خبر ⁄سياسي

من أشعل فتيل العنف سجال سياسي وأمني يعصف بفرنسا

نشر:آخر تحديث:
من أشعل فتيل العنف سجال سياسي وأمني يعصف بفرنسا

كشفت أحداث العنف والنهب وإحراق المباني العامة التي رافقت تحركات 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026 في فرنسا عن أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الإخفاقات الأمنية مع الغضب الاجتماعي والصراع السياسي حول تحديد المسؤولية.

وفي أعقاب الأحداث، اتجهت الحكومة وقوى من اليمين واليمين المتطرف إلى تحميل حزب فرنسا الأبية، بقيادة جان لوك ميلانشون، واليسار المتشدد عموما، مسؤولية تأجيج العنف.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

غير أن التغطيات الصحفية الفرنسية التي تناولت الأحداث قدمت مقاربات مختلفة، فتساءلت عن مدى استناد هذه الاتهامات إلى أدلة فعلية، وسلطت الضوء على أوجه القصور في استعدادات الدولة، وعلى تعدد الخلفيات الاجتماعية والسياسية للمشاركين والمتورطين في أعمال التخريب.

وعالجت صحف ليبراسيون ولوباريزيان وميديابارت ولوموند ولوفيغارو هذه الأحداث من زوايا مختلفة يمكن تلخيصها في النقاط الخمس التالية:

أولا، اتهام اليسار واستخدامه كبش فداء

يركز مقال سيلفان شازو في صحيفة ليبراسيون وتحقيق لموقع ميديا بارت على الجدل المتعلق بتوظيف أحداث العنف سياسيا وتحميل حزب فرنسا الأبية مسؤوليتها.

ويربط شازو الغضب الشعبي بتراكم إخفاقات السياسات الحكومية، وتراجع الثقة في المؤسسات، وضعف قنوات الوساطة السياسية، معتبرا أن التركيز على مسؤولية اليسار قد يصرف الانتباه عن الأسباب الأعمق للأزمة.

أما ميديا بارت، فيتناول المسألة من زاوية تحقيقية، مستندا إلى شهادات من داخل أجهزة الشرطة والاستخبارات، ومن مسؤولين محليين ونقابيين.

وينقل التحقيق تشكيك مصادر في مدى توافق اتهام فرنسا الأبية مع المعطيات الميدانية، كما يشير إلى شهادة مسؤول استخباراتي تحدث عن طلب صياغة استنتاج يحمل الحزب مسؤولية الحركة.

وفي المقابل، تنفي وزارة الداخلية إصدار تعليمات من هذا النوع، وبذلك، يظل احتمال توظيف الاتهامات سياسيا موضوعا للنقاش والتحقق، لا حقيقة محسومة بصورة نهائية.

ثانيا، الإخفاق الأمني وأزمة التقدير

وبدورها تتناول صحيفة لوموند الأحداث من منظور مؤسساتي، مركزة على قصور التقديرات الأمنية وعدم توفير الموارد الشرطية المناسبة لحجم التعبئة. وتشير تغطيتها إلى إقرار الحكومة بوجود خلل في الانتشار الأمني، وإلى اعتراف رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو بوقوع أخطاء في إدارة التحركات.

إعلان

وتثير هذه المعطيات تساؤلات بشأن قدرة أجهزة الدولة على توقع الاحتجاجات والاستعداد لاحتوائها، خصوصا مع امتداد أعمال العنف والنهب إلى مدن فرنسية متعددة، من بينها باريس وليون ومارسيليا وبوردو.

وبينما تركز لوموند على جوانب القصور في التخطيط والاستجابة، يربط ميديا بارت هذه الإخفاقات أيضا بالجدل حول كيفية استخدام التقديرات الاستخباراتية في بناء الرواية السياسية للأحداث.

وتوضح المقاربتان أن المساءلة لا ينبغي أن تقتصر على تحديد مرتكبي أعمال العنف، بل يجب أن تشمل كذلك تقييم أداء المؤسسات الأمنية ومدى دقة المعلومات التي استندت إليها السلطات في تفسير ما حدث.

ثالثا، هوية المتورطين والتمييز بين الاحتجاج والجريمة

تتجه تغطيتا لوباريزيان ولوفيغارو إلى متابعة الملفات القضائية الأولى، من خلال استعراض خلفيات الموقوفين وطبيعة الأفعال المنسوبة إليهم.

وتشير لوباريزيان إلى أن الموقوفين الذين مثلوا أمام القضاء في المرحلة الأولى لا يمثلون بالضرورة جميع الفئات المتورطة، وتنقل تقديرات أمنية في باريس تفيد بأن نحو 20% من الموقوفين ينتمون إلى اليسار المتشدد، مقابل 80% من انتهازيي الفرص الذين لا ينتمون بالضرورة إلى هوية سياسية معينة.

أما لوفيغارو، فركزت على تفاصيل الملاحقات القضائية والسوابق الجنائية والخصائص الاجتماعية للمشتبه فيهم، مع الإشارة إلى اختلاف التركيبة العمرية بين المحتجين الطلاب والموقوفين على خلفية التخريب.

أحد المحتجين يمسك بحجرٍ ليقذفه باتجاه الشرطة، بينما تشتعل النيران في كشكٍ خلال مظاهرة بالقرب من ساحة الجمهورية، بتاريخ 17 أكتوبر 2026 في باريس، فرنسا (غيتي إيميجز)

وتكشف هذه التغطيات عن ضرورة التمييز بين المشاركة في المظاهرات والمسؤولية المباشرة عن النهب والتخريب، وعدم افتراض أن جميع المشاركين ينتمون إلى تنظيم سياسي واحد أو يتحركون بدوافع متطابقة.

كما تبرز أهمية التعامل بحذر مع نتائج المحاكمات الأولية، لأنها لا تقدم بالضرورة صورة مكتملة عن جميع المتورطين أو عن دوافعهم.

رابعا، الغضب الاجتماعي وجذور الأزمة

تتجاوز أحداث 17 أكتوبر/تشرين الأول، وفق المقاربات المعروضة، مسألة تحديد الهوية السياسية للمشاركين، لتطرح أسئلة بشأن العوامل التي أدت إلى اتساع الغضب الشعبي.

وتبرز ليبراسيون خصوصا العلاقة بين الاحتجاجات وتراكم المظالم الاجتماعية والسياسية، مستحضرة محطات مثل حركة السترات الصفراء، والجدل حول إصلاح نظام التقاعد، وحل الجمعية الوطنية عام 2024، والخلافات التي أعقبت تشكيل الحكومة.

ويتقاطع هذا التحليل مع ما أورده ميديا بارت بشأن التحذيرات الاستخباراتية السابقة من احتمال عودة الاحتجاجات واتساعها. كما تساعد التغطيات القضائية على إظهار أن دوافع المشاركين والمتورطين ليست متجانسة، إذ قد تتداخل المطالب السياسية مع الغضب الاجتماعي والسلوك الإجرامي.

لكن تفسير العنف في سياقه الاجتماعي لا يعني تبريره، كما أن إدانة النهب والتخريب لا تكفي وحدها لتفسير أسباب الاحتجاج واتساعه، ويقتضي التحليل الفصل بين فهم جذور الغضب وتحديد المسؤولية الجنائية عن الأفعال المرتكبة.

خامسا، اختلاف المقاربات الإعلامية وحدود الاستنتاج

رغم اتفاق الصحف على خطورة الأحداث واتساعها، فإنها تختلف في تحديد مركز الأزمة، فليبراسيون تنتقد توظيف الاتهامات سياسيا وتربط الأحداث بتراكم إخفاقات السياسات العامة، بينما يختبر ميديا بارت مدى تطابق الرواية الرسمية مع الشهادات والمعطيات المتاحة.

إعلان

وتركز لوموند على قصور الاستعداد الأمني، في حين تمنح لوباريزيان ولوفيغارو اليمينيتان مساحة أكبر للملفات القضائية وهوية الموقوفين.

ويكشف هذا التباين عن ضرورة التمييز بين الوقائع المثبتة والاتهامات والتفسيرات، فالإخفاق الأمني لا يثبت وحده أن الحكومة تعمدت التضحية بخصم سياسي، كما أن ورود أسماء ناشطين أو مسؤولين في تقارير استخباراتية لا يثبت تورطهم في تنظيم أعمال النهب والتخريب.

كذلك، لا تسمح الخلفيات الاجتماعية أو السوابق الجنائية لبعض الموقوفين بتعميم الاستنتاجات على جميع المشاركين.

وتتمثل أهمية أحداث 17 أكتوبر/تشرين الأول في أنها كشفت عن صراع حول تعريف الأزمة الفرنسية نفسها: هل هي تهديد أمني تقف وراءه قوى سياسية محددة، أم إخفاق مؤسساتي في التوقع والاستجابة، أم تعبير عن غضب اجتماعي متراكم تتداخل فيه دوافع متعددة؟

وتشير المقارنة بين التغطيات إلى أن الإجابة لا يمكن أن تقوم على التعميم أو تحميل جهة واحدة المسؤولية قبل استكمال الأدلة، كما أن مفهوم "كبش الفداء" يمثل مدخلا تحليليا مفيدا، لكنه ينبغي أن يظل فرضية قابلة للاختبار، لا حكما مسبقا.

وانطلاقا مما سبق يمكن القول إن الأحداث فتحت نقاشا أوسع حول قدرة الدولة الفرنسية على استباق الأزمات، ومساءلة سياساتها، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات وقنوات التمثيل السياسي.

فالتحدي لا يقتصر على استعادة الأمن بعد اندلاع العنف، بل يشمل فهم أسبابه الاجتماعية والسياسية، والتمييز بين الاحتجاج المشروع والجريمة، وضمان ألا تتحول المسؤولية عن الأزمة إلى مجرد أداة لتصفية الحسابات السياسية.

aljazeera.net