بريطانيا تهيئ جيشها لاحتمال الحرب وأوروبا تواجه سؤال كلفة ردع روسيا

لم تعد احتمالات المواجهة العسكرية مع روسيا مجرد سيناريو بعيد في الحسابات الأوروبية؛ فمع تصاعد التهديدات الهجينة وتزايد رصد المسيّرات قرب منشآت عسكرية، تتجه بريطانيا إلى تهيئة جيشها ومجتمعها لاحتمال الحرب، فيما تواجه أوروبا معضلة ردع موسكو: كيف تحمي أمنها ومصالحها من دون أن تتحمل مخاطر المواجهة وحدها؟
بريطانيا تستعد لمرحلة أكثر خطورة
في تصريحات تعكس حجم القلق داخل المؤسسة العسكرية البريطانية، حذّر الجنرال السير رولي ووكر، رئيس هيئة الأركان العامة للجيش البريطاني، من أن البلاد دخلت مرحلة لم يعد فيها تجاهل احتمالات الحرب خيارا واقعيا.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوقال ووكر، خلال حديثه أمام نحو 700 جندي في قاعدة كاتريك، إن العالم يمر بظروف شديدة الخطورة، وإن الاستعداد للقتال عاد إلى صلب التفكير الوطني بعد سنوات لم يكن فيها المجتمع البريطاني مضطرا إلى التفكير بجدية في احتمال خوض حرب.
وفي تقرير نشرته صحيفة "تايمز" البريطانية نقلت لاريسا براون، محررة شؤون الدفاع في الصحيفة، عن ووكر تحذيره من أن القادة السياسيين سيضطرون قريبا إلى إجراء حوار صريح مع المواطنين بشأن المخاطر الأمنية، وما يتعين على البلاد الاستعداد له.
وأكد الجنرال أن تعزيز الدفاعات لن يكون مهمة الجيش وحده، بل سيتطلب من المجتمع قبول تضحيات وتحمّل تكاليف إضافية لإعطاء الأمن والدفاع أولوية أكبر.
وتعتزم الحكومة البريطانية رفع الإنفاق الدفاعي من 2.6% من الدخل القومي حاليا إلى 3.5% بحلول عام 2035. لكن تحقيق هذا الهدف يعني تحويل عشرات المليارات من الجنيهات من مجالات حكومية أخرى إلى الدفاع، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار سياسي ومالي: إقناع المواطنين بأن زيادة الإنفاق العسكري ضرورة أمنية، حتى إن جاءت على حساب أولويات داخلية أخرى.
ولا ينفصل هذا التوجه عن اتساع دائرة التهديدات التي تواجه بريطانيا وحلفاءها. فقد حذّر مدير جهاز الاستخبارات الداخلية البريطاني "إم آي 5" (MI5) كين ماكالوم، من تكثيف إيران محاولاتها استهداف مواقع أكثر حساسية، من بينها منشآت عسكرية في بريطانيا، بالتزامن مع تصاعد الحرب الهجينة الروسية.
إعلانوكان ووكر قد تحدث قبل أكثر من عامين عن "محور اضطراب" يضم روسيا والصين وإيران، محذرا من أن موسكو قد تسعى إلى الانتقام من الغرب بسبب دعمه أوكرانيا، بصرف النظر عن نتيجة الحرب.
مسيّرات غامضة تكشف ثغرات الدفاع البريطاني
وتعزز المخاوف الأمنية حوادث كشفت عنها صحيفة "تلغراف" البريطانية، في تقرير أعده الكاتبان غاريث كورفيلد وروزينا سابور عن اقتراب جسمين مجهولين اشتبه الطيارون في أنهما طائرتان مسيّرتان من مقاتلات وطائرة تزويد بالوقود تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، خلال تدريبات فوق بحر الشمال في فبراير/شباط الماضي.
ووقعت الحادثة الأولى عندما كانت طائرة تزويد بالوقود من طراز "إيرباص فوييجر" تمد مقاتلة "تايفون" بالوقود قبالة ساحل نورفولك. ورصد الطيار جسما وصفه بأنه يشبه طائرة مسيّرة على ارتفاع 17 ألف قدم، أي أعلى بكثير من الارتفاع المسموح به للطائرات المسيّرة التجارية. وكان الجسم قريبا إلى حد جعل الطيار ينحني بصورة غريزية، بينما لم يتمكن مراقب الرادار من رصده.
والحادثة الثانية تمثلت في رصد طيار مقاتلة "تايفون"، خلال تدريب على القتال الجوي، جسما أسود دائريا يشبه إطار سيارة، مرّ على ارتفاع يُقدّر بنحو 300 قدم فوق طائرته، التي كانت تحلّق قبالة ساحل هامبرسايد. وأُبلغت الشرطة بالواقعة، لكن التحقيق لم يحدد أسبابا مباشرة للحادثة.
وشددت "تلغراف" على عدم وجود أدلة تثبت أن الجسمين كانا تابعين لقوة معادية، كما أن أحد الطيارين أقر بأنه لم يتمكن من تحديد طبيعة الجسم الذي رآه بصورة قاطعة، وأنه ربما كان بالونا أو جسما مشابها. ومع ذلك، فإن الارتفاع الاستثنائي وعدم ظهور الجسمين على الرادار أثارا تساؤلات بشأن طبيعة هذه الحوادث ومصدرها.
الوقائع التي أوردتها صحيفة تلغراف البريطانية حول اقتراب أجسام غريبة من مقاتلات ملكية خلال تدريباتها فوق بحر الشمال تأتي في سياق مخاوف أوسع من استخدام روسيا الطائرات المسيّرة لجمع المعلومات الاستخباراتية حول القواعد العسكرية الغربية
مخاوف من الأنشطة الاستخباراتية الروسية
وتأتي هذه الوقائع في سياق مخاوف أوسع من استخدام روسيا الطائرات المسيّرة لجمع المعلومات الاستخباراتية حول القواعد العسكرية الغربية.
واستشهد التقرير بدراسة للمعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية رصدت حملة استطلاع بالمسيّرات بين أغسطس/آب 2024 وفبراير/شباط 2026، ورجّحت أن تكون بعض هذه الطائرات قد أُطلقت من سفن تابعة لما يعرف بـ"أسطول الظل" الروسي، الذي ينقل النفط الخاضع للعقوبات.
وشملت الحوادث تحليق مسيّرات قرب قواعد جوية بريطانية. وخلص معدّو الدراسة إلى أن الحملة حققت نجاحات تكتيكية لموسكو، وكشفت إخفاقات في الدفاع الجوي للحلفاء.
وفي المقابل، قالت وزارة الدفاع البريطانية إن تطوير قدرات الرصد زاد قدرتها على اكتشاف الأنشطة المشبوهة وتقييمها، مشيرة إلى استثمارات تتجاوز ملياري جنيه إسترليني (نحو 2.5 مليار دولار) في الدفاع الجوي ومكافحة المسيّرات وتحديث أسطول "تايفون". لكنها أكدت أن رصد مسيّرة لا يعني بالضرورة أنها معادية.
إعلانأوروبا أمام اختبار الردع: من يتحمل المخاطر؟
ولا تقتصر معضلة الأمن الأوروبي على حماية الأجواء والقواعد العسكرية، بل تمتد إلى كيفية مواجهة روسيا في البحر الأسود، حيث تتعرض الملاحة التجارية الأوكرانية لتهديدات تعرقل صادرات الحبوب وتضغط على الاقتصاد الأوكراني، مع تداعيات محتملة على أسواق الغذاء العالمية.
وفي تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، يرى الباحثان جايد ماكغلين، من كلية كينغز لندن، وتينيسون ديرينغ، من الأكاديمية الوطنية لجامعة كييف-موهيلا، أن أوروبا لا ينبغي أن تراهن على اتفاق جديد مع موسكو لضمان أمن الملاحة، بعدما انسحبت روسيا من اتفاق تصدير الحبوب عام 2023، عقب عام من العمل به.
ويؤكد الكاتبان أن أي تفاهم جديد قد يكون هشا، وأن المطلوب هو بناء آلية لا تعتمد على موافقة روسيا أو تعاونها.
ومن بين المقترحات التي يطرحها الباحثان السماح للسفن التجارية المؤهلة باستبدال ما يعرف بـ"أعلام الملاءمة"، مثل العلم الليبيري، واعتماد أعلام دول أوروبية ذات ثقل سياسي، مثل بريطانيا وفرنسا.
ومن شأن هذه الخطوة رفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأي هجوم روسي على السفن، خصوصا إذا اقترنت بتأمين مدعوم حكوميا ضد مخاطر الحرب.
ويستشهد الكاتبان بالتجربة الأمريكية خلال الحرب العراقية الإيرانية، عندما أعادت واشنطن تسجيل 11 ناقلة نفط كويتية تحت العلم الأمريكي عام 1987، ثم وفرت لها الحماية البحرية في عملية "إرنيست ويل". لكنهما لا يقدمان هذه التجربة باعتبارها ضمانة للأمان؛ فقد تعرضت إحدى الناقلات التي رفعت العلم الأمريكي للغم بحري، وأصيبت أخرى بصاروخ إيراني.
كما أن العلم الأوروبي لن يمنع بالضرورة الهجمات الروسية، إذ سبق أن استهدفت هجمات سفنا تحمل أعلام دول أخرى في البحر الأسود.
ولهذا، يرى الباحثان أن نجاح المبادرة يتطلب استعدادا أوروبيا لتحمل المخاطر، والاتفاق مسبقا على كيفية الرد على أي هجوم، سواء عبر العقوبات أو الإجراءات القانونية أو زيادة الدعم لأوكرانيا، بدلاً من ترك القرار للنقاش والارتباك بعد وقوع الاعتداء.
تحديات أمام الناتو
وتتصل هذه المعضلة بمخاوف أوسع داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إذ نقلت "تايمز" أن تصاعد الحرب الهجينة الروسية قد يضع الحلف أمام خلافات بشأن ما إذا كانت بعض الهجمات تستدعي تفعيل المادة الخامسة، التي تعتبر الاعتداء على دولة عضوة اعتداءً على الجميع.
وقد يؤدي غياب التوافق إلى إضعاف وحدة الحلف وترك الدول الأقرب إلى روسيا أكثر عرضة للخطر، خصوصا إذا أسفر هجوم بمسيّرة عن مقتل أوروبيين وأثار احتمال التصعيد العسكري.
وتزداد صعوبة الموقف مع تراجع قدرة الولايات المتحدة على تلبية الاحتياجات الدفاعية لحلفائها، بعدما استنزفت الحرب على إيران مخزونات الذخائر الأمريكية وأثرت في تسليم الإمدادات لأوكرانيا والدول الأوروبية.
كما أثارت تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، بما فيها اتفاق لشراء الديزل الروسي، مخاوف من أن تتعارض المصالح الأمريكية مع جهود احتواء موسكو، وتوفر موارد إضافية لآلة الحرب الروسية.
وفي هذا السياق، تتجاوز مسألة ردع روسيا حدود زيادة الميزانيات العسكرية أو تطوير أنظمة الدفاع الجوي. فالمطلوب، وفق تحليل "فورين بوليسي"، أن تنتقل أوروبا من الاكتفاء بتقديم الدعم لأوكرانيا إلى تحمل نصيب أكبر من المخاطر المباشرة، وأن تجعل موسكو تدرك أن الاعتداء على الملاحة أو المصالح الأوروبية لن يمر من دون ثمن.
وتكمن المفارقة في أن تجنب المخاطر قد يشجع روسيا على اختبار حدود الرد الغربي، بينما ينطوي الاستعداد للمواجهة على احتمال التصعيد. وبين هذين الخيارين، تجد بريطانيا نفسها مطالبة بإعداد جيشها ومجتمعها لمرحلة أكثر اضطرابا، فيما تواجه أوروبا سؤالا حاسما: هل تقبل الكلفة المالية والسياسية والأمنية للردع الآن، أم تخاطر بأن تصبح كلفة مواجهة روسيا لاحقا أعلى بكثير؟
إعلانaljazeera.net