تغريدة البرهان.. سلام أم التفاف ومناورة
تغريدة البرهان.. سلام أم التفاف ومناورة؟
أحمد عثمان جبريل
❝حين تتبدل لغة الحرب في تسعة أيام، لا يكفي أن نحتفي بالكلمات الجديدة.. علينا أن نفتش عن الذي تبدّل في موازين القوة، وعن الذي يخشى أن يتبدّل إذا جاء السلام.❞
في مروي، كان البرهان يتحدث بلسان الحرب.. لا تفاوض، ولا تراجع عن استعادة الأرض بالقوة.. وكتبنا حينها وقلنا لا يوجد في كتب وأضابير العلوم السياسية كلمة (لا) وها هو البرهان وبعد تسعة أيام، جاء صوته من منصة (إكس) مختلفاً؛ رسالة إلى دونالد ترامب، والتزام بجهود السلام الأمريكية، واستعداد للعمل من أجل سلام عادل ودائم.
تسعة أيام فقط.. كأن الحرب التي كانت بالأمس باباً موصداً صار لها اليوم شباك يطل على واشنطن!
فما الذي حدث بين الموقفين؟ هل تبدلت القناعة، أم تبدلت الحسابات؟ وهل طرق البرهان باب السلام لأنه اختار طريقاً جديداً، أم لأن الطريق القديم بدأ يضيق بمن يسير فيه؟
والأهم.. هل جاءت التغريدة لتفتح نافذة للحل، أم لتغيّر اتجاه الريح بينما تتصاعد الأسئلة في الداخل، وتشتد الضغوط في الخارج، وتنتظر قضية المعدّنين أن تجد طريقها إلى الحقيقة والمحاسبة؟
(1)
السياسة لا تغيّر لغتها من فراغ.. حين ينتقل صاحب القرار من نبرة الحسم العسكري إلى مخاطبة الرئيس الأمريكي بلغة السلام، يصبح التوقيت جزءاً من الخبر، ويصبح الصمت بين التصريحين أبلغ من الكلمات التي قيلت.
من المؤكد إننا لا نملك مفاتيح ما دار خلف الأبواب المغلقة، ولا نحتاج إلى اختراع أسرار حتى نفهم دلالة التحول.. يكفي أن نضع الكلام القديم إلى جوار الكلام الجديد، ثم نسأل:( ما الذي جعل ما كان مرفوضاً بالأمس قابلاً للإعلان اليوم؟)..
فالسلام الذي يأتي عن اقتناع مرحب به، والسلام الذي تفرضه كلفة الحرب يستحق الترحيب أيضاً.. لكن الفرق بينهما يظهر حين يحين موعد الالتزام، لا حين يحين موعد التغريد.
(2)
والناظر إلى التغريدة لا شك سينظر بوضوح إلى ظلّ واشنطن.. ضغوط أمريكية، ومبادرة لهدنة إنسانية، ورسائل سياسية لم تعد تكتفي بالمناشدة.. أما البرهان الذي اصطدم مساره بخلافات مع الإدارة الأمريكية عاد يخطب ودها من باب السلام.
هنا لا نسأل إن كان من حق واشنطن أن تضغط؛ بل نسأل عن الثمن الذي دفع السودانيون لبلوغ هذه اللحظة، وعن مقدار ما بقي من القرار الوطني رهيناً لحسابات الخارج.
إذا كانت الضغوط قد فتحت نافذة، فلتدخل منها حياة السودانيين.. وإذا كانت الرسالة تستهدف استعادة الثقة الأمريكية، فالثقة لا تُستعاد بعبارة جميلة، وإنما بخطوة توقف النار، وتفتح طريق الإغاثة، وتعيد السياسة إلى أصحابها المدنيين.
(3)
ثم ماذا عن الدول التي ظلت تسند البرهان، ويدور الحديث الآن عن مراجعتها لحساباتها تحت وطأة الضغط الأمريكي؟ .. هل فعلا تحركوا نحو هذه الخطوة؛ لكن السؤال المهم ويظل قائماً: هل بدأ بعض الحلفاء يضيقون ذرعاً بكلفة حرب لا تنتهي، أم أن البرهان يحاول استباق تبدل محتمل في مواقفهم؟..
في فقه المصالح، الحلفاء لا يربطون مصائرهم إلى الأبد بمصير حليف واحد.. وحين تتغير المصالح، تتغير اللغة، وحين ترتفع الكلفة، يعيد كل طرف حساباته.. هكذا سجل التاريخ المواقف.. وقد لا يأتي التخلي في بيان، ولا يُعلن الانفضاض في مؤتمر صحفي؛ أحياناً يبدأ الأمر بتبدل الشروط، ثم يكتشف الحليف أن المساحة التي كان يتحرك فيها قد انكمشت.
ونحن هنا لا نعلن موت تحالف لم يثبت أنه مات تماما .. لكننا نسأل إن كانت شقوقه قد بدأت تظهر.
(4)
والآن، إلى الإسلاميين.. تلك المنظومة التي ظل حضورها السياسي والإعلامي جزءاً من مشهد الحرب، وإلى أصوات (البلابسة) التي اعتادت أن تملأ الفضاء حين يكون الحديث عن التفاوض والضغوط الأمريكية..
بحسب الرصد الذي تشير إليه هذه المساحة، لم يظهر حتى الآن تعليق من المنابر والحسابات التي نتابعها على تغريدة البرهان.. صمتٌ يلفت النظر، لكنه لا يكشف وحده ما وراء الستار..
أهو صمت الموافقة؟ أم انتظار لمعرفة ما حملته الرسالة وما ستؤول إليه؟ أم أن المنظومة تفضّل أن تترك للبرهان واجهة الكلام، محتفظةً لنفسها بحرية الاعتراض إذا جاءت النتائج على غير هواها؟
أسئلة مشروعة.. أما الإجابة فلا تُنتزع من الصمت وحده.. غير أن من اعتادوا رفع الصوت دفاعاً عن استمرار الحرب لا يستطيعون أن يجعلوا صمتهم خارج النقاش حين يعلن قائد الجيش التزامه بجهود السلام الأمريكية.
(5)
وهنا يعود السؤال إلى البرهان نفسه: من يملك قراره حين تتعارض إرادة السلام مع حسابات الحلفاء؟..
إن تتبع مواقفه المعلنة يفتح باباً لفحص حدود استقلال قراره عن القوى المتحالفة معه، لكنه لا يثبت أن كل خطوة اتخذها كانت بإذنها. وبين الأمرين مسافة لا يجوز للكاتب أن يقفز فوقها..
فإن كان البرهان قد قرر أن السلام ضرورة، فليؤكد على ذلك بوضوح، وليتحمل مسؤولية قراره أمام السودانيين.. وإن كان يتحرك تحت ضغط الظروف التي باتت تحاصره مع الاتجاهات (الستة) فليجعل هذا الضغط طريقاً لإنقاذ الناس، لا مجرد وسيلة لشراء الوقت.
أما أن يرفع راية السلام إلى الخارج، ويترك الداخل غارقاً في أسئلة الحرب، فذلك تناقض لا تعالجه البلاغة، ولا تستره صورة، ولا تمحوه تغريدة.
(6)
وهنا تقع قضية المعدّنين في قلب المعنى، لا في هامش الخبر.. لقد تناولنا تفاصيل المأساة من قبل، ولا حاجة إلى تكرارها؛ فالمطلوب اليوم أن نمنع ضجيج السياسة من ابتلاع حق الضحايا..
من حق الأسر أن تعرف الحقيقة، ومن واجب الدولة أن تكشف نتائج التحقيق وتحاسب المسؤولين وفق القانون.. لا ينبغي أن تتحول رسالة إلى ترامب إلى مظلة تحجب أسئلة المواطنين، ولا أن يصبح الحديث عن السلام بديلاً عن واجب الدولة تجاه من فقدوا حياتهم.
فالسلام الذي نريده لا يطلب من الضحايا أن يصمتوا كي ينجح سياسياً؛ بل يبدأ من احترام حياتهم، ويستمد شرعيته من حماية من بقي منهم على قيد الحياة.
(7)
والاختبار الآن أبسط من كل التأويلات، وأقسى منها جميعاً: ماذا بعد التغريدة؟..
هل سيعلن البرهان موقفاً واضحاً من الهدنة؟ هل ستظهر خطوات توقف القتل وتسمح بوصول المساعدات؟ هل ستتكلم المنظومة الإسلامية بوضوح عن السلام، أم ستبقى على مسافة من الكلام حتى تتبين لها كفة الريح؟ وهل ستُكشف نتائج التحقيق في قضية المعدّنين؟
هنا تسقط الأقنعة، وتسقط معها الحجج التي لا تسندها الأفعال. فالكلمات لا تُدان لأنها كلمات، لكنها لا تُمنح براءةً من الحساب لمجرد أنها تحمل اسم السلام.
أيها البرهان: نريد سلاماً يوقف الحرب، لا هدنةً في الخطاب.. ونريد قراراً ينقذ السودان، لا مناورةً تنقذ أصحاب القرار من ضغط اللحظة.
يا برهان.. لقد وصل صوتك إلى واشنطن، فليصل أثره إلى السودان.. لا تجعل السلام رسالةً تُرسل إلى رئيس أمريكي، ثم يظل السودانيون ينتظرون ترجمتها على الأرض.
ويا حلفاء الحرب.. إن كنتم مع السلام، فقولوا ذلك بوضوح. وإن كانت لكم تحفظات، فضعوها أمام الناس. أما الصمت الذي يترك البلاد معلقةً بين الحرب والتفاوض، فلا يوقف رصاصةً، ولا يرد غائباً، ولا يجيب أسرةً تنتظر الحقيقة.
تغريدة البرهان قد تكون بداية الطريق، وقد تكون محاولةً لتغيير وجهة النظر.. وحده الفعل سيحسم المسافة بين الاحتمالين.
ومضة..
في يوليو 1945، خرجت بريطانيا من الحرب الأوروبية منتصرة، وكان ونستون تشرشل، رمز القيادة في زمن الحرب، ينتظر أن يمنحه الناخبون تفويضاً جديداً.. لكن النتيجة جاءت بخلاف ما أراد؛ اختار البريطانيون حزب العمال، لأن الانتصار في الحرب لم يكن عندهم صكاً مفتوحاً لحكم مرحلة السلام..
لم يمحُ ذلك مكانة تشرشل في التاريخ، لكنه حمل درساً بقي حياً: من يقود الناس في زمن الحرب لا يملك تلقائياً حق تقرير مستقبلهم بعدها.
فالحرب قد تصنع زعيماً.. أما السلام، فيكشف ماذا صنع الزعيم من أجل الناس.
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول: السلام قادم لا محال، شاء من شاء وأبى من أبى.
الله غالب
altaghyeer.info