخلاص التاريخي، وتحدد لهم الأعداء، وتبرر التضحيات باسم المستقبل الموعود.
وهذا لا يعني أن آرون اعتبر كل فكر ماركسي مجرد إيمان ديني؛ بل كان نقده موجهاً إلى تحوّل النظرية إلى عقيدة لا تقبل المساءلة، وإلى استخدامها لتبرير أنظمة استبدادية.
خامساً: هل رفض آرون ماركس بالكامل؟
—————-
لا. وهذه نقطة مهمة حتى لا نختزل موقفه في معاداة الماركسية.
1. اعترف بأهمية ماركس في فهم المجتمع الحديث، وخصوصاً في تحليل الطبقات والصراع الاجتماعي وعلاقات الإنتاج.
2. رفض الحتمية التاريخية، أي الاعتقاد بأن المجتمعات ستتبع مساراً واحداً محدداً سلفاً ينتهي حتماً بانتصار الشيوعية.
3. شكك في كفاية التفسير الاقتصادي، لأن بنية المجتمع وعلاقاته السياسية لا يمكن اختزالها بصورة آلية في ملكية وسائل الإنتاج وحدها.
4. دافع عن التعددية والحرية السياسية، واعتبر أن تحليل أي نظام يجب أن يأخذ في الاعتبار مؤسساته الفعلية، لا شعاراته أو ادعاءاته الأخلاقية.
وفي محاضراته عن المجتمع الصناعي، قارن بين تصورات ماركس وتصوّرات مفكرين آخرين، ورأى أن تطور المجتمعات الحديثة لا يؤكد جميع تنبؤات ماركس بشأن الرأسمالية والصراع الطبقي.
الخلاصة: أفكار آرون في سبع نقاط
—————-
يمكن اختزال مجمل ما سبق في سبع أفكار مترابطة:
1. ماركس مفكر كبير، ولا يمكن فهم مشروعه دون معرفة عميقة بالفلسفة والاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ.
2. «رأس المال» محاولة ضخمة لفهم الرأسمالية، وليس مجرد كتاب في الاقتصاد أو دليل جاهز لبناء الدولة.
3. ماركس جمع بين التحليل الاجتماعي والموقف الثوري، لكنه لم يضع مخططاً مؤسسياً مفصلاً للدولة السوفيتية التي نشأت بعد وفاته.
4. لا ينبغي الخلط بين فكر ماركس والتطبيق اللينيني، وإن كانت بعض عناصر الماركسية قد استُخدمت لتبرير احتكار السلطة باسم الطبقة العاملة.
5. الحكم باسم العمال لا يعني حكم العمال فعلياً، فقد تنشأ نخبة حزبية حاكمة تحتكر السلطة وتستأثر بها.
6. حين تتحول الماركسية إلى عقيدة مغلقة، تصبح أداة لتبرير الواقع السياسي بدلاً من نقده، ويغدو الإيمان بالثورة بديلاً عن فحص نتائجها.
7. المعيار النهائي هو الواقع لا النوايا والشعارات: لا تكفي الدعوة إلى المساواة والتحرر للحكم على نظام سياسي؛ بل يجب فحص مؤسساته، وحرياته، وممارساته، وقدرة المجتمع على محاسبة السلطة.
والفكرة الأعمق في نقد آرون هي أن النظرية التي تزعم تفسير التاريخ علمياً قد تتحول، عندما تُمنح سلطة سياسية مطلقة، إلى عقيدة تبرر كل ما يفعله الحكام باسم المستقبل الذي يعدون بتحقيقه. وهذا هو أحد المحاور المركزية في كتابه أفيون المثقفين.
altaghyeer.info