هكذا وظف البيت الأبيض سجلات التحقيق لتغذية سردية استهداف ترمب

تناولت صحيفة نيويورك تايمز الطريقة التي وظّفت بها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب وثائق حكومية منتقاة لإعادة صياغة وقائع تحقيق قضائي سابق، وتحويلها إلى مادة سياسية تخدم رواية الإدارة عن تعرض ترمب وحلفائه للاستهداف من قبل مؤسسات الدولة.
وركزت الصحيفة -في تحليل صحفي بقلم تشارلي سافاج- على أن التأثير السياسي للوثائق لا يتوقف على مضمونها وحده، بل يتشكل أيضا من خلال انتقاء المعلومات، وحذف سياقات أساسية، وتضخيم دلالات بعض التفاصيل، ثم إعادة نشرها عبر وسائل إعلام وشخصيات سياسية متحالفة مع الرئيس.
قصص مقترحة
list of 2 itemsويشير تحليل الصحيفة -الذي جاء بعنوان "هكذا فبرك البيت الأبيض رواية بشأن سجلات مكالمات أحد مساعدي ترمب"- إلى أن البيت الأبيض عقد -في مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري- إحاطة إعلامية بشأن ما وصفه بـ"تسليح مؤسسات الدولة"، عرض خلالها جون سولومون -وهو صحفي سابق يعمل مستشارا خاصا لدى الإدارة- وثائق مرتبطة بالتحقيق في احتفاظ ترمب بوثائق سرية بعد مغادرته الرئاسة وعرقلة استعادتها.
وشملت الوثائق نقاشات داخل مكتب التحقيقات الفدرالي بشأن مبررات تفتيش مقر إقامة ترمب في مارالاغو عام 2022، وسجلات اتصالات سوزي وايلز كبيرة موظفي البيت الأبيض حاليا، فضلا عن معلومات تتعلق بخطط سفر أفراد أسرة ترمب قبل تنفيذ التفتيش.
معلومات كانت معروفة
ويرى المقال أن معظم هذه المعلومات كان معروفا سابقا، لكن عرضها بصورة مجتزأة ساهم في تقديمها إلى الجمهور وكأنها عناصر جديدة تكشف عن تجاوزات خطيرة ارتكبتها جهات التحقيق.
ومن أبرز الأمثلة التي ناقشها المقال الخلاف الداخلي بشأن وجود أسباب قانونية كافية لتفتيش مارالاغو، وقد استند سولومون إلى مراسلة داخلية أبدى فيها مكتب التحقيقات الفدرالي في واشنطن شكوكا بشأن كفاية الأدلة المتاحة في تلك المرحلة لتبرير التفتيش.
إعلانلكن سولومون لم يوضح أن هذه الشكوك سبقت ظهور تسجيلات مراقبة أظهرت نقل صناديق من منطقة التخزين قبل فحصها بحثا عن وثائق سرية، وهي أدلة إضافية ساهمت في معالجة المخاوف القانونية، وبالتالي فإن حذف التسلسل الزمني والسياق المرتبطيْن بهذه الواقعة غيّر الطريقة التي يمكن للجمهور أن يفهم بها قرار التفتيش، حسب الصحيفة.
وتناول المقال كذلك سجلات مكالمات سوزي وايلز، موضحا أن كافة بيانات اتصالاتها كانت معروفة من خلال وثائق قضائية سابقة، وأن المعلومة الجديدة تمثلت في استخدام المحققين أداة تسجل أرقام المكالمات وتوقيتها في الوقت الفعلي، إلى جانب الحصول على سجلات سابقة من شركة الاتصالات.
وصف مضلل
ويشدد التحليل على أن هذه الأداة لا تسجل محتوى المحادثات، خلافا لما أوحت به تقارير إعلامية تحدثت عن التنصت على هاتفها، كما يوضح أن وايلز كانت شاهدة في التحقيق، وأن اهتمام المحققين باتصالاتها ارتبط بعلاقاتها مع محامين تولوا الدفاع عن موظفين لدى ترمب كانوا بدورهم شهودا في القضية.
ومع ذلك، لم تجد السلطات أدلة كافية لتوجيه اتهام بشأن مؤامرة تستهدف التأثير في شهادات هؤلاء الموظفين، بحسب المقال.
ويضيف التحليل أن الوثائق تضمنت اتصالات لوايلز مع محامين وصحفيين ومستشارين سياسيين، وهو ما استُخدم لإثارة تساؤلات بشأن مدى مشروعية التحقيق.
غير أن الصحيفة ترى أن وصف هذه الإجراءات بأنها تعقُّب لمكالمات محامي الدفاع كان مضللا، لأن السجلات المعروضة تتعلق باتصالات وايلز نفسها، لا بمكالمات المحامين مع أشخاص آخرين.
كما يشير المقال إلى أن اهتمام المحققين باتصالاتها مع الصحفيين جاء في سياق اتهامات متبادلة بشأن تسريب معلومات غير معلنة عن تطورات التحقيق، وهي اتهامات سبق أن وجهها ترمب وحلفاؤه إلى فريق المحقق الخاص جاك سميث.
ويرصد المقال كيف انتقلت هذه الرواية من الإحاطة الحكومية إلى وسائل الإعلام المحافظة، ثم إلى الخطاب السياسي للرئيس وحلفائه، فقد أعاد سولومون طرح تفسيره عبر برامج صوتية يمينية، بينما ركزت منصات أخرى على وثيقة تتعلق بخطط سفر ترمب وزوجته ميلانيا وابنهما بارون قبل تفتيش مارالاغو.
تحويل وثائق حكومية إلى أداة للصراع السياسي
ووفقا للتحليل، فقد كان الغرض من معرفة هذه الخطط تنفيذ التفتيش في غياب الأسرة لتقليل الضجة المحيطة به، لكن بعض التغطيات قدمت الأمر على أنه تعقُّب لأفراد الأسرة. وذهبت صحيفة نيويورك بوست إلى حد الادعاء بأن مكتب التحقيقات الفدرالي تنصت على هاتف وايلز، وهو ادعاء تصفه نيويورك تايمز بأنه غير صحيح.
ويخلص تحليل نيويورك تايمز إلى أن القضية تكشف آلية يمكن من خلالها تحويل وثائق حكومية حقيقية إلى أداة للصراع السياسي، ليس بالضرورة عبر تزوير محتواها، بل من خلال انتقاء أجزاء منها، وإغفال المعلومات التي تفسرها، وإعادة تقديمها ضمن رواية توحي بأن المؤسسات القضائية والأمنية استُخدمت لاستهداف ترمب وحلفائه.
إعلانويربط المقال هذه الممارسة باقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، معتبرا أن نشر الوثائق بهذه الطريقة يتيح للإدارة وحلفائها تعزيز خطاب المظلومية السياسية، وتوجيه النقاش العام نحو اتهامات بتسييس أجهزة الدولة.
وفي المقابل، يظل التمييز ضروريا بين الوقائع المثبتة في الوثائق، والتفسيرات التي يقدمها المسؤولون، والادعاءات السياسية التي تتبناها الأطراف المختلفة، وهي نقطة مركزية في معالجة الصحيفة لهذه القضية.
aljazeera.net