إنما ينهض بالشرق مستبد عادل.. ماذا أراد محمد عبده حقا

يُعدّ الشيخ محمد عبده من أبرز المنظّرين للفكرة الدستورية في مصر والعالم الإسلامي في أواخر القرن التاسع عشر. فقد أسهم، إلى جانب أستاذه جمال الدين الأفغاني وتلامذته من بعده، في ترسيخ خطاب إصلاحي داخل الأزهر يدعو إلى تقييد السلطة بالشورى والقانون، وكان لهذا الخطاب أثرٌ في تطور الحركة الدستورية في عدد من البلدان الإسلامية. وتشير بعض الروايات إلى أنه فكّر، في أواخر عهد الخديوي إسماعيل، في إمكان تحويل مصر إلى نظام جمهوري، في وقت كان فيه النظام الجمهوري لا يزال نظاما نادرا حول العالم.
وفي السياق نفسه، ومع الانقسام الذي شهدته الحوزة العلمية الشيعية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بين تيار "المشروطة" الداعي إلى الدستور وتقييد السلطة، وتيار "المستبدة" المدافع عن الحكم المطلق، كان عبده والأفغاني قد مهّدا، في التجربة المصرية، لخطاب دستوري تجلّى في تأييد عزل إسماعيل وتولية توفيق الذي تعهّد بتطبيق نظام دستوري برلماني، قبل أن يتراجع عن ذلك بعد توليه الحكم.
قصص مقترحة
list of 2 itemsقاد ذلك إلى اندلاع الثورة العرابية التي انخرط فيها رفاق الأفغاني وتلامذته. ويقرّ عرابي في مذكراته بأن لكل ثورة منظّرا، ويجعل الأفغاني وعبده على رأس منظّري الثورة العرابية. وربما تأثر الميرزا محمد حسين النائيني، منظّر الثورة الدستورية في إيران، بالشيخ محمد عبده، كما يبدو في كتاب النائيني "تنبيه الأمة وتنزيه الملة"، لكن المؤكد يقينا أن حركة التنباك تأثرت بتدخل صريح من جمال الدين الأفغاني. فقد قامت ثورة التنباك، أو التبغ، بعد فتوى من المرجع الشيرازي بتحريم التبغ إثر حصول الشركة البريطانية على امتياز تجارة التبغ في إيران، وكان الأفغاني قد أرسل رسالة شديدة اللهجة إلى الميرزا الشيرازي في سامراء، وهو المرجع الشيعي الأهم في العالم حينئذ، حثّه فيها على إصدار فتواه بتحريم التنباك للحد من استغلال الأجانب، لا سيما البريطانيين، للموارد الإيرانية.
إعلانإذن، كان ثمة حراك دستوري في مصر وإيران وتركيا في تلك الفترة، وشارك الشيخان الأفغاني وعبده في هذا الحراك بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لذلك يبدو من غير المعقول أن يُتهم أحدهما أو كلاهما بالاستبداد أو دعم الاستبداد، فذلك الاتهام لا يكتفي بمنابذة تحرير الأقوال وتحقيق المسائل التاريخية وتجاهل الرجوع إلى المصادر الأصيلة، بل يبلغ مداه بتغيير الحقائق وتبديل الأقوال إلى ضدها.
يتّكئ هذا الاتهام على ما نُسب إلى الشيخ محمد عبده من تبنيه نظرية المستبد العادل. ولكي نفهم مقولة عبده عن المستبد العادل، يجب أن نضعها في سياقها الفكري والسياسي، لا أن نكتفي باستلال المقولة من ذلك السياق بما يجافي المنهج العلمي.
رسالة عبده الكبرى
لكل فيلسوف أو مفكر أهداف عليا ورسائل يبعثها من وراء بحثه ومن خلف مصنفاته وفكره، تعبّر عن مقاصد يودّ تحقيقها ويسعى لتمهيد سبلها وتعبيد طرقها. ويمكن اختصار رسالة عبده وأهدافه الكبرى في أمرين أساسيين، هما الإصلاح الديني والإصلاح السياسي. فالإصلاح الديني عنده يشمل إصلاح المؤسسات الدينية وإصلاح مناهج التعليم وإصلاح حال المعلمين، أي إصلاح الحوزة/المدرسة والأستاذ والمنهج. أما الإصلاح السياسي فهو عنده تقييد الحاكم وتعظيم الحق السياسي للأمة/العامة/الأهالي، فتشارك في صنع القرار السياسي وتأخذ على يد الحاكم وتراقب فعله.
ويقول عبده في مذكراته: "لقد ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد، والثاني: إصلاح أساليب اللغة العربية… وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعا في عمى عنه، وهو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب وما للشعب من حق العدالة على الحكومة. نعم، كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها… دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم وإن وجبت طاعته فهو من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه ولا يوقف طغيانه إلا نصح الأمة له بالقول وبالفعل. جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد".
ويبدو أن عبده رأى أن الإصلاح السياسي في أمة جاهلة وشعب أمّي تنتشر الخرافات بين أضلعه يكاد يكون مستحيلا، فارتأى أن الإصلاح الديني والاجتماعي ينبغي أن يسبق الإصلاح السياسي حتى يمكن تأسيس جماعات مدنية فاعلة من قلب المجتمع، من العامة والمثقفين كليهما، تدرك أهمية الإصلاح السياسي والدستوري فتقود المجتمع وتشارك في الإصلاح. وهذا ما ظن عبده أنه قد توفر وتهيأ سنة 1903، في مقال له قبل موته بسنتين، أقرّ فيه بأن المصريين تشوّفوا للعدل والمساواة، وتشوّقوا لجلب المنافع ودفع المضار، وأمكن أن توجد فيهم جماعة يقدرون على القيام بمهام المصالح، واستنتج من ذلك أنه لا مانع من وجود الشورى في بلادنا من جهة أهاليها، بل إن حالتهم الآن تقضي بلزوم وجودها.
تلك رسالة عبده الكبرى التي عاش لها، ومات مهموما بها، وقد مسّه الحزن بعدما تبين له صعوبة تحقيق أمانيه في دستورية عادلة وحكم رشيد، فقال في رسالة نادرة بعث بها إلى برودلي، يبوح فيها بهمومه، وبها نعرف فكره وندرك مقصده: "كنت أتأسف عندما أرى استبدادا في الحكام، وفقد نظام للإدارات واختلالا في سير كثير منها وخللا في المجالس المحلية، واندفاعا من الربويين على الفلاحين يأكلون أكبادهم.. كنت أنظر بعين الأسف على كثير من الصنائع التي كانت في البلاد ويتعيش منها قسم عظيم من الناس، أُهمل شأنها واندثرت، والورش التي أنشأها محمد علي باشا بأموال تخربت، وكنت أتمنى أن تحيي الصناعة.. كنت أحب أن تكون بلادي حرة مستقلة، وحاكمها تحت قانون محترم لا تحت تصرف هوى نفسه وأهواء حاشيته، وأن يكون قادرا على حفظ القانون ومحبا لرعيته".
ماذا يفعل المستبدّ بمزاج الأمّة؟
يلتفت عبده إلى أثر الاستبداد في الأخلاق العامة وسلوك الناس، فيرى أن المستبد يؤثر في سلوك الرعية كلها، ويغيّر مزاج الأمة فتصير أمة منحطة في ذيل الأمم، لأن العنف أعمل في عقلها وحرّف فطرتها. فالسبب الرئيسي لانحطاط المسلمين عموما، والأمة المصرية خصوصا، هو المستبدّ والاستبداد. ويروي عبده في مذكراته أنه شاهد بنفسه غضب الفلاحين المصريين من إبطال الكرباج في تحصيل الأموال الأميرية في وزارة رياض باشا، فيقول: "فعجب كثير من الناس لذلك، وقالوا: كيف يمكن أن يحصل مال من الفلاح بدون ضرب… ومن آثار تعود الظلم ورؤيته ملازما للسلطة بمصر أن الذين حفظت أبدانهم من الضرب والجلد كانوا يعدون تلك الأوامر مخالفة لما يجب أن يعَاملوا به".
إعلانوفي مقالته "رثاثة الصقليين ووساختهم"، يربط عبده بين الاستبداد والوسخ، فإلف الشعوب للوسخ وتغافلها عن أن الوساخة مما لا يليق إنما سببه الاستبداد، إذ يقول: "والذي يخطر ببالي من أسباب ذلك -يقصد إلف الوسخ-، إذا أخذنا بالجد، أن هذا شأن العامة من الأمم التي طال فيها زمن الاستبداد، وتصرف الإرادة الواحدة في جميع الإرادات، مع ما يطرأ على تلك الإرادة الواحدة من الاختلال وفساد المزاج، فتأمر بالشيء اليوم لأنه من هواها، وتنهى عنه غدا لأنه لم يبق من مشتاها، وأمرها واجب الطاعة، وفي مخالفته إضاعة أي إضاعة".
أما في كتابه "الإسلام بين العلم والمدنية"، فيُلقي عبده الوزر الأكبر على السلطة السياسية التي كان بيدها أن تحل مشكلة المجتمع لكنها آثرت إفساد الناس وتجهيلهم، فيقول: "أما الحكام وقد كانوا أقدر الناس على انتشال الأمة مما سقطت فيه، فأصابهم من الجهل بما فرض عليهم في أداء وظائفهم ما أصاب الجمهور الأعظم من العامة، ولم يفهموا من معنى الحكم إلا تسخير الأبدان لأهوائهم، وإذلال النفوس لخشونة سلطانهم، وابتزاز الأموال لإنفاقها في إرضاء شهواتهم، لا يرعون في ذلك عدلا، ولا يستشيرون كتابا ولا يتبعون سنة، حتى أفسدوا أخلاق الكافة بما حملوها على النفاق والكذب والغش والاقتداء بهم في الظلم وما يتبع ذلك من الخصال التي ما فشت في أمة إلا حل بها العذاب".
إلزامية الشورى
يجعل عبده الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات لا من المندوبات، واستدل على ذلك بقوله تعالى {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104]. ويُدخل الأمراء والحكّام فيمن يجب على تلك الطائفة إرشادهم، لتضافر الأحاديث الصحيحة على وجوب نصيحة الأمراء، ونقل عن المفسرين قولهم: "من أقبح ما يوصف به الرجال، ملوكا كانوا أم سوقة، الاستبداد بالرأي وترك المشاورة".
وبعد أن استدل عبده على الشورى، قرر أنها واجبة، ورد على القائلين بأنها مندوبة، وهي مسألة خلافية مشهورة بين الفقهاء، فقال: "فتألف من مجموع هذا أن الشورى واجبة، وأن طريقها مناط بما يكون أقرب إلى غايات الصواب، وأدنى إلى مظان المنافع ومجالبها. على أنها إن كانت في أصل الشرع مندوبة، فقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان تجعلها عند مسيس الحاجة إليها واجبة وجوبا شرعيا".
وهنا لمحة مهمة من فقه عبده، إذ نجده يستعمل القواعد الأصولية والمقاصدية في الفقه السياسي، فإذا كانت الأحكام تتبدل بتغير الزمان لاختلاف العوائد والأعراف أو لطروء ضروريات أو مصلحة، فإن الحكم باستحباب الشورى يتغير إلى الفرضية والوجوب، لأن الحاكم ما عاد مجتهدا أو مؤهلا للاجتهاد كما هو الشرط القديم فيه عند فقهاء الإيالة والتدبير، وما عادت الدولة الحديثة منحصرة في شؤون محدودة يمكن إدارتها بعلوم الفقه وحدها، بل ثمة تشابك وتوسع فيها أحوجها إلى خبراء في ميادين متعددة ومجالات شتى. ومن ثم فإن الشورى واجبة ونافذة على الإمام والمأموم، الحاكم والمحكوم، لأنها عندئذ تعبّر عن رأي الخبراء بعلومهم والعارفين بفنونهم.
ثمة شبهة أخرى يدركها عبده جيدا ويخشاها، فيسارع إلى درء شبهة التأثر بالأجانب (التغريب والعلمنة) في مسألة الشورى والانتخاب، فيقول: "ومن هنا تعلم أن نزوع بعض الناس إلى طلب الشورى ونفورهم من الاستبداد ليس واردا عليهم من طريق التقليد للأجانب، ولا آتيا لهم من ذم بعض الجرائد فيها هكذا جزافا ورجما بالغيب..، بل ذلك نزوع إلى ما هو واجب بالشرع ونفور عما منعه الدين وقبّحه العلماء".
إعلانثم نظّر للدولة الدستورية من قلب النصوص والتراث، فذهب إلى أنه لا طريقة معروفة للشورى على المسلمين، فهي واجب شرعي وكيفية إجرائها غير محصورة في طريق معين، فاختيار الطريق المعين باقٍ على الأصل من الإباحة والجواز، كما هي القاعدة في كل ما لم يرد نص بنفيه أو إثباته.
واستدل عبده بحديث ابن عباس في البخاري "كان النبيّ عليه الصلاة والسلام يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، فسدل النبي ناصيته ثم فرق بعد"، على استحباب موافقة الأمم الأخرى في كيفية الشورى ومناصحة أولياء الأمر، "تلك الأمم التي أخذت الواجب نقلا عنا، وأنشأت له نظاما مخصوصا، متى رأينا في الموافقة نفعا، ووجدنا منها فائدة تعود على الأمة والدين، وإلا اخترنا من الكيفيات والهيئات ما يلائم مصالحنا ويطابق منافعنا، ويثبت بيننا قواعد العدل وأركانه". بل وجب علينا، في نظر عبده، إذا رأينا شكلا من الأشكال مجلبة للعدل أن نتخذه ولا نعدل عنه إلى غيره، ثم ساق كلام ابن القيم للتدليل على كلامه.
وختم عبده مرافعته عن إلزامية الشورى بدليل عقلي يثبت وجوب الشورى والمشاورة، ويؤصّل للحياة النيابية وأهمية رأي الأكثرية، فيقول: "مع العلم بأن رأي الواحد ليس مثل رأي الكل، إذ الأول مظنة الخطأ ولا يحتمل الثاني خطأ، إلا احتمالا يفرضه العقل، وتكذبه العادة والاختبار. ومن ثم قال سيدنا عمر بن الخطاب: (الرأي الواحد كالخيط السحيل -وهو الحبل على قوة واحدة- والرأيان كالخيطين، والثلاثة الآراء كالثلاثة لا تنقطع). وقال صلى الله عليه وسلم: (ما تشاور قوم إلا هدوا لأرشد أمرهم)".
عبده وإلهية الحكم.. السيادة لمن؟
يذكر عبده في مذكراته أن شيخه الأفغاني بث فيهم المقولات السياسية والدستورية، وبيّن لهم وللناس أنواع الحكومات الاستبدادية والدستورية، فتشوّف الناس إلى حكومة دستورية مقيدة تأخذ على يد الحكّام وتحول دون ولايتهم المطلقة، بعدما كان الناس يعتقدون الطاعة المطلقة للحاكم كأنه معصوم لا يجري الخطأ عليه.
ويبدو أن مسألة الطاعة شغلت عقل عبده بسبب ما روّجه الحكام حينئذ في مصر وتركيا وإيران وعموم العالم الإسلامي عن وجوب