في شأن الفنان والحرب: الفنان النصري.. وإصلاح الخطأ الجماهيري

في شأن الفنان والحرب:
الفنان النصري.. وإصلاح الخطأ الجماهيري
صلاح شعيب
ثمة جلبةٌ واسعةٌ أحدثها الفنان النصري في الرأي العام بعد حديثه أمام قائد الجيش. ويكمن الخلاف الحقيقي في المسافة الفاصلة بين ما قاله في ذلك اللقاء، وما مارسه فعليًّا من دعمٍ لأهل السلطة، قديماً وحديثاً، وبين دوره كفنان. فالنصري، في نظر كثيرين راجعوه نقدياً، لا يمثّل الفنان المستنير الذي يُرجى منه موقفٌ واضحٌ من السياسة غير الراشدة. وحظه في هذه الدنيا أنه وقع في منزلة عدم الرضا من جمهوره المسيَّس بطبيعته: بعضه يساريٌّ قحٌّ، وآخر يمينيٌّ فجٌّ، وهناك المستقل المنفلت عن هذا وذاك من التصنيفات.
كثيرٌ من المثقفين مثل النصري يميلون نحو خدمة الذات أكثر من المجتمع. ومع ذلك هناك مثقفون يميلون إلى تقديم الأعذار للفنانين والدبلوماسيين والرياضيين حين تتشتر مواقفهم السياسية. ولكن هؤلاء النفر على الأقل راشدون. إنهم يعرفون ضمنيّاً ماذا تعني سلطة الاستبداد والقهر، وماذا تعني سلطة الحرية والديمقراطية. وإذ نستحضر مقالتنا السابقة عن عاصم البنا وتواصله مع كيكل إبان مناصرته للدعم السريع، فليس من العيب أن يقع النصري في ذات الحفرة التي جلبت له معاول النقد والهجوم من كل صوبٍ وحدب. ذلك ما دام غياب الوعي السياسي لديه لا يشكل أمامه معضلة تحرجه مع جمهوره المتعدد سياسياً.
ومهما أراد الجمهور السياسي الاستنصار بالفنان العضوي، فإن هذا الصنف من الفنانين قليلٌ جداً. فعدد الفنانين، مثل الدبلوماسيين والرياضيين، كبيرٌ، أما أصحاب المروءة السياسية بينهم فتكاد تُعدّهم على الأصابع. والنصري من هذه القلة التي آلت على نفسها أن تغني… وكفى. لكن مشكلته الكبرى، كما رأى ناقدوه، أنه دخل جحر حميد متناولاً أعمالاً موظَّفةً سياسيّاً. وعندئذٍ ازدادت غضبة الناظرين إلى ما فعلته حيلة البرهان المتظارفة بالنصري: كيف يغني أعمالاً ثوريةً ومناوئةً للسلطة، ثم يتخلف عن دعم ثورة ديسمبر، ثم يوظف هالته الإعلامية أمام الكاميرا ليكتب عند الله بلبوساً لا شك فيه؟
والدليل على ذلك أن ما قاله يخالف موقف زملاء له قليلين ظلوا يجهرون بإيقاف الحرب تصريحاً، وتعبيراً فنيّاً. وعلى كل حال، هو النصري الذي لم يأبه بتاريخ علاقته بشعر حميد، ولم يرَ في الوقت نفسه غضاضةً في دعم حملة المجرم قوش، ولا يرى أيضاً في استمرار الحرب هزيمةً لكل تطور، بما في ذلك فنه نفسه. ذلك أن الفنان، بتفكير عديدٍ من العقلاء، يستشرف الآفاق البعيدة، ويكون قائداً ملهماً لأمته باختيار الشعر الذي يبني ولا يهدم، بدلاً عن دعم الديكتاتوريين مثل البرهان.
المدافعون عن فعلة النصري الجديدة – وبينهم بلابسة ناصريون وبعثيون ومناصرون لثورة ديسمبر – يقللون من أهمية ما أتى به النصري من كبيرة. فهو بالكاد، كما قال أحدهم، يدافع عن وطنه بصورةٍ أفضل من عركي والتاج مكي وشرحبيل وصلاح مصطفى ونجم الدين الفاضل والهادي الجبل وتاور، وهؤلاء آخر من تبقى من الجيل الذهبي الذين لزموا منازلهم ومهاجرهم لحظة فتنة الحرب. أي أنه لم يرهم قد هاجروا إلى بورتسودان ليلبسوا الكدمول أو البرنيطة تعبيراً عن دعمهم للجيش وهو ينازل الدعم السريع.
باختصار، هؤلاء البلابسة الذين يحوشون السهام الناقدة الموجهة تجاه النصري بدافع وطنيته – كما هو حال ندى ومغنيات أخريات بلبوسات – يضمرون ربما في أنفسهم شيئاً نحو أولئك الفنانين الرواد الذين غلبت “وطنية النصري” وطنيتهم التي جهر بها عبر حديثٍ يُستشف منه أنه تحت إمرة الجيش المقاتل متى ما أعاده للخدمة إنصافًا من جور المدنيين الذين أحالوه للصالح العام.
والحقيقة أن لا القحاتة ولا الجذريين ولا الكتلة الديمقراطية كان لهم يدٌ في إنزال النصري المعاش. فخلافًا لما ادعى، فكشوفات الإحالة للمعاش كلها كانت بتوقيع القائد العام للجيش سواء أصالةً عن نفسه أو نيابةً عن مطالبة حميدتي. ولكن النصري – إذا لم يخذله التعبير هنا – فإنه سيبقى من المدلسين الذين يشوهون سمعة رجالات ونساء “الحرية والعدالة” قبل افتراقهم عند مرحلة حكم حمدوك وبعدها.
ولعل هذا الكذب هو مدخل الوالجين الجدد لدعم راية بورتسودان، وكذلك هو ديدن الذين جعلت منهم سلطة البرهان أمناء يجددون بين الفينة والأخرى أكاذيبهم ضد قادة وثوار ديسمبر بما يساعدهم في دوامة الاستزوار أو المحافظة على المنصب. وأقرب موقفٍ ليدلل على هذا الكلام الفرية التي أطلقها مندوب السودان الدائم في نيويورك بأن ما حدث يوم الخامس والعشرين من أكتوبر 2021 إنما هو نتيجةٌ لاستقالة حمدوك ولا يُعد بالضرورة انقلابا ، الأمر الذي اضطرّ زملاءه السفراء إلى الاستقالة.
بعض البلابسة قالوا إن النصري ضحيةٌ لكيل اليساريين بمكيالين، وفي ذلك ضربوا مثلاً بمواقف الطيب صالح وحميد ووردي ومحمد الأمين وعبد القادر سالم، مشيرين إلى أنهم وقفوا في أيامهم الأخيرة مع البشير بالدعم المعنوي، ولكن لم تُوجَّه إليهم سهامٌ عديدة من النقد كما وُجِّهت إلى النصري. ومرةً أخرى تبقى الحقيقة أن مواقف بعض هؤلاء المثقفين من الأدباء والفنانين وجدت النقد، ويشهد بذلك أرشيف سودانيز أون لاين، وكانت محصورةً في عضويتها. ولأن مساحات الإعلام الرقمي توسعت بأكثر مما ذي قبل، فإن النصري وجد نفسه محاصراً بنقدٍ واسعٍ في كل التطبيقات التي يجد فيها المواطنون أريحيةً أكبر من ذلك الموقع.
عمومًا، النصري فنانٌ بلا شك واكتسب جماهيريةً عريضةً، وكان عشم المعجبين به ممن يقفون في الحياد ومصرين على التمسك بثورة ديسمبر أن يبقى بعيداً عن مناصرة البرهان الذي قتلت أجهزته الأمنية المتظاهرين ضد انقلابه، على الأقل. ولكن النصري خذلنا، وشخصي الضعيف واحدٌ منهم. فكنت أرى فيه ممثلاً للجيل التالي ممن حمل لواء أغنية منطقة الشايقية بعد النعام وبلاص واليمني وصديق أحمد وعبد الرحيم أرقي ومحمد كرم الله وغيرهم ممن قدموا ملمحاً للتعدد الغنائي في بلادنا. ولعل بعضهم ذهب إلى الدار الآخرة ولم نشهد لهم عونًا لاستبدادٍ أو حاكمٍ جائر. بل إن الشعراء الذين أمدوا هؤلاء بالقصيد كانوا في قمة معارضتهم لفترة الحركة الإسلامية، ومن بينهم صديقي المريخابي محمد جيب الله كدكي الذي لا يقل عن حميد في هجاء شيخ تلب ونظامه القميء.
أختم بالقول إن أحد البلابسة شرق وغرب فقال إن “النصري ليس فنانًا مناضلاً حتى نحاسبه مثلما نحاسب أبو عركي البخيت”، وأوضح أن جمهور النصري باقٍ حتى لو ساعد الشيطان، وأردف بقوله: “على القحاتة والدعامة أن يموتوا بغيظهم”. وصحيحٌ أن النصري لم يكن مناضلاً حتى لو تغنى بأشعار حميد ذات المضامين الثورية. ولكنه مثل أي فنانٍ آخر يستطيع التفريق بين دعم الحرب ودعم السلام. أما ما عدا ذلك فإن النصري وغيره من الفنانين البسيطين فهماً يقعون دائماً في شراك سلطات الاستبداد بإرادتهم، أو مغرّراً بهم. ومع ذلك لديه الفرصة لإصلاح الخطأ الجماهيري كما فعل مبدعون كثر من اليمين واليسار عبر تاريخنا السياسي والإبداعي.
altaghyeer.info