خبر ⁄سياسي

تغريدة البرهان.. مناورة أم انقلاب حقيقي 

نشر:آخر تحديث:

تغريدة البرهان.. مناورة أم انقلاب حقيقي؟ 

حسب الرسول العوض إبراهيم

كلما شعر البرهان بأن هناك تحركات دولية جادة باتجاه إنهاء الحرب في السودان تحركت الدوائر المحيطة لإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري ومحاولة استباق أي تطورات قد تفرض عليه خيارات لم يكن مستعداً لها، ومن هذا المنطلق يمكن قراءة تغريدته الأخيرة بوصفها خطوة سياسية تتجاوز مضمونها المباشر وترتبط بحسابات داخلية وخارجية تتعلق بمستقبل الحرب وموقعه في السلطة.

اجتماع القوى المدنية مع اللجنة الخماسية ومخرجاته شكل خطوة مهمة في اتجاه وضع أسس جادة لعملية سياسية تنهي الحرب والانتقال من دائرة التصريحات والمواقف العامة إلى ترتيبات أكثر واقعية نحو السلام. وفي المقابل يبدو أن الولايات المتحدة بدأت تتعامل بجدية أكبر مع ضرورة إنهاء الحرب مع اتجاه نحو ممارسة ضغوط على الأطراف الإقليمية التي  تعتبر داعمة لاستمرار البرهان في السلطة وفي مقدمتها مصر والسعودية.

لكن عودة المبادرة الأمريكية السعودية القديمة إلى الواجهة بالتوازي مع تحركات اللجنة الخماسية قد تخلق تقاطعات بين المسارين وتفتح الباب أمام إعادة خلط الأوراق من جديد خصوصا إذا اختلفت الأطراف حول آليات التنفيذ والقوى التي ينبغي أن تشارك في العملية السياسية وشكل السلطة التي ستلي وقف الحرب.

لذلك يمكن فهم الدعوة السعودية لتحالف القوى المدنية لزيارة المملكة والتشاور معها باعتبارها محاولة لإعادة تقديم الموقف السعودي بصورة أكثر توازناً والتأكيد على أن السعودية ليست منحازة إلى طرف بعينه. السعودية واجهت انتقادات بسبب ما اعتبر دعماً للبرهان، كما طرحت تساؤلات حول محاولاتها إيجاد حاضنة سياسية مدنية له وهي محاولات لم تحقق النتائج  المرجوة منها.

ولكن التحولات الإقليمية قد تكون عاملاً أكثر تأثيراً في مراجعة الحسابات السعودية، فالتصعيد المرتبط بالحوثيين وإيران وما يثيره من مخاوف خاصة بشأن أمن البحر يجعل استمرار الحرب في السودان مصدراً إضافياً للتعقيدات الإقليمية التي لا ترغب فيها، والسعودية تدرك أن إطالة أمد الحرب قد تفتح المجال أمام مزيد من الاضطرابات في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب. كما أن استمرار نفوذ الإسلاميين الرافض لوقف الحرب يضيف بعداً آخر إلى هذه الحسابات.

أما على المستوى الداخلي فقد جاءت حادثة قصف الطيران المدني للمعدنين السودانيين وما أثارته من غضب وتساؤلات لتعيد إلى الواجهة قضية السيادة الوطنية وحدود ومخاطر استمرار الحرب على حياة المواطنين ومصالحهم، وقد كشفت ردود الفعل عن اتساع دائرة القلق من أن تتحول الحرب بدلاً من أن تكون وسيلة لتحقيق أهداف معلنة إلى عامل يهدد وحدة البلاد وسيادتها ويعمق معاناة الشعب.

ومن الواضح أن استمرار الحرب اصبح  يواجه تراجعاً في قدرته على إقناع قطاعات واسعة من السودانيين بجدواه خصوصاً مع غياب النتائج التي تبرر الكلفة الإنسانية والوطنية والاقتصادية الباهظة، كما أن الانتقادات الموجهة إلى القوى الإقليمية الداعمة للبرهان وفي مقدمتها مصر تعكس تنامي الشكوك بشأن الأدوار الخارجية وتأثيرها في إطالة أمد الصراع.

في ظل هذه التطورات ربما أدرك البرهان أن استمرار الحرب لم يعد يضمن له الاحتفاظ بموقعه وأن جبهة الداعمين لها تواجه ضغوطاً متزايدة داخلياً وخارجياً ومن هنا يمكن النظر إلى تغريدته باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب الاصطفافات من جديد، وإعادة توجيه الرسائل إلى حلفائه ولا سيما الإسلاميين وحركات دارفور المسلحة والإعلاميين الذين ظلوا يدعمون استمرار الحرب وأسهموا في التعبئة والاستنفار طوال الفترة الماضية.

وقد تحمل التغريدة في هذا السياق رسالة مزدوجة، فمن جهة يحاول البرهان الإيحاء بأنه يمتلك قرار التحرك نحو السلام وأنه قادر على تغيير المسار متى  أراد، ومن جهة أخرى قد تكون رسالة تحذير إلى القوى التي راهنت على استمرار الحرب مفادها أن التحول نحو التسوية السياسية قد يصبح أمراً واقعاً، وأن الذين دفعوا باتجاه استمرار القتال لن يكونوا بمنأى عن المساءلة السياسية والشعبية عن مواقفهم وما ترتب عليها من نتائج.

ومع ذلك فإن الحديث عن السلام لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول حقيقي في موقف البرهان لذلك ليس مهماً ما يكتب في التغريدات وإنما ما يترجم إلى خطوات عملية مثل وقف القتال والقبول بمسار تفاوضي جاد والتعامل مع المبادرات المطروحة بوضوح، وعدم استخدام العملية السياسية لكسب الوقت أو إعادة إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة من جديد.

لذلك تغريدة البرهان يمكن قراءتها في وفق هذه المعطيات باعتبارها مناورة سياسية تستهدف إعادة التموضع أمام ضغوط السلام ومحاولة استعادة زمام المبادرة في لحظات تتغير فيها الحسابات الإقليمية والدولية ويتراجع فيها خطاب استمرار الحرب على الحشد والتأييد.

* كاتب ومحلل سياسي

[email protected]

altaghyeer.info