خبر ⁄سياسي

من يفكر للسيسي.. ولماذا يصمت البرهان

نشر:آخر تحديث:

من يفكر للسيسي.. ولماذا يصمت البرهان؟

أحمد عثمان جبريل

❝كيف يقتل الأخ أخاه، ثم ينتظر منه أن يطمئن إلى حديث الأخوة؟ وإذا كان الأخ يفعل ذلك، فماذا ترك للعدو؟ ليست الأخوة بياناً دبلوماسياً، ولا السيادة شعاراً يُرفع عند الحاجة.. الأخوة أن تصان الدماء، والسيادة أن يجد المواطن دولةً تقف وراءه حين يصبح موضع اتهام أو ضحيةً لقرار عسكري.❞

عندما تتحول الغارة إلى سؤال للتاريخ، نستدعي الحكاية من التاريخ البعيد والقريب:

في السادس والعشرين من أبريل 1937، تعرّضت مدينة غيرنيكا الإسبانية لقصف جوي مدمّر خلال الحرب الأهلية الإسبانية.. لم تتوقف الحكاية عند الدمار والضحايا؛ فقد تحوّلت المدينة إلى رمز عالمي لمأساة المدنيين في الحروب، وخلّدها بابلو بيكاسو في لوحته الشهيرة (غيرنيكا) التي جعلت من الألم شهادةً تتجاوز حدود المكان والزمان..

لم تكن اللوحة محكمةً تحدد المسؤوليات القانونية، لكنها أبقت السؤال الإنساني حياً:”ماذا يحدث حين تصل القوة العسكرية إلى حيث يعيش الناس ويعملون، ثم يصبح المدنيون هم الذين يدفعون الثمن؟”.. لقد بقيت غيرنيكا في الذاكرة لأن المأساة أكبر من أن تُطوى بانتهاء الغارة، ولأن ما يقع على البشر يستحق أن يُروى ويُفهم ويُحاسَب المسؤول عنه..

وفي شمال السودان، على تخوم الحدود المصرية، يفرض موت المعدّنين سؤالاً من النوع نفسه، وإن اختلفت الوقائع والظروف: (من قرر استخدام القوة الجوية؟ وأين وقع القصف تحديداً؟ ومن يتحمل المسؤولية عن الضحايا؟ ولماذا يجد السودانيون أنفسهم مضطرين إلى طرح هذه الأسئلة فيما ينتظرون موقفاً واضحاً من حكومتهم؟).

(1)

في العاشر من أكتوبر الجاري، وقعت غارات جوية على مواقع للتعدين الأهلي قرب الحدود المصرية السودانية، وفق شهادات نقلتها (سودان تريبيون).. وفي اليوم التالي، اتهمت مجموعة (محامو الطوارئ) الجيش المصري بتنفيذ الهجوم، وقدّرت حصيلة القتلى بـ72 شخصاً.. في المقابل، أعلنت شبكة أطباء السودان حصيلة أولية بلغت 13 قتيلاً و28 جريحاً، مع توقع ارتفاع عدد الضحايا.. ولم تتمكن وسائل الإعلام المستقلة من التحقق بصورة حاسمة من هوية الطائرات أو الحصيلة النهائية، فيما لم يصدر تعليق رسمي من القاهرة أو الخرطوم حتى نشر التقارير و كتابة هذا المقال..

هذه التفاصيل ليست هامشاً في الحكاية؛ إنها أساس المساءلة.. فحين تختلف الأرقام، يصبح واجب الدولة تسهيل التحقق، وحين تُوجَّه اتهامات خطيرة، يصبح واجب السلطات المعنية تقديم الرواية الرسمية والأدلة.. أما الضحايا، فلا ينبغي أن يتحول اختلاف الحصائل حولهم إلى سبب إضافي لتأجيل الحقيقة.

(2)

(من يفكر للسيسي؟) السؤال ليس بحثاً عن اسم مستشار في أروقة القصر، بل عن العقل الذي يقدّر عواقب القرارات العسكرية على مستقبل مصر وعلاقاتها بجيرانها..إذا كانت القاهرة ترى في التعدين غير القانوني تهديداً لأمنها أو لمواردها، فمن حقها معالجة ذلك بالقانون والتنسيق الحدودي والإجراءات الأمنية المناسبة.. لكن السؤال الذي لا يجوز تجاوزه هو: (ما الضرورة التي تستدعي اللجوء إلى القوة الجوية؟ وما طبيعة الخطر الذي كان قائماً؟ وهل استُنفدت الوسائل الأقل فتكاً؟)..هذه أسئلة تستوجب إجابات موثقة، لا أحكاماً مسبقة ولا تبريرات عامة.

(3)

وحتى إذا ثبت أن بعض المعدّنين تجاوزوا الحدود، فإن ذلك لا ينهي النقاش، بل يبدأه.. الحدود تُحمى بالمراقبة والتنسيق والاعتراض والتحقيق، ولا تتحول المخالفة المزعومة إلى حكم بالإعدام.. أو القتل خارج القانون، وإذا كانت هناك اتفاقات للتعاون الأمني أو آليات مشتركة لتأمين الحدود، فمن حق السودانيين معرفة مدى تفعيلها، وما إذا كانت قد استُخدمت لمعالجة هذه الوقائع.. أما تحديد المسؤولية القانونية عن القصف، فيحتاج إلى معرفة مكان وقوعه، وطبيعة الأهداف، والظروف التي أحاطت بالعملية، والأوامر التي صدرت بشأنها.

(4)

ومصر التي استقبلت أعداداً كبيرة من السودانيين الفارين من الحرب، وما زال يعيش على أرضها لاجئون سودانيون، لا يُطلب منها أن تتخلى عن أمنها، بل أن تفسر كيف تنسجم سياساتها الأمنية مع مسؤوليتها عن حماية المدنيين.. المساعدة الإنسانية تستحق التقدير، لكنها لا تشتري حصانة سياسية، كما أن التاريخ المشترك لا يمنح أي حكومة حقاً فوق المساءلة.. لا نخاصم الشعب المصري، ولا ننكر ما قدمه من تضامن، لكننا نرفض أن يصبح رصيد الأخوة مانعاً من السؤال عن دماء السودانيين.

(5)

ثم نصل إلى الخرطوم، حيث يصبح الصمت نفسه موضوعاً للمساءلة.. حتى وقت نشر التقارير المشار إليها، وكتابة هذا المقال، لم يصدر أي موقف رسمي معلن من الحكومة السودانية بشأن الغارات.. (أيعقل ذلك؟ فأين بيانها؟ وأين مطالبتها بكشف الحقيقة وتحديد المسؤولية؟ وأين توضيحها لما اتخذته من خطوات لحماية المواطنين وصون السيادة؟) .. لا نستطيع الجزم بعدم وجود اتصالات غير معلنة، لكن التحرك الدبلوماسي، إن وُجد، لا يلغي حق الشعب في معرفة موقف دولته.. فالسيادة ليست خطاباً يُستدعى في المناسبات، بل مسؤولية تظهر حين يتعرض المواطنون للخطر.

(6)

ما يؤسف له حقاً، أن هذه الواقعة لم الأولى من نوعها؛ فقد تناولت تقارير في يونيو الماضي عمليات مصرية ضد التعدين غير القانوني قرب الحدود، وأوردت (مدى مصر) تحقيقاً عن العمليات العسكرية في منطقة جبل العُقيدات.. كما أشارت التقارير الحالية إلى ضربات سابقة أوقعت ضحايا في مواقع التعدين.. وإذا لم يكن هناك موقفاً حاسماً من حكومة الأمر الواقع، فلن تكون هذه المجزرة الأخيرة.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:” إذا تكررت المخاطر، فما الذي تغيّر في آليات التعامل معها؟ وهل جرى تقييم الخسائر البشرية السابقة؟ وهل توجد ترتيبات فعالة تمنع تكرارها؟.. إن تكرار الحوادث، إذا أكدته التحقيقات، يجعل الاكتفاء بالتفسيرات الأمنية العامة غير كافٍ، ويضاعف الحاجة إلى الشفافية والتنسيق والمحاسبة.

(7)

أما مستقبل العلاقة المصرية السودانية، فلا ينبغي أن يُترك رهينة للصمت أو الغضب.. العلاقة بين الشعبين أعمق من أن تختزل في حكومة أو عملية عسكرية، لكنها أيضاً أثمن من أن تُدار بالمجاملات وحدها.. على القاهرة أن توضح موقفها من الاتهامات، وعلى الخرطوم أن تخرج من الصمت إلى موقف معلن، وعلى الطرفين التعاون في تحقيق مستقل يكشف حقيقة ما وقع، ومكانه، والجهة المسؤولة عنه، ومدى مشروعية استخدام القوة.. فالأخوة لا تعني إعفاء الأخ من المساءلة، بل تعني أن تكون الحقيقة طريقاً إلى منع تكرار المأساة، لا تهديداً للعلاقة.

ما نود قوله هنا: (كيف يقتل الأخ أخاه؟).. وإذا كان الأخ يفعل ذلك، فماذا ترك للعدو؟) .. ليس المطلوب أن نوزع أحكاماً قبل اكتمال الأدلة، ولا أن نحول المأساة إلى خصومة بين شعبين؛ المطلوب أن نعرف من فعل ماذا، ولماذا، وبأي مسوّغ، وأن نضمن ألا تتكرر المأساة.. فدماء المعدّنين ليست تفصيلاً في ملف الحدود، وصمت الحكومة السودانية ليس جواباً، وخطاب الأخوة لا يغني عن احترام الحياة.

فمن يفكر للسيسي عليه أن يحسب عواقب القرار على حياة البشر وعلى علاقة البلدين، ومن يصمت للبرهان عليه أن يسأل عن الثمن الذي يدفعه المواطن حين يغيب صوت دولته. لا نطلب إدانة بلا دليل، ولا براءة بلا تحقيق؛ نطلب حقيقة لا تخضع للمجاملة، ومساءلة لا تتوقف عند الحدود السياسية.

ومضة..

حين أُحرقت غيرنيكا، لم يستطع بيكاسو إعادة ضحاياها إلى الحياة، لكنه رفض أن يترك المأساة بلا ذاكرة. وحين يُقتل السودانيون على تخوم الحدود، فإن أقل ما يستحقونه ألا يُدفن السؤال معهم. فالتاريخ لا يطلب من الكاتب أن يكون قاضياً، بل شاهداً أميناً؛ لا يختلق دليلاً، ولا يساوم على حق، ولا يسمح للصمت أن يصبح الرواية الأخيرة.

توقيع أفق الحرف..

أفق يترفق باتساعه ليقول: إن كرامة الإنسان لا تقف عند الحدود، وإن الأخوة التي لا تحمي الدم تحتاج إلى مراجعة، وإن الدولة التي تصمت حين ينتظرها مواطنوها مطالبة بأن تفسر صمتها. فالحرف الحر لا يوزع صكوك البراءة، ولا يكتب أحكام الإدانة بغير دليل؛ لكنه يظل يسأل حتى تظهر الحقيقة، ويظل صوتاً لمن لا يجد من يتحدث باسمه.

إنا لله ياخ..

الله غالب.

altaghyeer.info