التحريض على قتل الأستاذة رشا عوض: الإرهاب في مواجهة الكلمة الحرة

التحريض على قتل الأستاذة رشا عوض: الإرهاب في مواجهة الكلمة الحرة
ناصف بشير الأمين
تابعنا بقلق بالغ حملة التحريض على القتل التي تقودها صفحات تابعة لمجموعات متطرفة ضد الأستاذة رشا عوض، في مشهد يكشف عن خطورة الخطاب التحريضي الذي يستهدف أصحاب الرأي المخالف، ويسعى إلى إسكات الأصوات المستقلة عن طريق التهديد والتخويف والتلويح بالعنف – بضاعة الإرهابيين التي لا يعرفون غيرها!
ينبغي التأكيد أولاً، على إن التحريض على القتل ليس مجرد خلاف في الرأي، ولا يمكن التعامل معه على هذا الأساس؛ بل هو تهديد خطير للحق في الحياة، واعتداء على حرية التعبير، ومحاولة لإرهاب المخالفين وفرض الصمت بالقوة. وحين تتضمن الخطابات المنشورة تحريضاً على ارتكاب جريمة، فإن ذلك يستوجب تحقيقاً جدياً وإجراءات قانونية مناسبة، وفقاً للقانون، إلى جانب اتخاذ التدابير اللازمة لحماية الشخص المستهدف وضمان سلامته.
لكن المأساة أننا نعيش في ظل واقع تتعطل فيه مؤسسات إنفاذ القانون عن أداء واجباتها في حماية المواطنين وبسط سيادة حكم القانون، بينما تُستخدم مؤسسات الدولة، بدلاً من ذلك، في ملاحقة أصحاب الآراء المخالفة، وتحصين مراكز النفوذ من المساءلة، وضمان الإفلات من العقاب عن الجرائم والانتهاكات واسعة النطاق. وفي مثل هذا الواقع، لا يصبح الخطر محصوراً في المحرّضين وحدهم، بل يمتد إلى بيئة تسمح للإرهاب وللتهديدات بالنمو، وتمنح أصحابها شعوراً بأنهم بمنأى عن المحاسبة.
إن مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها لا تقبل الانتقائية أو التجزئة؛ فحماية الحق في الحياة واجب لا يتوقف على هوية الضحية أو اتجاهها السياسي أو طبيعة مواقفها الفكرية. كما أن تطبيق القانون لا ينبغي أن يخضع لموازين الولاء والخصومة، بل يجب أن يستند إلى قواعد العدالة والمساواة أمام القانون واستقلالية أجهزة إنفاذ القانون. وأي تساهل مع خطاب التحريض على القتل يبعث برسالة خطيرة مفادها أن حياة بعض المواطنين وحقوقهم أقل قيمة من حياة الآخرين.
الأستاذة رشا عوض صوت شجاع من أصوات الاستنارة، في زمن تراجعت فيه مساحة الحوار العقلاني، وارتفعت فيه أصوات الهياج والتضليل وخطابات الكراهية، في ظل حالة الاحتراب والانقسامات المجتمعية. إنها من الأصوات القليلة التي تحاول تناول القضايا العامة بموضوعية واستقلال، وتطرح الأسئلة الصعبة، وتخوض في القضايا الوطنية من موقع الاستقلالية والالتزام بحرية الفكر ومسؤولية الكلمة، لا من موقع الانخراط في حملات التخوين وتعميق حالة الاستقطاب والانقسامات والكراهية الإثنية والمناطقية، السائدة حاليا.
وفي أوقات الأزمات الحادة كتلك التي يمر بها السودان حاليا، تزداد الحاجة إلى مثل هذه الأصوات التي تتمسك بالعقل، وتصر على مناقشة الأفكار والحجج، وتدافع عن حق المجتمع في التفكير والنقد والاختلاف، والقدرة على إدارة الخلاف دون اللجوء إلى العنف. وليس خطابات إثارة الكراهية والتعصب والهياج الإثني والمناطقي التي تزحم الفضاء العمومي حاليا.
إن التهديد بالاغتيالات والعنف السياسي هو أقوى دليل على إفلاس أصحابه وعجزهم عن مواجهة الرأي المخالف في ساحة الفكر والنقاش العام. فالتاريخ مليء بأمثلة حاولت فيها جماعات متطرفة إسكات خصومها من خلال التهديد والترويع، لكنها لم تستطع بذلك إلغاء الأفكار أو محو الأسئلة التي تثيرها. ويعلمنا التاريخ القريب والبعيد إن مثل هذه الأساليب لا تنجح إلا في تعميق الانقسامات، وتسميم المجال العام، وتضيق فرص بناء مجتمع يحترم التعدد والاختلاف.
إن التضامن الكامل والمستحق في صف الأستاذة رشا عوض هو قبل كل شئ واجب أخلاقي على كل شخص حر يؤمن بحرية الفكر والتعبير، وسيادة حكم القانون واحترام كرامة وحريات المواطنين، وبوطن جديد لا يستبدل فيه النقد بالاغتيالات أو الكلمة بالرصاص. ولهذا، فإن مواجهة حملة التحريض ضد صحفية شجاعة ليست دفاعاً عن شخص واحد فحسب، وإنما دفاع عن عن هذه المبادئ وعن حق الجميع في التعبير عن آرائهم دون خوف من الانتقام أو الاعتداء.
إن الصمت أمام الإرهاب والتحريض على القتل لا ينبغي أن يكون خياراً، كما أن إدانة هذه الممارسات لا يجب أن ترتبط بالمواقف السياسية لمن يتعرضون لها. فالمبدأ الذي يحمي رشا عوض اليوم هو ذاته الذي يحمي كل صحفي وكاتب أو مواطن، ويحمي الحق الدستوري في حرية التعبير.
إن مسؤولية مواجهة هذه الحملة لا تقتصر على الجهات القانونية المختصة، وإنما تقع على عاتق الحقوقيين، والقوى المدنية، والإعلاميين، والمثقفين، وكل المدافعين عن الحقوق والحريات. كما تقع على المنصات الرقمية مسؤولية التعامل الجاد مع المحتوى الذي يحرّض على العنف، وفقاً لقواعدها والسياسات المعمول بها.
ختاماً، نؤكد تضامننا مع الأستاذة رشا عوض، ورفضنا القاطع لكل أشكال التحريض على القتل أو تهديد سلامتها. وإننا نثق بأن التهديد والإرهاب لن يزيدا الأستاذة رشا عوض إلا إصراراً على مواصلة مسيرتها بالفكر والكلمة الحرة، من أجل وطن معافى من الإرهاب، تسوده الحرية، ويحكمه القانون، ويكون فيه الاختلاف مصدر ثراء لا سبباً للتهديد والقتل.
ناصف بشير الأمين
كاردف – 10 أكتوبر 2026
altaghyeer.info