خبر ⁄سياسي

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة السابعة: أخلاقيات المحاماة

نشر:آخر تحديث:

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق

 الحلقة السابعة: أخلاقيات المحاماة

ميرغنى الحبر/ المحامي

ليست المهن العريقة بما تمنحه لأصحابها من مكانة اجتماعية أو امتيازات مهنية، وإنما بما تفرضه عليهم من مسؤوليات، وبما يلتزمون به من قيم في ممارسة أعمالهم. والمحاماة، بما تتصل به من حقوق الناس وحرياتهم ومصائرهم، من أكثر المهن احتياجاً إلى هذا المعنى.

فالمعرفة القانونية وحدها لا تصنع محامياً جديراً بالثقة، كما أن القدرة على كسب القضايا لا تكفي وحدها للحكم على نجاحه. ثمة جانب آخر لا يقل أهمية عن العلم والمهارة، يتعلق بكيفية ممارسة المهنة، وبالقيم التي تحكم علاقة المحامي بزملائه ومؤسساته، وبقدرته على صون كرامة المهنة في مواقفه اليومية.

وهنا يبدأ الحديث عن أخلاقيات المحاماة؛ لا باعتبارها مجموعة من الوصايا المثالية، ولا بوصفها قواعد تكميلية تأتي بعد إتقان القانون، وإنما باعتبارها جزءاً أصيلاً من الممارسة المهنية، ومعياراً من معايير استحقاق الثقة.

فالمحاماة لا تُقاس فقط بما يستطيع المحامي فعله بالقانون، وإنما أيضاً بما يمتنع عن فعله صوناً لكرامة المهنة.

 ما وراء النصوص

تضع القوانين واللوائح المهنية قواعد تنظم عمل المحامي، وتحدد واجباته، وتبين صور المخالفات التي تستوجب المساءلة. وهذه القواعد ضرورية لحماية المهنة والجمهور، لكنها، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تحيط بكل موقف يواجه المحامي في حياته المهنية.

فقد يلتزم المرء بظاهر القاعدة، لكنه يسيء إلى روحها؛ وقد يتجنب مخالفة تستوجب المساءلة، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنه تصرف بما ينسجم مع مقتضيات الأمانة المهنية.

ومن هنا تظهر أهمية الضمير المهني؛ ذلك الوعي الذي يجعل المحامي يراجع سلوكه، لا خوفاً من العقوبة وحدها، وإنما إدراكاً منه أن المهنة أمانة، وأن الثقة التي يمنحها الناس للمحامي لا تنشأ من النصوص القانونية وحدها، بل تتكون أيضاً من الممارسة اليومية.

ولا يعني ذلك أن يُترك تقدير الأخلاق للأهواء الشخصية، أو أن يحل الضمير محل القواعد المهنية والمساءلة التأديبية. وإنما المقصود أن القواعد تحتاج إلى ثقافة مهنية تحترمها، وأن المساءلة تحتاج إلى وعي يجعل الالتزام سابقاً على الرقابة، لا مجرد استجابة لها.

فالمهنة التي لا يلتزم أبناؤها بقواعدها إلا حين يخشون العقوبة، تظل بحاجة إلى ما هو أعمق من مجرد التشدد في تطبيق اللوائح؛ إنها بحاجة إلى ترسيخ قيم تجعل احترام المهنة جزءاً من تكوين المحامي وسلوكه.

 المنافسة التي ترفع المهنة… والمنافسة التي تسيء إليها

المنافسة بين المحامين أمر طبيعي، بل قد تكون ضرورية لتطوير الأداء المهني، وتحسين الخدمات القانونية، ودفع المحامي إلى تجديد معرفته وتوسيع خبرته. وليس من مصلحة المهنة أن تتحول الزمالة إلى علاقة مغلقة تمنع التنافس أو تحجب النقد.

لكن المنافسة، شأنها شأن أي ممارسة مهنية، قد تنحرف عن غايتها حين لا تعود قائمة على العلم والكفاءة وحسن الأداء، وإنما تتحول إلى انتقاص من الزملاء، أو تشويه لسمعتهم، أو التشكيك في نزاهتهم دون أساس، أو السعي إلى استقطاب الموكلين بوسائل لا تتفق مع كرامة المهنة.

فالفرق كبير بين محامٍ يسعى إلى إثبات كفاءته، وآخر يسعى إلى إثبات قصور غيره؛ وبين من يكسب ثقة الموكل بعمله وأمانته، ومن يحاول كسبها بالتقليل من زملائه أو الطعن في قدراتهم.

ولا تعني أخلاقيات الزمالة أن يتجنب المحامي نقد الخطأ، أو أن يتغاضى عن ممارسة تضر بالموكلين أو تسيء إلى المهنة. فالنقد المهني المسؤول ضرورة، والإبلاغ عن التجاوزات التي تستوجب المساءلة قد يكون واجباً. لكن النقد شيء، والتشهير شيء آخر؛ والمساءلة المهنية شيء، وتصفية الحسابات الشخصية تحت ستار الحرص على المهنة شيء مختلف.

فالزمالة لا تعني التستر على الخطأ، كما أن المنافسة لا تمنح أحداً الحق في الانتقاص من زميله.

والمحاماة التي نريدها ليست مهنة يتبادل أبناؤها المجاملات، ولا ساحة يتنافسون فيها على حساب كرامة بعضهم بعضاً؛ وإنما بيئة مهنية تتسع للاختلاف، وتحترم الكفاءة، وتواجه الخطأ بموضوعية، وتجعل التفوق ثمرة للعمل والمعرفة والنزاهة.

 سمعة المهنة مسؤولية مشتركة

قد يقضي المحامي سنوات في اكتساب المعرفة والخبرة وبناء الثقة، لكن تصرفاً مهنياً غير مسؤول قد يترك أثراً يتجاوز صاحبه إلى صورة المهنة كلها.

وهذه إحدى خصائص المحاماة: أن الممارسة الفردية لا تبقى دائماً شأناً فردياً خالصاً، خصوصاً حين تمس الثقة في المحامين أو في قدرتهم على أداء دورهم في حماية الحقوق.

فحين يسيء محامٍ استخدام صفته المهنية، أو يتعامل مع واجباته باستخفاف، أو يقدم للناس صورة مضللة عن طبيعة عمله، فإن الضرر لا يقتصر بالضرورة على العلاقة التي نشأ في إطارها التجاوز؛ فقد يمتد إلى ثقة الناس في المهنة، ويؤثر في نظرتهم إلى المحامين عموماً.

لكن من الخطأ أيضاً أن تتحول أخطاء بعض المحامين إلى أحكام عامة تطال المهنة كلها. فالإنصاف يقتضي التمييز بين الخطأ الفردي والممارسة المستقرة، وبين الواقعة التي تستوجب المساءلة وبين الاتهام الذي لا يقوم على دليل.

ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات المهنية في حماية سمعة المحاماة، لا بالدفاع غير المشروط عن كل ما يصدر عن المحامين، ولا بالتساهل مع التجاوزات، وإنما بترسيخ معايير واضحة للسلوك المهني، وتطبيقها بعدالة، وتوفير بيئة تسمح بمعالجة الأخطاء دون انتقائية أو تصفية حسابات.

فالثقة العامة لا تُحمى بإنكار المشكلات، وإنما بمواجهتها؛ ولا تُصان بالمجاملة، وإنما بالإنصاف والمساءلة.

والمؤسسة المهنية القوية ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل التي تملك القدرة على اكتشافها ومعالجتها، وحماية أعضائها من الظلم، وحماية الجمهور من التجاوز، دون أن تجعل أحد الواجبين ذريعة لإهمال الآخر.

 المحامي بين صورته وممارسته

كثيراً ما نتحدث عن مكانة المحاماة، وعن تاريخها، وعن دورها في حماية الحقوق والحريات. وهذه معانٍ تستحق الاعتزاز، لكنها لا تكتسب قيمتها من تكرار الحديث عنها، وإنما من مدى انعكاسها على واقع الممارسة.

فالمحامي لا يحتاج إلى أن يعلن احترامه للمهنة بقدر ما يحتاج إلى أن يجسده في عمله؛ ولا تكفيه الإشارة إلى رسالة المحاماة ما لم يظهر أثر هذه الرسالة في دقة أدائه، واحترامه لواجباته، وطريقته في التعامل مع الآخرين.

ومن حق المحامي أن يطالب المجتمع باحترام مهنته، وأن يدافع عن مكانتها واستقلالها وحقوق أعضائها. لكن هذا الاحترام لا يمكن أن يكون مطلباً أحادي الجانب؛ إذ يقابله واجب على المحامين في صون الثقة العامة، وتقديم نموذج مهني يبرر تلك المكانة.

ولا يعني ذلك تحميل المحامين وحدهم مسؤولية كل ما يعتري العدالة من خلل، أو تجاهل الظروف التي تعمل فيها المهنة، أو إغفال ما يواجهه المحامون من صعوبات وضغوط. وإنما يعني أن الاعتزاز بالمهنة ينبغي أن يقترن بالاستعداد لمراجعة ممارستها، والتمييز بين ما يستحق الدفاع عنه وما يحتاج إلى إصلاح.

فكرامة المحاماة لا تُصان بإنكار عيوب الممارسة، وإنما بالقدرة على مواجهتها دون انتقاص من المهنة أو تجريح في أهلها.

وهذا هو التوازن الذي نحتاج إليه: ألا يتحول الاعتزاز بالمحاماة إلى حصانة ضد النقد، وألا يتحول النقد إلى وسيلة للنيل منها؛ بل يكون كلاهما مدخلاً إلى تطويرها وتعزيز مكانتها.

 حين تكون الأمانة ثقافة مهنية

إن أخلاقيات المحاماة لا تستقر بمجرد النص عليها في القوانين واللوائح، ولا تتحقق بكثرة الحديث عن شرف المهنة. إنها تتكون من تفاصيل الممارسة، ومن المعايير التي يقبلها المحامون فيما بينهم، ومن المواقف التي يرفضون فيها التجاوز، ومن استعدادهم للتمييز بين المصلحة الآنية وما يحفظ للمهنة مكانتها على المدى البعيد.

وتبدأ هذه الثقافة حين تصبح الكفاءة معياراً للتنافس، والنزاهة أساساً للثقة، والنقد وسيلة للإصلاح، والمساءلة ضمانة للعدالة، والزمالة علاقة يحكمها الاحترام دون أن تمنع الاختلاف.

وتترسخ حين تدرك الأجيال الجديدة من المحامين أن تعلم القانون لا ينفصل عن تعلم أصول المهنة وقيمها، وأن الخبرة لا تُقاس بسنوات الممارسة وحدها، بل أيضاً بما يكتسبه المحامي من حكمة في التعامل مع القضايا والناس، وبقدرته على تحمل المسؤولية التي تفرضها عليه صفته المهنية.

ولعل الأهم أن ندرك أن أخلاقيات المهنة ليست شأناً يخص المحامي وحده؛ فالمؤسسات المهنية مسؤولة عن ترسيخها، وبيئة العدالة مطالبة باحترامها، والمجتمع معني بها لما يترتب عليها من أثر في حماية الحقوق وتعزيز الثقة في القانون.

لكن مسؤولية الآخرين لا تعفي المحامي من مسؤوليته عن نفسه، كما أن مسؤولية المحامي لا تبرر إغفال واجب المؤسسات في توفير بيئة مهنية عادلة تحمي النزاهة وتواجه التجاوز.

فالأخلاق المهنية ليست شعاراً يرفع عند الحديث عن المحاماة، وإنما ممارسة يومية تُختبر في المواقف التي لا يكفي فيها النص وحده، وتظهر قيمتها حين يكون الالتزام بها أصعب من تجاوزها.

 من أخلاقيات المهنة إلى رسالة العدالة

لسنا بحاجة إلى رسم صورة مثالية للمحامي، ولا إلى افتراض أن المهنة يمكن أن تخلو من الأخطاء والاختلافات. فالمحامون بشر، والممارسة المهنية محكومة بظروف واقعية معقدة، ولا يمكن بناء مهنة قوية على إنكار هذه الحقيقة.

لكننا بحاجة إلى أن نحدد بوضوح ما ننتظره من المحاماة، وما ينبغي أن تلتزم به في مواجهة نفسها والمجتمع. نحتاج إلى مهنة تعتز بتاريخها دون أن تتوقف عنده، وتدافع عن حقوق أعضائها دون أن تتستر على أخطائهم، وتقبل النقد دون أن تسمح بتحويله إلى انتقاص من مكانتها.

إن المحاماة التي نريدها ليست تلك التي يدعي أبناؤها الكمال، وإنما تلك التي تملك شجاعة المراجعة، وصدق الاعتراف بالخلل، وإرادة الإصلاح. فبهذه المعاني تتجدد الثقة، وتُصان كرامة المهنة، ويظل الاعتزاز بها مرتبطاً بما تؤديه من واجب، لا بما تحمله من اسم أو تاريخ.

غير أن الالتزام بأخلاقيات المهنة، مهما بلغت أهميته، لا يستنفد رسالة المحامي؛ فالمحاماة لا تعمل بمعزل عن المجتمع، ولا تنحصر آثارها في العلاقة بين المحامي وموكله أو في حدود الخصومة أمام القضاء.

فإذا كانت الأخلاقيات تضبط سلوك المحامي وتحفظ للمهنة نزاهتها، فإن السؤال التالي يتعلق بالدور الذي يؤديه المحامي في منظومة العدالة ذاتها: هل تقتصر مهمته على تمثيل أطراف النزاع والدفاع عن حقوقهم، أم أن له دوراً أوسع في تعزيز احترام القانون، والمساهمة في إصلاح العدالة، وترسيخ الوعي بالحقوق والواجبات في المجتمع؟

ذلك ما نناقشه في الحلقة القادمة: «المحامي شريك في تحقيق العدالة».

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة السادسة: المحامي وموكله… الثقة وحدود المسؤولية

altaghyeer.info