لماذا يغدق أنصار حركة ماغا مشاعر الإعجاب على ريتشارد نيكسون

تتجاوز عودة الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى واجهة النقاش بين المحافظين الأمريكيين استعادة سيرة رئيس سابق؛ لتتحول إلى محاولة لإعادة تعريف اليمين، واستشراف مستقبل الحزب الجمهوري بعد الرئيس دونالد ترمب، في ظل تصاعد الشعبوية والصراع مع المؤسسات التقليدية.
ففي ظاهرة يطلق عليها بعض المحافظين اسم "نيكسون ماكسينغ"، يستعيد أنصار حركة "ماغا" الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، ليس بوصفه الرجل الذي انتهت رئاسته بفضيحة ووترغيت فحسب، بل باعتباره نموذجا سياسيا واجه النخب والمؤسسات التقليدية، ودافع عن النظام العام، وسعى إلى إعادة تشكيل الحزب الجمهوري على قاعدة شعبية أوسع.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوفي مقال حواري نشرته صحيفة نيويورك تايمز بعنوان "لماذا يفتتن أنصار ماغا بنيكسون؟"، يناقش المؤرخ جيفري كاباسيرفيس، مؤلف كتاب "الحكم والخراب: سقوط الاعتدال وتدمير الحزب الجمهوري من أيزنهاور إلى حزب الشاي"، مع جون غويدا، محرر قسم الرأي في الصحيفة، الدوافع وراء هذه العودة، وما تكشفه عن التحولات التي يشهدها اليمين الأمريكي، والبحث عن نموذج سياسي للمرحلة المقبلة.
وتستند هذه المراجعة إلى قراءة جديدة لنيكسون باعتباره أحد أسلاف التيار الذي يمثله دونالد ترمب، خصوصا في خطابه الشعبوي، ومواقفه من التجارة، وتأكيده ضرورة فرض القانون والنظام، واعتقاده أن مؤسسات نافذة في الدولة والإعلام والجامعات تعمل ضد مشروعه السياسي.
نيكسون.. رائد المواجهة مع النخب؟
ويرى كاباسيرفيس أن بعض المحافظين المعاصرين يقدمون نيكسون باعتباره قائدا مضادا للثورة الثقافية والسياسية التي شهدتها الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي. فقد سعى، ولا سيما خلال ولايته الثانية التي لم تكتمل، إلى تقليص نفوذ بعض الأجهزة والبرامج الفدرالية، وإعادة توزيع الصلاحيات بين الحكومة المركزية والولايات، فضلا عن تعزيز خطاب "القانون والنظام" في مواجهة الاحتجاجات والتحولات الاجتماعية التي أثارت قلق قطاعات واسعة من الأمريكيين.
إعلانكما أراد نيكسون بناء نخبة بديلة تحل محل ما كان يعتبره المؤسسة التقليدية المعادية له، بما فيها وسائل الإعلام الوطنية والجامعات المرموقة والمؤسسات الخيرية والبيروقراطية الفدرالية. وهذه الصورة، في نظر أنصاره المعاصرين، تقترب من خطاب ترمب الذي يصور نفسه في مواجهة منظومة راسخة يسميها "الدولة العميقة"، ويتهمها بمحاولة عرقلة إرادة الناخبين.
ولم يقتصر التشابه على الخطاب؛ فقد حاول نيكسون إعادة صياغة الحزب الجمهوري بوصفه حزبا أقرب إلى الطبقة العاملة، واتخذ مواقف قومية اقتصادية في التجارة، وأبدى اهتماما بسياسات مؤيدة للعمال. وهي توجهات يستحضرها أنصار ترمب لتأكيد أن التحول الشعبوي داخل الحزب ليس ظاهرة مستحدثة بالكامل، بل له جذور في تاريخ الجمهوريين.
ليس محافظا بالمعنى التقليدي
غير أن اختزال نيكسون في هذه الصورة يتجاهل جوانب أساسية من تجربته، ويحول شخصية سياسية معقدة إلى نموذج جاهز للاستخدام في الصراعات الراهنة.
فنيكسون، بحسب كاباسيرفيس، لم يكن محافظا بالمعنى التقليدي الذي يطالب دائما بتقليص دور الدولة. فقد أنشأ وكالة حماية البيئة عام 1970، ووقع قانون إنشاء إدارة السلامة والصحة المهنية، انطلاقا من اقتناعه بأن للحكومة دورا في حماية صحة الأمريكيين وسلامتهم. كما اتخذ خطوات مهمة في إزالة الفصل العنصري في المدارس الجنوبية، وعمل على تطوير برامج اتحادية للمساواة في فرص العمل.
وفي المجال الصحي، طرح نيكسون عام 1974 تصورا للتأمين الصحي الوطني، رأى كاباسيرفيس أن مقترحات لاحقة للرئيسين بيل كلينتون وباراك أوباما استندت إلى بعض أفكاره. وتكشف هذه السياسات عن رئيس لا تنسجم تجربته بالكامل مع التصنيف الذي يحاول بعض المحافظين المعاصرين وضعه فيه.
وهنا تكمن المفارقة: فاليمين الذي يستحضر نيكسون بوصفه رمزا لمواجهة الدولة العميقة والنخب الليبرالية، يتجاهل أحيانا أنه استخدم سلطة الحكومة لتوسيع برامج عامة وحماية العمال والبيئة، وهي سياسات لا تحظى جميعها بقبول المحافظين اليوم.
كاباسيرفيس:
الولاءات الحزبية أصبحت قادرة على الحد من الأثر السياسي لفضائح كان يمكن أن تطيح برؤساء في حقبة سابقة.
سلطة الرئيس.. من ووترغيت إلى ترمب
وتظهر أوجه التشابه الأكثر إثارة للجدل بين نيكسون وترمب في نظرتهما إلى السلطة التنفيذية وعلاقتهما بالخصوم السياسيين. فقد حاول نيكسون حجب أموال أقرها الكونغرس لبرامج لم يكن يؤيدها، مستندا إلى تصوره لصلاحيات الرئيس الدستورية. وخلال فضيحة ووترغيت، تمسك بالامتياز التنفيذي لحماية محادثاته السرية من رقابة الكونغرس والمحاكم.
كما كشفت فضيحة "قائمة الأعداء" عن رغبته في توظيف أجهزة حكومية، بينها مكتب التحقيقات الفدرالي ومصلحة الضرائب، لملاحقة خصومه. ويرى كاباسيرفيس أن هذه النزعة تقدم سابقة تاريخية لما يعتبره استخداما سياسيا لأجهزة العدالة في عهد ترمب، في محاولة لمعاقبة المعارضين أو الضغط عليهم.
لكن المؤرخ يلفت إلى فارق مهم في شخصية نيكسون نفسه؛ إذ كان بعض مساعديه يميزون بين جانب يدفعه إلى الانتقام من خصومه بوسائل غير قانونية أو غير دستورية، وجانب آخر يدرك أن مثل هذه الأفعال خاطئة، ويتراجع أحيانا عن أوامره بعد التفكير فيها.
أكثر تعقيدا
ولا يعني ذلك تبرئة نيكسون من تجاوزاته، بل يوضح أن تجربته كانت أكثر تعقيدا من الصورة التي يحاول أنصار "ماغا" استعادتها. فقد انتهت رئاسته باستقالته عام 1974، بعدما أصبحت الأدلة المتعلقة بفضيحة ووترغيت، ولا سيما عرقلة العدالة، تهدد بقاءه في منصبه.
إعلانويرى كاباسيرفيس أن اختلاف الظروف السياسية اليوم قد يجعل تكرار ذلك السيناريو أكثر صعوبة. فقد ساهم انقسام الحزبين الأمريكيين واستقطابهما الحاد في إضعاف استعداد السياسيين لمحاسبة رئيس ينتمي إلى حزبهم. وعندما استقال نيكسون، كان فقدانه دعم عدد من الجمهوريين عاملا حاسما في قراره؛ أما اليوم، فيصعب تصور موقف مماثل بالسهولة نفسها.
ولعل أكثر ما يكشف هذا التحول تصريح جيه دي فانس -نائب الرئيس- بأن فضيحة ووترغيت، لو وقعت في الوقت الحاضر فإنها قد لا تتجاوز دورة إخبارية قصيرة. وهي ملاحظة تعكس، في قراءة كاباسيرفيس، كيف أصبحت الولاءات الحزبية قادرة على الحد من الأثر السياسي لفضائح كان يمكن أن تطيح برؤساء في حقبة سابقة.
معركة على الإرث
ولا تتعلق إعادة اكتشاف نيكسون بالماضي وحده، بل بالصراع على مستقبل الحزب الجمهوري بعد ترمب. فأنصاره يرون فيه رمزا لسياسي مستعد لخوض معارك شرسة ضد المؤسسات التي يعتبرونها معادية للمحافظين، وللتعبير عن غضب قطاعات شعبية تشعر بأن النخب السياسية والثقافية لا تمثلها.
لكن كاباسيرفيس يذكّر بأن نيكسون لم يأت من أقصى اليمين داخل الحزب الجمهوري، بل كان في جوهره رجل حزب حاول التوفيق بين المحافظين والمعتدلين والليبراليين، وإتاحة مساحة لكل تيار. أما رونالد ريغان، الذي يفضله بعض المحافظين بوصفه نموذجا للقيادة الجمهورية، فقد نجح بدرجة أكبر في بناء تحالف واسع حول الحزب، حتى عندما ابتعد عن بعض مبادئ المحافظين التقليدية.
ويقدم نيكسون، في المقابل، درسا في مخاطر تحويل الخصومة السياسية إلى حرب مفتوحة على المؤسسات والقواعد الدستورية. فعلى الرغم من أخطائه الجسيمة، كان يدرك أحيانا حدود القوة الأمريكية، كما أظهر انفتاحه على الصين وإستراتيجيته القائمة على تخفيف التوتر مع الاتحاد السوفياتي إدراكا واقعيا لأهمية التفاوض.
أقرب إلى مزاج سياسي
ويخلص كاباسيرفيس إلى أن ظاهرة "نيكسون ماكسينغ" تبدو أقرب إلى مزاج سياسي منها إلى مراجعة تاريخية متكاملة. فالتاريخ الأمريكي، في مجتمع شديد الانقسام، يتحول باستمرار إلى ساحة صراع على الحاضر والمستقبل، ويعيد كل تيار تفسير شخصيات الماضي بما يخدم تطلعاته.
ومن هنا، فإن استدعاء نيكسون لا يثبت أن الجمهوريين وجدوا نموذجا متكاملا لمرحلة ما بعد ترمب، بقدر ما يكشف حاجتهم إلى صياغة هوية سياسية تجمع بين الشعبوية والواقعية والقدرة على الحكم. ويبقى الدرس الأهم هو أن الخصوم السياسيين، مهما اشتد الخلاف معهم، مواطنون لا أعداء ينبغي تدميرهم، وأن المنافسة الديمقراطية لا تستقيم من دون احترام الدستور وسيادة القانون.
فقد ينجح السياسي في حشد أنصاره عبر إظهار استعداده لخوض المعارك، لكن الاختبار الحقيقي للقيادة لا يكمن في عدد الخصوم الذين يهزمهم، بل في قدرته على ممارسة السلطة من دون تقويض القواعد التي تمنحها شرعيتها.
aljazeera.net