خبر ⁄سياسي

المصانع قبل التحالفات.. سباق التفوق البحري بين القوى الكبرى

نشر:آخر تحديث:

تخوض الولايات المتحدة والصين وروسيا سباقاً بحرياً تتداخل فيه التحالفات العسكرية والتكنولوجيا وطرق التجارة، فيما تحدد أحواض البناء وسلاسل التوريد مدى قابلية الطموحات الإستراتيجية للتنفيذ.

فالتعهد بتعزيز الردع أو تسليم غواصات إلى دول حليفة يحتاج إلى عمالة مؤهلة ومكونات متاحة وطاقة إنتاجية تستطيع الوفاء بالمواعيد، ومن هنا تبرز الصناعة بوصفها مفتاحاً لفهم التنافس، فحجم الأسطول يكشف جانباً من القوة، بينما تكشف القدرة على تشغيله وصيانته وتجديده مدى استدامتها.

قصص مقترحة

list of 4 itemsend of list

وتسلط تقارير إعلامية صينية الضوء على الرؤية السياسية للتحالفات؛ بين المحاولة الأمريكية لتجاوز عقبات إنتاج الغواصات؛ والمسعى الروسي للاستفادة من الشركات الصينية في بناء السفن، وتقدم صورة للترابط بين النفوذ البحري والأساس الصناعي الذي يحمله.

صورة مولدة للغواصة SSN-AUKUS التي ستقوم شركتا "بي إيه إي سيستمز" و"إيه إس سي" ببنائها لأستراليا (أسوشيتد برس)

من التعهد إلى التسليم

يربط كورت كامبل -نائب وزير الخارجية الأمريكي السابق- فاعلية واشنطن بقدرتها على العمل مع الحلفاء والشركاء، وفي مقابلته مع صحيفة "ساوث تشاينا مورنينغ بوست" -المملوكة لمجموعة علي بابا الصينية- يؤيد استقرار العلاقات الأمريكية الصينية، مع التشديد على ضرورة تعزيز العلاقات التي تمنح الولايات المتحدة ثقلاً جماعياً.

ويرى كامبل أن "احتواء الصين غير ممكن"، وأن التعامل معها يتطلب انخراطاً نشطاً. وفي هذا الإطار، يصف تحالف "كواد" بأنه مساحة لبناء الثقة وعادات التعاون والقدرات العملية، ويستبعد تحوله إلى تحالف يستهدف دولة بعينها.

كما يعتبر أن قيمة تحالفات "كواد" و"أوكوس" مستمرة حتى في فترات تحسن العلاقات بين واشنطن وبكين، لما توفرانه من تعاون في الأمن البحري والتكنولوجيا ومرونة سلاسل التوريد وتعزيز الردع.

إعلان

لكن ترجمة هذه الرؤية إلى قوة بحرية تواجه اختبار الإنتاج، فموقع آسيا تايمز -الذي مقره هونغ كونغ ويصف نفسه بأنه موقع مستقل- ينقل عن تقرير لخدمة أبحاث الكونغرس الأمريكية أن إنتاج الغواصات الهجومية النووية بلغ في المتوسط نحو 1.1 إلى 1.2 غواصة سنوياً منذ 2022، وسط نقص العمالة ومعوّقات الموردين وتأخر المكونات، وتسعى البحرية إلى رفع المعدل إلى غواصتين، ثم 2.33 غواصة سنوياً.

ويخدم رفع الإنتاج احتياجات الأسطول الأمريكي، إلى جانب بناء بدائل لـ3 إلى 5 غواصات من فئة "فرجينيا" مقرر بيعها لأستراليا بموجب ترتيبات "أوكوس". وهكذا تصبح مواعيد التسليم عنصراً في مصداقية الالتزام السياسي؛ إذ تتطلب تلبية احتياجات الحليف توسعاً إنتاجياً يواكب المتطلبات الأمريكية نفسها.

سارة كيرشبرغر:

تحديات الحدّ من الضوضاء وكبح الاهتزازات وتصميم المفاعلات وبعض تقنيات الدفع المستقل عن الهواء تحدّ من دلالة النمو العددي الصيني على التكافؤ النوعي مع التصاميم الغربية

مواطن قصور المكونات

في مواجهة هذه الفجوة، يعرض تقرير آسيا تايمز خطة شركة "أندوريل" لاستثمار 3.7 مليارات دولار من رأسمالها في منشأة "أرسنال-2" بولاية ماريلاند، ضمن مبادرة تتضمن عقداً للبحرية الأمريكية تصل قيمته إلى 2.9 مليار دولار، وترتبط مدفوعات العقد بمخرجات إنتاج مثبتة؛ لتبلغ القيمة الإجمالية المحتملة للمشروع 6.6 مليارات دولار.

وتستهدف الخطة بناء منشأة بمساحة مليوني قدم مربع، تعتمد تتبعاً رقمياً لسير العمل، وتوفر 3100 وظيفة تصنيع مباشرة ونحو 9 ملايين ساعة عمل إضافية سنوياً. ويقدر التقرير الزيادة المستهدفة بنحو 15% من قدرة القاعدة الصناعية على بناء السفن النووية.

وتبدأ المعالجة من المكونات التي يتوقف عليها استكمال الغواصات، ومنها أنابيب الطوربيد، وتعتزم "أندوريل" بدء تسليم هذه المكونات من موقع معتمد في "كوستا ميسا" بحلول عام 2028، قبل انطلاق عمليات ماريلاند عام 2030، مع خطط لاحقة لتوريد وحدات كاملة من الهيكل.

وتكمن أهمية المشروع في استهداف حلقات يمكن أن يؤدي تعطلها إلى تأخير أعمال البناء لدى الشركات الرئيسية، أما أثره الفعلي فسيتحدد عبر انتظام التوريد، واستيفاء متطلبات الاعتماد، وتحويل المنشآت والعمالة إلى إنتاج قابل للتسليم.

وبذلك تفصل سنوات من التنفيذ بين إعلان التمويل وإضافة قدرة صناعية عاملة، فيما تستمر خلالها الضغوط على الأسطول والتزامات تحالف "أوكوس".

متحف القوات البحرية لجيش التحرير الشعبي خلال احتفالات الصين بالذكرى 75 لتأسيس بحريتها (غيتي)

الصين توسع وتطور

على الجانب الصيني، يربط موقع آسيا تايمز نمو الأسطول باستثمارات واسعة في القاعدة الصناعية، وينقل عن الأدميرال مايك بروكس أن الصين تمتلك نحو 60 غواصة، مع تقديرات بارتفاع العدد إلى 70 بحلول عام 2027، وإلى أكثر من 80 بحلول عام 2035، في حين قد تشكل الغواصات النووية نصف الأسطول، وتمثل هذه الأرقام توقعات لمسار التوسع.

ويستند هذا المسار -بحسب ما ينقله الموقع عن الباحثة سارة كيرشبرغر- إلى تمويل حكومي وائتمان من بنوك مملوكة للدولة وتحديث أحواض "بوهاي" و"ووتشانغ" و"جيانغ نان"، مع توظيف التجميع المعياري والتكامل التجاري العسكري.

إعلان

وفي المقابل، تشير الباحثة سارة -في تقرير يعود لعام 2023- إلى تحديات الحدّ من الضوضاء وكبح الاهتزازات وتصميم المفاعلات وبعض تقنيات الدفع المستقل عن الهواء، مما يحد من دلالة النمو العددي على التكافؤ النوعي مع التصاميم الغربية.

وتتسع المنافسة كذلك إلى البيئة المحيطة بالغواصات. فوفق بروكس، تتبنى الصين تصوراً لمكافحة الغواصات يقوم على منظومات مترابطة تضم مستشعرات جوية وسطحية وقاعية ووسائط غير مأهولة.

ويمنح هذا النهج شبكات الكشف والإسناد دوراً في تقييد حركة الخصم، بالتوازي مع تطوير المنصات. وينقل الموقع عن الأدميرال ريتشارد سيف أن تحسينات صغيرة في التخفي والتحمل والكشف قد تغير الميزة التكتيكية تحت الماء.

الرئيس فلاديمير بوتين في "يوم البحرية" وتظهر في الخلفية صورة للغواصة النووية "ألكسندر نيفسكي" (أسوشيتد برس)

شراكة تسد الاحتياجات

في المسار الروسي، تبرز الاستفادة من القدرات الصينية بوصفها أداة لتطوير صناعة السفن. وتنقل صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست -في تقرير آخر- أن نيكولاي باتروشيف -مساعد الرئيس الروسي ورئيس المجلس البحري- بحث مع نائب وزير الصناعة وتكنولوجيا المعلومات الصيني كه جي شين إمكانية انضمام شركات صينية كشركاء تكنولوجيين وموردي معدات لمنشآت بناء سفن روسية جديدة.

ويقرّ باتروشيف بأن التعاون الحالي في هذا القطاع محدود للغاية، مع طرحه إمكانية بناء سلسلة من السفن ذات التصنيف الجليدي في أحواض روسية، تخدم أيضاً الملاحة الصينية في القطب الشمالي. وتشمل المجالات المطروحة البحث المشترك والتدريب والاستثمار في الأرصفة والمرافق الطرفية بالموانئ.

وتربط الصحيفة هذه المساعي بتطوير ممر النقل عبر القطب الشمالي، وباهتمام الصين بطرق تجارية بديلة وسط التوترات الجيوسياسية، كما تنقل عن الرئيس فلاديمير بوتين أن حوض "زفيزدا" يبني ناقلات للغاز الطبيعي المسال وسفناً مدنية كبيرة مخصصة للعمل في المنطقة القطبية.

وهنا تتلاقى احتياجات روسيا الصناعية مع المصالح التجارية الصينية في المعدات والمعرفة والبنية التحتية البحرية.

معيار المقارنة والاستدامة

وتقتضي المقارنة الحفاظ على الفروق بين المسارات الثلاثة. فالحاجة الروسية تعرض فرصاً ومباحثات للتعاون، دون إثبات اتفاق إنتاج ملزم أو جدول تسليم يماثل التزامات الغواصات كما في تحالف "أوكوس"، كما تشمل المشروعات المذكورة سفناً مدنية وناقلات غاز وموانئ، بشكل يستوجب فصلها عن البرامج العسكرية.

ويحتاج قياس القوة البحرية إلى الانضباط نفسه، فهدف الولايات المتحدة امتلاك 66 غواصة هجومية نووية يخص فئة محددة، بينما تشمل أرقام الأسطول الصيني فئات متعددة. كذلك تبقى أعداد المنصات مختلفة عن جاهزيتها، واحتياجات صيانتها، ومعدلات إنتاجها وتعويضها. وبالتالي فإن توافر البيانات المتكاملة هو الذي يسمح بحسم التفوق العملياتي على هذه المستويات.

تخلص القراءة المشتركة إلى أن واشنطن تسعى إلى إسناد تحالفاتها بطاقة إنتاجية أكبر، بينما تدعم بكين توسعها البحري بتحديث صناعي وتقني، أما موسكو فتبحث عن شراكات توفر المعدات والخبرة وتخدم طموحاتها البحرية والقطبية.

وتتحدد حصيلة هذا السباق بقدرة كل طرف على ربط السياسة بالإنتاج، ثم ربط الإنتاج بالجاهزية والاستدامة. فالتحالف يوسع دائرة الالتزامات، والتكنولوجيا ترفع سقف الأداء، والموردون وأحواض البناء يضبطون وتيرة التنفيذ. وفي هذه الحلقة تتشكل القوة البحرية القادرة على البقاء والتحديث بوتيرة تحفظ للردع مصداقيته عبر الزمن.

aljazeera.net