خبر ⁄سياسي

التريث في صفقة المعادن مقابل الآليات: نحو مرصد وطني لحماية المعادن والزراعة

نشر:آخر تحديث:

التريث في صفقة “المعادن مقابل الآليات”: نحو مرصد وطني لحماية المعادن والزراعة

بقلم: د. عادل الطيب عبد النور

19 أكتوبر 2026

 

المشاريع والصفقات المعروضة تحت لافتة الشراكة تستدعي التريث لا الانبهار، والتدقيق الرشيد قبل اتخاذ أي خطوة تجعل السودان رهيناً لالتزامات طويلة الأجل، ففي يوم الثلاثاء الثالث عشر من أكتوبر، قدّم النائب الأمريكي جيم بيرد عن ولاية إنديانا مشروع القانون رقم 10795 بعنوان “قانون الاستثمار في المعادن والشراكة والزراعة والتجارة مع السودان”، المعروف اختصاراً بـ “قانون إمباكت” (IMPACT). يكلّف مشروع القانون وزيرَ الخارجية بالسعي إلى “شراكة أمريكية – سودانية في الزراعة والمعادن” تقدّم بموجبها الولايات المتحدة آليات زراعية وتقنيات ري وتصنيع، ومعدات للمسح الجيولوجي والتعدين، مقابل معادن يستخرجها السودان أو ينتجها، ولم يُخفِ صاحب المشروع دوافعه: فمعادن السودان، بحسب ما صرح به، يمكن أن توسّع إمدادات المواد التي يستخدمها الأمريكيون يومياً في هواتفهم وسياراتهم.

يُطرح هذا المشروع وبلادنا في عامها الرابع من الحرب، بلا حكومة مدنية ولا برلمان ولا مؤسسات رقابية قادرة على التفاوض أو المساءلة، وحين يصوغ برلمانٌ أجنبي الشروطَ التي قد تُبادَل بها ثروات السودان في غياب من يمثّل أهله، أرى أن الأمر يستدعي وقفة من الشرفاء والمهنيين في بلادي ولن نستطيع الصمت تجاهه.

بعد ثلاث سنوات ونصف من الحرب (بالتمام والكمال)، تأكد مقتل ما يفوق ال 50 ألف شخص، ونزح قسراً أكثر من 11 مليون إنسان بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ويحتاج أكثر من 20 مليون سوداني إلى مساعدات إنسانية، والتحذّيرات تًظهر أن تداعيات الحرب وظاهرة الجفاف يدفعان الكثير من السكان بمناطق دارفور وكردفان نحو المجاعة، بسبب عدم تمكن النازحين من انتاج قوتهم ومعدل هطول الأمطار بمستوي دون المعتاد.

أما الاقتصاد فقد توقف أو كاد، شهد الجنية تراجعاً دراماتيكياً بمعدلات تضخم غير مسبوقة بالفترة ما قبل الحرب، وأوقف تجار في عدة ولايات البيعَ إلى أن يستقر السعر، ويشير اقتصاديون إلى سبب مقلق: شراء السلطات للدولار من السوق السوداء لتمويل صفقات السلاح والوقود، بينما المصادر المولدة للدخل مثل الزراعة والصناعة والخدمات معطّلة في معظمها، ومحطات الكهرباء ومرافق المياه والمستشفيات والجسور دُمّرت أو نُهبت، ويعيش الملايين بلا كهرباء منتظمة ولا ماء نظيف ولا خدمات صحية.

المتتبع لتفاعل المجتمع الدولي وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية يري أن دبلوماسيتها كانت صادقة في أقوالها، شحيحة في نتائجها، فمنذ فبراير هذا العام ظل السيد مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس للشؤون العربية والأفريقية، يبشّر مراراً بهدنة إنسانية وشيكة وخريطة طريق، ولم يتحقق شيء من ذلك. وفي الرابع من أكتوبر رشحت الاخبار بلقاء جمعه مع الفريق البرهان في العلمين الجديدة بمصر، مؤكداً دعم واشنطن “لوحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه” ولمقترح هدنة مدتها تسعون يوماً، ولا تزال تلك الهدنة حبراً على ورق.

ولا يخفى سبب تراجع السودان في سلّم أولويات واشنطن، فمنذ فبراير تستغرق الولاياتِ المتحدةَ حربُها مع إيران وأزمةُ مضيق هرمز، وهي أزمة فاقمت الجوع في السودان ذاته برفعها أسعار الوقود والأسمدة، وتستنزف انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في الثالث من نوفمبر ما تبقى من الاهتمام السياسي، ويكاد كل جار من جيران السودان أن يكون، في وقت ما، ممراً أو سوقاً أو ملاذاً لأحد طرفي الحرب.

والإنصاف يقتضي الاعتراف بما في “مشروع قانون إمباكت” من إيجابيات، فهو لا يُنشئ شراكة اليوم، بل هو مقترح أُحيل إلى لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب دون أي راعٍ مشارك، وتحظر مادته الثالثة قيام أي شراكة قبل أن يقرر وزير الخارجية أن “سلطة حاكمة شرعية بقيادة مدنية في السودان” حققت تحسناً ملموساً في حماية المدنيين والاستقرار السياسي والإدارة الرشيدة للموارد، وهذه شروط جيدة تفوق ما تتضمنه معظم صفقات الموارد.

لكن الشروط المكتوبة في واشنطن ليست ضمانات مكتوبة في الخرطوم، وثمة مخاوف واستفهامات حولها:

أولاً: من يقرر الشرعية؟ بموجب المشروع، يشهد مسؤول حكومي أجنبي واحد بما إذا كانت حكومة السودان شرعية بما يكفي لمبادلة معادنه، والشرعية في السودان لا تُمنح من الخارج، بل يمنحها السودانيون عبر عملية سياسية ذات مصداقية، ومثل هذه الشهادة تخلق حافزاً منحرفاً: فأي فصيل – في بورتسودان أو في نيالا – يستطيع أن يرتدي ثوباً مدنياً سيجد طريقاً إلى الاعتراف الأمريكي والعائدات. ويمكن الربط بين رسالة البرهان إلى الرئيس ترامب في 15 أكتوبر وتقديم المشروع، ومجرد احتمال صفقة معادن بات يوجّه سلوك طرفي الصراع وحاملي السلاح قبل أن تنتقل أوقية واحدة من يد إلى يد.

ثانياً: المقايضة ليست شراكة: نموذج المشروع – معدات ومساعدة فنية “مقابل” معادن – هو نموذج “الموارد مقابل البنية التحتية” الذي تعرفه أفريقيا جيداً، وموطن ضعفه التسعير، فحين تقايض دولة منهكة تفتقر إلى النقد ذهبَها وكرومَها وعناصرَها النادرة الناضبة بآليات يحدد الطرف الأقوى قيمتها، نادراً ما تأتي الشروط لصالح الأضعف، ولم يُظهٌر ما رشح بالمشروع عن التقييم والتثمين، ولا عن الإفصاح عن العقود، ولا عن محاسبة العائدات، ولا عن التصنيع المحلي، ولا عن مصادقة هيئة تشريعية سودانية.

ثالثاً: الأرض والناس: يعيل قطاع التعدين الأهلي للذهب نفر مُقدر بحوالي مليوني سوداني، وينتج ما يقارب ال 70% من إنتاج البلاد، ووراء عبارة “المعادن المشمولة” ومواقعها الجغرافية قرى ومسارات رعي وآبار ومقابر وغير ذلك، ولا يذكر المشروع شيئاً عن حيازة الأرض، ولا عن الموافقة الحرة المسبقة للمجتمعات المحلية، ولا عن معايير إعادة التوطين أو التعويض.

رابعاً: تحديات الحوكمة وضبط الموارد: تشير البيانات الدولية إلى أن غياب الرقابة الموحدة أدى لسلسلة من التسربات في عائدات الثروات المعدنية عبر قنوات مختلفة. ومن هذا المنطلق، فإن الاستعجال في فتح مسارات جديدة لتصدير المعادن في هذه المرحلة قد يضاعف من صعوبة ضبط العائدات وتوجيهها للمصلحة الوطنية العامة، وهو ما يتطلب التريث لحين توحيد المؤسسات السيادية والرقابية.

خامساً: التاريخ يدعو إلى التريث: يتذكر السودانيون كيف موّلت عائدات النفط في التسعينيات ومطلع الألفية الحربَ لا التنمية، ويتذكر العالم نفط العراق بعد 2003، والثروة المعدنية “التريليونية” التي رُوِّج لها في أفغانستان ولم تُغنِ أفغانياً واحداً تقريباً، وعليه إن دبلوماسية الموارد في الدول الهشة، مهما حسُنت النوايا، سجلّها ضعيف في جلب السلام أو الرخاء لمن يعيشون على الأرض.

تؤكد مبادئ الأمم المتحدة السيادة الدائمة للشعوب والأمم على ثرواتها الطبيعية، وحق تنميتها الوطنية ورفاه شعوبها. ذهب السودان وسهوله الطينية الخصبة ومياه نيله وأحزمته المعدنية ليست ملكاً لأي أحد، بل هي أمانة لأجيال لم تولد بعد. وعليه أقدم بوضوح رؤيتي حول المشروع الأمريكي وما يجب القيام به:

  • تجميداً وطنياً لأي امتياز تعدين جديد طويل الأجل، أو إيجار أراضٍ، أو اتفاق “موارد مقابل سلع”، إلى أن تتوقف الحرب، ويكتمل قيام حكومة مدنية ذات تفويض وطني واسع، وتتكون هيئات تشريعية انتقالية وتتولي مراجعته.
  • أن يخضع أي اتفاق مستقبلي – أمريكياً كان أو خليجياً أو صينياً أو روسياً أو تركياً – للنشر الكامل، والتقييم المستقل، والمصادقة من هيئة تشريعية سودانية، وأن يُلزَم بضمانات نافذة لحقوق الأرض وموافقة المجتمعات المتأثرة وحماية البيئة.

وإلى أصحاب “قانون إمباكت” أقول: إن كان همّكم حقاً حماية المدنيين، فعدّلوا المشروع، اجعلوا مصادقة هيئة تشريعية سودانية منتخبة أو ممثِّلة تمثيلاً واسعاً شرطاً أساسياً، واشترطوا الشفافية الكاملة للعقود وموافقة المجتمعات، واحظروا أي منفعة لأي طرف مسلح تحوم حوله شبهات جدية بارتكاب فظائع أو تهريب معادن، عندئذٍ يصبح المشروع رافعةً للسلام لا عربوناً على مواردنا.

نداء للمهنيين السودانيين: لا يستطيع أي رأس مال أجنبي أن يحمي ما نهمله نحن، لذا أدعو الخبراء الجيولوجيين ومهندسي التعدين والقانونيين والاقتصاديين والزراعيين والصحفيين والاستراتيجيون وجالياتنا الواسعة في المهجر إلى اليقظة والعمل علي تكوين “مرصد سوداني لسيادة الموارد” يُدار بهيئة مستقلة غير حزبية ترسم خرائط الامتيازات وملّاكها، وتجمع العقود وتنشرها، وتتتبّع مسارات الذهب، وتوثّق التهجير، وتقدّم الأدلة إلى البرلمانات والمحاكم – في واشنطن وفي الخرطوم. وعلينا أن نخاطب الكونغرس الأمريكي قبل مناقشة المشروع في اللجنة، لا بعد إقراره.

وفوق كل شيء، علينا أن نداوي انقساماتنا. فالقوى المدنية – “صمود” ومن هم خارجها، ولجان المقاومة، والنقابات المهنية، والحركات الشبابية، والإدارات الأهلية، والنازحون وعامة اهل السودان، علينا طيء الخلاف حتي لا يقرر حملة السلاح مصير بلادنا، لسنا مطالبين بالاتفاق على كل شيء، بل على حدٍّ أدنى: إنهاء الحرب؛ جيش وطني مهني واحد؛ حكومة انتقالية مدنية؛ العدالة للضحايا؛ والسيادة على مواردنا. اذا توحّدنا بجبهة مدنية لن نترك لأي جهة أجنبية أن تختار لنا قادتنا، لأننا سنكون قد اخترناهم بأنفسنا.

السودان يرحّب بالشركاء، ولا حاجة له بالمشترين. وطننا ليس منجماً يُفرَغ بينما يُدفن أهله، بل أمة يُعاد بناؤها  بأيدي أبنائها، وتحت قانونها، ومن أجل أطفالها. دمتم ودام السودان..

altaghyeer.info