خبر ⁄سياسي

الثورة والانتقال: تحديات البناء الديمقراطي.. ذكرى 21 أكتوبر 1964م

نشر:آخر تحديث:

الثورة والانتقال: تحديات البناء الديمقراطي

ذكرى 21 أكتوبر 1964م

د. عبد الناصر علي الفكي

شهد العالم الثالث منذ منتصف القرن العشرين موجة تلو الأخرى من الثورات والانتفاضات الشعبية التي انطلقت من وعي متنامٍ بأن التغيير ارادة شعبية، ومن رفض جماهيري لأنظمة تسلطية استمرت عقوداً في احتكار السلطة والثروة. غير أن السمة الغالبة على هذه الثورات التعقيد الشديد لمرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الديكاتورية ، حيث يتحول وعد الحرية إلى اختبار واقعي للقوى المدنية والسياسية، و يبرز السؤال : كيف يمكن تحويل الانفجار الثوري إلى مسار مؤسسي مستقر نحو الديمقراطية؟ إن التحدي الاساس في التحولات المدنية الديمقراطية يكمن في أن الأنظمة المخلوعة لا تستسلم تذهب دفعة واحدة، فالقوة الاقتصادية والاجتماعية للجماعات المرتبطة بالنظام السابق تحاول أن تمتد من الماضي المتسلط إلى المستقبل الثوري، مستخدمةً شبكاتها المالية وامتيازاتها الاقتصادية ونفوذها في أجهزة الدولة العميقة. وفي ظل حالة الفراغ الدستوري وفروقات الانتقال بين ثورية الشارع وعمل المؤسسات الدولة، وبين مطالب الثورة وضغوط الواقع، غالباً ما وجدت هذه الجماعات في الجيش والشرطة وأجهزة الدولة أداةً لإجهاض التغيير أو إفراغه من مضمونه بشكل حربائي زاحف . بل له امتدت إلى الإدارات الأهلية والهياكل التقليدية والصوفية التي شكّلت في كثير من الحالات شبكات ولاء موازية يمكن توظيفها لعرقلة التحول أو تعطيل لصالح القديم. وفي المقابل، كانت الأحزاب والقوى المدنية، الفاعل في المجال العام، تعاني من حالة إرهاق وضعف بنيوي نتاج لسنوات طويلة من القمع والملاحقة والمصادرة الأمني والاستخباري، وغياب التقاليد التنظيمية الديمقراطية الداخلية. فإذا كان النظام السابق قد أضعف هذه القوى عمداً، فإن مراحل الانتقال تكشف موازنة القوة والضعف في مواجهة تحديات التنظيم والتفاوض وبناء التحالفات. وهنا يتضح أن نجاح التحول الديمقراطي لا يتوقف باسقاط النظام فقط، بل وإنما على قدرة القوى المدنية على تجاوز مشكلات الخاص ، وتوحيد صفوفها حول برنامج تفصيلي للفترة الانتقالية لا يقبل الشك والخلاف فيما بعد، وتحديد أدوار الفاعلين كافةً من الحركات الاجتماعية والنقابات ولجان المقاومة إلى الأحزاب وجماعات الضغط، بحيث لا تتحول هذه الكيانات إلى أوراق ضغط في يد السياسيين، بل إلى مؤسسات فاعلة في مسار واضح ومسؤول أمام الرأي العام والقانون الرسمي والشعبي . ومع التأكيد على أن التغيير الثوري، لكي يكون حقيقياً ومستداماً، لا بد أن يشمل رؤية شاملة تستجيب لمتطلبات المجتمعات الريفية والبدوية والحضرية على اختلافها، و الفئات والبنى المتعددة المهنية والمطلبية، فلا تُختزل الثورة في مطالب النخب الحضرية أو القطاعات المنظمة السياسية وحدها، بل تعبر عن تطلعات كل مكونات المجتمع دون إقصاء أو تهميش. إن الشواهد التاريخية، من ثورة أكتوبر ١٩٦٤ إلى انتفاضة مارس-أبريل ١٩٨٥ إلى ثورة ديسمبر ٢٠١٩، رغم تباعدها الزمني، تشكل سلسلة متصلة من حيث الدروس والعبر، وتؤكد أن الشعب ظل تواقاً للحرية والمدنية رغم آلات القمع والتجسس، وأن التراكم النضالي هو حافز للتغيير السلمي الجماهيري وليس ذاكرة ظرفية.
تبرز لذلك ضرورة تجاوز الاختلافات حول النضال المشترك بوحدة القوى المدنية والسياسية وبرنامج حد أدنى للفترة الانتقالية، لكن ليس برنامجاً عاماً بل تفصيلياً يشمل الاقتصاد والعلاقات الخارجية والعدالة الانتقالية ونظام الإدارة والحكم، بما يسد الصراعات السياسية المتوقعة بين الكتل والتحالفات وتطابق رؤيتها الفلسفة السياسية والإيديولوجيا والواقع . كما تستدعي حالة الفوضى المفاهيمية المتكررة حول الفاعلين في الدولة والمجتمع واجباً ثورياً ذا طابع أكاديمي بحثي لتحديد أدوار ووظائف كل كيان بالتحديد ، حتى لا تصبح الكيانات حدائق خلفية يستغلها السياسيون كأوراق ضغط تخلخل مسار التحول الديمقراطي، مع الإقرار بحق الأحزاب والمؤسسات في تحالفات سياسية تحقق أهدافها، لكن في إطار ادوار المشاركة السياسية في الجهازين التنفيذي والتشريعي، تجارب جبهة الهيئات والتجمع النقابي وتجمع المهنيين استفادة كنماذج عملية لكيفية إدارة هذه الأدوار دون تفريغ العملية السياسية من مضمونها. وبهذا المعنى، فإن دراسة الثورات في العالم الثالث ليست سرداً لانتصارات اللحظة الثورية، بل تحليلاً لمعضلة الانتقال: كيف تتحول الذاكرة النضالية المتصلة إلى برنامج عمل ملزم، وكيف تُقيَّد قوى الماضي من التمدد إلى المستقبل، وكيف تُبنى مؤسسات ديمقراطية قادرة على حماية التغيير من الانقلاب.

* أستاذ جامعي

altaghyeer.info