الإعدام على الهواء.. خطة هيغسيث تفجر الجدل وتحرج ترمب
لا يدور الجدل في الولايات المتحدة حول إعدام نضال مالك حسن، الطبيب النفسي والرائد السابق في الجيش الأمريكي المدان بتنفيذ هجوم قاعدة "فورت هود" عام 2009، بقدر ما يتعلق بقرار بث تنفيذ الحكم على الهواء مباشرة.
تستعد الإدارة الأمريكية لمواجهة جدل قانوني وسياسي وأخلاقي غير مسبوق بشأن بث تنفيذ الحكم مع اقتراب الموعد المحدد لإعدام حسن، الذي ينحدر من أصول فلسطينية، والمقرر تنفيذه في الثالث من ديسمبر/كانون الأول المقبل.
وكان حسن قد أُدين بـ13 تهمة قتل عمد و32 تهمة محاولة قتل عمد. وقد أثار إعلان وزير الحرب بيت هيغسيث أن عملية الإعدام رميا بالرصاص ستبث على الهواء مباشرة عبر شبكة الإنترنت جدلا واسعا داخل الولايات المتحدة، إذ ستكون المرة الأولى التي يبث فيها الجيش الأمريكي عملية إعدام مباشرة عبر الإنترنت.
تستند رؤية وزارة الحرب في هذا الطرح، وفق ما صرح به هيغسيث لشبكة "ريل أمريكان نيوز"، إلى فكرة الردع المباشر، إذ صرح بأن الغرض من جعل الإعدام علنيا ومتاحا للجمهور هو "أن يفهم الناس أن ثمة عواقب وخيمة لمثل هذه الأفعال".
غير أن هذه الرؤية سرعان ما اصطدمت بموجة عارمة من الرفض داخل البلاد، مما تسبب في حالة من التراجع والتردد حتى في أعلى مستويات السلطة التنفيذية.
خطة "همجية"
فبحسب ما أفادت به صحف واشنطن بوست وإندبندنت وديلي بيست -نقلا عن موقع أكسيوس المقرب من البيت الأبيض- أبدى الرئيس دونالد ترمب شكوكا بشأن إذا ما كانت خطة هيغسيث "الهمجية" فكرة جيدة.
وأشارت التقارير إلى أن ترمب بات مترددا بعد تلقيه اعتراضات من مشرعين ومستشارين داخل إدارته وخارجها. ونقل إيوان بالمر، مراسل ديلي بيست، في تقريره عن أحد المقربين من الرئيس قوله إن ترمب يريد أن ينال حسن العقاب الذي يستحقه، وإن الإعدام العلني قد يضيف إليه إذلالا إضافيا، لكنه لا يريد في الوقت نفسه أن يتحول إلى "شهيد" في نظر جماعات متطرفة.
إعلانكما ذكرت صحيفة إندبندنت البريطانية -نقلا عن مصادر أوردها موقع أكسيوس- أن الرئيس "يدرس كلفة القرار"، وأن مسؤولا في الإدارة يرجح أن ترمب لن يوافق في نهاية المطاف على بث عملية الإعدام.
ولم يقتصر الارتياب على ترمب، فقد أبدى نائبه جيه دي فانس هو الآخر توجسه، وصرح بأنه لن يشاهد بث الإعدام، وشكك في إمكانية إجرائه. لكنه شدد على ألا يصرف الجدل بشأن طريقة الإعدام الانتباه عن فداحة الجرائم التي ارتكبها حسن.
كذلك دعا عدد من الأعضاء الجمهوريين إلى إعادة النظر في الخطة، بينهم السيناتور جون كيرتس، الذي حذر من أن تحويل الإعدام إلى مادة للفرجة يساهم في القدح بالحضارة الأمريكية والانتقاص منها.
الخوف من "الإرهاب"
على أن أكثر الانتقادات حدة جاء من داخل المؤسسة العسكرية نفسها. ففي مقال رأي نشره موقع "ذا هيل" تحت عنوان "بث الإعدامات على الهواء مباشرة يجعلنا لا نختلف عن الإرهابيين الذين نكرههم"، استعاد الجندي السابق في مشاة البحرية الأمريكية جوسلين جوزيف تجربة شخصية تعود إلى عام 2004.
يروي جوزيف في مقاله أنه خلال تلقيه تدريبا عسكريا في جزيرة باريس بولاية ساوث كارولينا، عُرض على المجندين تسجيل مصور لعملية قتل الصحفي الأمريكي نيك بيرغ، الذي أعدمه أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.
وأوضح المدرب للمجندين أن قتل بيرغ جاء انتقاما لفضيحة الانتهاكات في سجن أبو غريب، وأن عليهم توقع مزيد من هذه التسجيلات، قائلا إن ما يميز الأمريكيين عمن وصفهم بالإرهابيين هو رفضهم اللجوء إلى مثل هذه الأساليب الوحشية.
لكن جوزيف يرى، بعد أكثر من عقدين، أن هذا التمييز أصبح موضع تساؤل. وقال إن الولايات المتحدة تراجعت عن بعض قيمها بسبب مخاوف من "الإرهاب"، فلجأت إلى التعذيب والسجون السرية والمراقبة الجماعية والضربات التي أوقعت ضحايا مدنيين، وصولا إلى غزو العراق وما ترتب عليه من خسائر بشرية فادحة.
ولا يكتفي الكاتب بإدانة هذه السياسات، بل يربطها بفشل إستراتيجي أوسع، فالانتهاكات بذريعة صون الأمن يمكن أن تصبح أدوات دعائية في أيدي الخصوم، وتغذي المظالم التي تستغلها التنظيمات المتطرفة، بحسب قوله.
ويستشهد جوزيف بتحذيرات السيناتور الجمهوري الراحل جون ماكين، الذي رأى أن تعذيب السجناء ألحق ضررا كبيرا بصورة الولايات المتحدة، ووفر للخصوم مادة دعائية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر الكاتب أن بث إعدام حسن ليس إجراء منفصلا عن هذا التاريخ، بل يعد امتدادا لمنطق يسمح للخوف والرغبة في الانتقام بإعادة تعريف حدود المقبول أخلاقيا.
ويؤكد أنه "لا يعارض إعدام حسن، ولا يقلل من فداحة جرمه"، لكنه يرفض تحويل تنفيذ العقوبة إلى عرض علني. فالمشكلة، في رأيه، ليست في محاسبة الجاني، وإنما في الطريقة التي تختار بها الدولة إظهار قوتها.
إعلانويحذر من أن استهداف المسلمين بالتعميم والوصم، ثم تبني ممارسات تشبه تلك التي ترتكبها التنظيمات المتطرفة، قد يؤدي إلى تقويض الفارق الأخلاقي الذي تسعى الولايات المتحدة إلى ترسيخه بينها وبين خصومها.
وتضع هذه المعطيات المتشابكة الإدارة الأمريكية أمام مأزق سياسي وإعلامي. فقد أوردت صحيفة إندبندنت البريطانية -في تقريرها- أن استطلاع غالوب للرأي عام 2025 أظهر أن 52% من الأمريكيين يؤيدون عقوبة الإعدام عموما بحق من يُدان بجريمة قتل، وهي "أدنى نسبة تأييد في عقود".
بث الإعدام بين الردع والتجنيد
تتجاوز أهمية هذا الجدل مسألة الذوق العام أو الاعتراض على مشهد عنيف. فالبث المباشر، إذا نُفذ، لن يكون مجرد توثيق لإجراء قضائي، بل رسالة سياسية تختار الدولة إرسالها إلى الداخل والخارج.
يرى أنصار الخطة أن إظهار العواقب النهائية لما تصفه الصحف الغربية بـ"الإرهاب" قد يردع من يفكرون في ارتكاب جرائم مماثلة. ويستند هذا المنطق إلى تصور مفاده أن تنفيذ العقوبة على الملأ يضاعف أثرها النفسي، ويؤكد أن الدولة قادرة على إنفاذ القانون مهما طال الزمن.
لكن المنتقدين يشككون في أن يؤدي الإذلال العلني إلى الردع، خصوصا حين يتعلق الأمر بمتطرفين قد ينظرون إلى الموت باعتباره تضحية أو وسيلة لاكتساب الرمزية. وفي هذه الحالة، قد يمنح البث الجماعات المتشددة فرصة لتصوير المحكوم عليه ضحية للاضطهاد، وإعادة تقديم مشهد الإعدام باعتباره دليلا على صحة دعايتها.
ولم تقف التحفظات عند المقربين من ترمب، بل امتدت إلى قيادات أعلى هيئة تشريعية في الولايات المتحدة. فقد أوردت ماريانا ألفارو، مراسلة واشنطن بوست، تصريحا لرئيس مجلس النواب، الجمهوري مايك جونسون، عبّر فيه عن مخاوفه من أن بث شريط فيديو بإعدام نضال حسن قد يتحول إلى "أداة تجنيد بيد الإرهابيين في المستقبل".
وقال جونسون في مقابلة مع شبكة "سي بي إس نيوز" أمس الاثنين: "علينا أن نفكر مليا في الآثار السياسية المترتبة على كل ذلك"، مضيفا أنه لن يشاهد الإعدام "إذا بُثَّ على الهواء مباشرة".
وهنا يلتقي تحذير جونسون مع حجة الصحفي جوسلين جوزيف بشأن الكلفة الدعائية للانتهاكات، فكلاهما يشير إلى أن الرسالة التي تقصد الدولة إيصالها ليست بالضرورة هي التي سيتلقاها الجمهور، وأن خصوم الولايات المتحدة قد يعيدون توظيف المشهد بما يخدم أهدافهم.
كما أن نشر الإعدام على الإنترنت يطرح مشكلة تتعلق بمدى السيطرة على المحتوى بعد بثه، إذ يمكن اقتطاع المشاهد وإعادة نشرها وتداولها خارج سياقها القانوني، لتصبح مادة دعائية طويلة الأمد.
aljazeera.net