خبر ⁄سياسي

منتدى الأمن العالمي.. هل ينجح العالم في تفكيك شبكات احتجاز الرهائن

نشر:آخر تحديث:
منتدى الأمن العالمي.. هل ينجح العالم في تفكيك شبكات احتجاز الرهائن

الدوحة- تتواصل في العاصمة القطرية الدوحة أعمال "منتدى الأمن العالمي "، الذي تستمر فعالياته حتى 21 من الشهر الجاري، وذلك في توقيت إقليمي ودولي بالغ الحساسية، تتقاطع فيه النزاعات المسلحة المشتعلة مع تصدعات جيوسياسية عابرة للقارات؛ مما يفرض على صناع القرار والخبراء الأمنيين الانتقال من مقاربات إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى تفعيل خطوات استباقية صارمة تمنع وقوع الكوارث الإنسانية والأمنية من جذورها.

وتكتسب نقاشات المنتدى زخما استثنائيا في ظل تصاعد غير مسبوق في طبيعة التهديدات، تقنية بالغة التعقيد، من بينها خوارزميات الذكاء الاصطناعي والتزييف العميق وتطبيقات التشفير المالي، مما ضاعف خطورةمع جنوح شبكات الجريمة والتنظيمات المسلحة نحو توظيف أدوات ظاهرة احتجاز الرهائن ونقلها من مجرد حوادث أمنية معزولة إلى منظومة ابتزاز بنيوية متكاملة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

ويطرح هذا التحول النوعي في ديناميات التهديد أسئلة جوهرية باتت تشكل محور اهتمام الأوساط الأمنية والدبلوماسية، من قبيل: كيف يمكن للمجتمع الدولي والحكومات تفكيك الأنظمة التي تغذي ظاهرة احتجاز الرهائن وتمنحها استدامة مالية وسياسية؟ وأين تلتقي مصالح التنظيمات المتطرفة بشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود؟ وهل تملك المنظومة الدولية بآلياتها الراهنة المرونة الكافية لمجاراة السرعة الفائقة والوسائل المستحدثة التي تتحرك بها عصابات الخطف؟

تستمر فعاليات منتدى الأمن العالمي 2026 بالدوحة حتى 21 من الشهر الجاري (الجزيرة)

تقاطع الجريمة والإرهاب

انطلقت النقاشات المخصصة لبحث ملف الرهائن بمشاركة نوعية جمعت خبرات ميدانية وأمنية وحقوقية رفيعة؛ ضمت وزير الإدارة المحلية والطوارئ وإدارة الكوارث في الحكومة السورية رائد الصالح، والمدير العام السابق لجهاز الاستخبارات الوطنية في نيجيريا أحمد رفاعي أبو بكر، ورئيس فرع منع الإرهاب بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة روبرتو أربيتريو، وديونيسيوس إلفان نائب رئيس قسم التعاون الدولي بالوكالة الوطنية لمكافحة الإرهاب في إندونيسيا، ورئيس وحدة مفاوضات الأزمات باللجنة الدولية للصليب الأحمر حكيم ركراكي.

إعلان

وتتأسس ظاهرة احتجاز الرهائن في جوهرها على بيئات هشة تغيب فيها سلطة القانون وتتلاشى مؤسسات الدولة، فتتحول الجغرافيا الرخوة إلى مساحات خصبة لتوليد اقتصاد موازٍ يعتمد على الاتجار بالأرواح والابتزاز.

وفي تشريح هذه البيئة الحاضنة، تتداخل الأبعاد الميدانية بين أكثر من ساحة دولية:

الميدان السوري وخصوصية توظيف أجهزة الدولة:

  • إذ يرى رائد الصالح أن احتجاز الرهائن يزدهر بصورة طردية كلما غابت سلطة الدولة الحقيقية والضوابط القانونية الحامية للمجتمعات، وهي المأساة التي انحدرت إليها سوريا بحدة منذ عام 2012 عقب انهيار منظومة الأمان وفقدان السيطرة وانتشار الفوضى.
  • ويشير الوزير السوري إلى خصوصية شديدة التعقيد والتدمير عاشتها سوريا، تمثلت في تحول أجهزة النظام السوري السابقة والمليشيات المرتبطة بها إلى ممارس مباشر لعمليات الخطف والاحتجاز القسري الممنهج عبر الحواجز العسكرية؛ حيث تكشفت لاحقا مقابر جماعية بمحاذاة نقاط التفتيش تلك، في سياق ملف مأساوي يضم ما يزيد على 135 ألف معتقل ومفقود لا يزال مصيرهم مجهولا.
  • وينبه الصالح إلى أن دوافع الخطف لم تقف عند حد ابتزاز الفدية المالية السريعة، بل امتدت لتكون غطاء للتصفيات الجسدية ودوافع طائفية وسياسية، وطالت حتى العاملين في المجال الإغاثي والإنساني وفرق نزع الألغام التابعة للأمم المتحدة.
  • ويحذر في هذا السياق من قفزة خطيرة بات يمارسها الخاطفون مؤخرا عبر تسخير أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع فيديو وصور مزيفة ومفبركة للضحايا بغرض ترهيب ذويهم وابتزازهم ماليا، مؤكدا أن الخطوة الأولى لأي حل ميداني تكمن في الفهم الدقيق لدوافع الجهة الخاطفة وتفكيك بنيتها؛ سواء كانت تنظيما متطرفا مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو مليشيات مسلحة، أو عصابات جريمة جنائية.

التحالف التكتيكي في الساحل الأفريقي:

  • ويرصد أحمد رفاعي أبو بكر المشهد النيجيري ومنطقة الساحل بوصفهما ساحة لتحالف براغماتي بالغ الخطورة؛ حيث تتلاقى أهداف الجماعات الإرهابية (مثل بوكو حرام وتنظيم الدولة في غرب أفريقيا) مع عصابات قطاع الطرق المسلحة وجماعات الجريمة المنظمة.
  • وهذا التنسيق التكتيكي سمح بتنفيذ عمليات خطف جماعي نوعية، كما تجسد في واقعة الهجوم على قطار "كادونا " واختطاف قرابة 100 راكب، وتحصيل فدى مالية تراوحت بين مليون ومليوني دولار صُبّت لاحقا في تغذية أذرع التطرف بمنطقة الساحل.
  • ويشير المدير العام السابق لجهاز الاستخبارات في نيجيريا إلى تحول عمليات الخطف في نيجيريا من جمع الأموال وتجنيد المقاتلين إلى ورقة لمبادلة السجناء عبر استهداف المدارس ودور العبادة لفرض صفقات إفراج عن قادة المسلحين، معتمدين على شبكات مخبرين محليين ومنظومات دفع مالي معقدة تجمع بين شركات الصرافة الموازية والعملات المشفرة ونقاط البيع الإلكترونية لغسل العائدات وتدويرها.

مثلث احتجاز الرهائن دوليا:

  • وينطلق روبرتو أربيتريو من قراءة أممية ترصد الاندماج العضوي بين شبكات الإرهاب وعصابات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، محددا 3 أهداف إستراتيجية لاحتجاز الرهائن على المستوى الدولي:
إعلان
  1. تحقيق سيولة نقدية مباشرة لتمويل التسليح والعمليات.
  2. انتزاع أوراق ضغط سياسية وإحراج الحكومات أمام الرأي العام الداخلي.
  3. ضرب المفاصل الاقتصادية للدول عبر استهداف المنشآت الحيوية والسياح والمستثمرين الأجانب لتقويض الاستقرار الاقتصادي العام.
منتدى الأمن العالمي 2026 ناقش تحديات أنظمة الردع المتطورة في مواجهة أسلحة رخيصة الثمن (الجزيرة)

معضلة الفدية وإنقاذ الأرواح

تضع قضايا الرهائن الحكومات والمفاوضين أمام معضلة أخلاقية وقانونية معقدة؛ فبينما يفرض الواجب الإنساني والدستوري إنقاذ حياة المحتجزين، يؤدي الاستسلام لمطالب الخاطفين إلى ضخ ملايين الدولارات في شرايين الشبكات المسلحة ومنحها اعترافا ضمنيا يُكرس استمرار الظاهرة.

وفي مقاربة هذه الإشكالية، تبرز رؤى متباينة تجمع بين صرامة القانون والواقع الميداني القاسي:

صرامة المرجعيات الدولية ونزع الصبغة السياسية:

  • يستند رئيس فرع منع الإرهاب بمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إلى قرارات الشرعية الدولية، لا سيما الاتفاقية الدولية لمناهضة أخذ الرهائن لعام 1979، وقرار مجلس الأمن رقم 2133 لعام 2014، الذي يفرض حظرا قاطعا على دفع الفدية أو تقديم تنازلات سياسية للجماعات الإرهابية.
  • ويشدد أربيتريو على أن تفكيك هذا النمط يقتضي حرمان الخاطفين من أي اعتراف سياسي، ومعاملة احتجاز الرهائن كجريمة جنائية بحتة تستوجب العقاب الرادع، مستحضرا التجارب الدولية الناجحة في تجريد الحركات المسلحة من أوراق الابتزاز السياسي مثل تجربة كولومبيا في مواجهة حركة "فارك " وتجربة مملكة بوتان.

التجربة النيجيرية بين القانون وضغط العاطفة:

  • يعكس أبو بكر التناقض الصارم بين النظرية والتطبيق؛ فالقانون النيجيري يُجرم بوضوح دفع الفدية، غير أن الواقع الإنساني يدفع العائلات المكلومة في كثير من الأحيان إلى دفع أموال طائلة لإنقاذ أبنائها من قسوة الأسر والأمراض في الغابات والأحراش.
  • ويحذر المسؤول الأمني السابق من مخاطر "دبلوماسية الرهائن الخلفية " وعمليات التفاوض غير المنضبطة، لافتا إلى واقعة اختراق أمني خطيرة حين تبين تورط أحد الوسطاء المفاوضين مع العصابات واقتطاعه حصصا شخصية من أموال الفدية.
  • كما يستشهد أبو بكر بالمأساة طويلة الأمد لفتيات "شيبوك " اللاتي اختُطفن عام 2014، مبينا الأثر النفسي والاجتماعي المدمر للأسر؛ حيث أظهرت حالة إحدى الفتيات المحررات بعد عقد كامل رغبتها الأولى في العودة لبيئة المسلحين في الغابة بعدما تطبعت بتلك الحياة وتزوجت 3 مقاتلين على التوالي، مما يبرز التعقيد السلوكي الذي تخلفه فترات الاحتجاز الطويلة.

التجربة الإندونيسية:

  • ويطرح ديونيسيوس إلفان النموذج الإندونيسي القائم على الرفض التام والمطلق لدفع أي مبالغ مالية كفدية؛ مستعرضا تجربة بلاده بين عامي 2016 و2020 إبان تعرض أكثر من 40 بحارا إندونيسيا للاختطاف في بحار سولو وسيليبس وقبالة سواحل ولاية صباح الماليزية على يد مسلحي جماعة "أبو سياف ".
  • واعتمدت جاكرتا على كسر الحافز الاقتصادي للخاطفين عبر رفض الابتزاز المالي، واعتماد العمليات المشتركة بديلا وحيدا لاستعادة المحتجزين.

التحذير من فخ العقوبات:

  • ويدعو حكيم ركراكي إلى إدراك البعد الإنساني العميق لعائلات الضحايا التي تعيش مستويات عالية من الفجيعة والقلق بصرف النظر عن جنسية الضحية أو دوافع الخاطفين.
  • ويطلق رئيس وحدة مفاوضات الأزمات باللجنة الدولية للصليب الأحمر تحذيرا جوهريا من مغبة فرض عقوبات اقتصادية واسعة النطاق من دون وضع استثناءات إنسانية واضحة وقابلة للتنفيذ؛ إذ تؤدي العقوبات الصامتة إلى شل قدرة المنظمات الإغاثية وتعميق الفقر المدقع في المجتمعات الهشة، وهو ما يدفع بعض الفئات المحلية المهمشة إلى الانزلاق نحو شبكات الخطف طلبا لموارد البقاء.

حلول مجتمعية وشبكات التعاون

يجمع الخبراء الذين تحدثوا في المنتدى على أن الحلول العسكرية المنفردة أو التدخلات الأمنية المعزولة تظل عاجزة عن تفكيك ظاهرة الرهائن ما لم تتكامل مع حواضن مجتمعية يقظة وشبكات تعاون استخباري عابرة للحدود تردم الهوة بين جمع المعلومات والقدرة على التنفيذ.

إعلان

وتبرز في هذا المسار محاور تطبيقية عدة:

  • سلاح الضغط المجتمعي وفضح ممارسات الدول:

يضع وزير الإدارة المحلية والطوارئ وإدارة الكوارث السوري المراهنة على الحواضن الشعبية والمجتمعات المحلية في صدارة الأدوات الأكثر نجاعة لتفكيك حلقات الخطف؛ مسترجعا تجارب ميدانية تعود لعامي 2014 و2015 تدخل فيها العمل الأهلي ووجهاء المنطقة، ونجح في تحرير الرهائن.

لكن الصالح يُبرز في المقابل مفارقة موجعة بين احتجاز العصابات واحتجاز الدول؛ ففي حين تتيح المنظومة الاجتماعية التأثير على الجماعات المسلحة وعزلها، تتحول الجريمة إلى جدار مسدود عندما تتورط أجهزة النظام الرسمية في الخطف والإخفاء القسري، حيث يضطر أهالي المعتقلين والمغيبين إلى دفع مدخراتهم لشبكات سماسرة مقربة من أجهزة الأمن لمجرد معرفة مصير ذويهم وما إذا كانوا أحياء داخل المعتقلات.

  • تأمين الممرات البحرية:

ويركز ديونيسيوس إلفان على أن الطبيعة الجغرافية الوعرة والممرات المائية المفتوحة توفر ملاذات سريعة للخاطفين، مما دفع إندونيسيا إلى صياغة إستراتيجية أمنية ثلاثية مشتركة مع ماليزيا والفلبين، تضمنت تسيير دوريات بحرية وجوية منسقة تُنفذ 4 مرات سنويا وتخضع للمراجعة الدورية، فضلا عن تعزيز منظومة التبادل الاستخباري وتفعيل أطر العمل ضمن منظومة دول جنوب شرق آسيا (آسيان).

  • المجتمع والتنسيق العابر للحدود:

ويؤكد أحمد رفاعي أبو بكر على تبني مقاربة "المجتمع ككل" لمجابهة الاختراقات الميدانية وسد ثغرات المخبرين المحليين، مستشهدا بنجاح العملية الاستخبارية الخاطفة التي قادت إلى تحرير رهينة أمريكي اختُطف في النيجر ونُقل إلى مناطق وعرة داخل الأراضي النيجيرية؛ حيث تتبعت الأجهزة عشرات شرائح الاتصال والأهداف الجغرافية في سباق مع الزمن، ومُنحت القوات الخاصة الأمريكية التصاريح العملياتية اللازمة لتنفيذ إنزال جوي خاطف أسفر عن تصفية الخاطفين وإنقاذ الرهينة دون خسائر.

ناقش منتدى الأمن العالمي 2026 آليات المؤسسات الأممية لمنع الجريمة المنظمة واختطاف الرهائن (المركز الإعلامي للمنتدى)

آليات المنظومة الدولية

وتتكشف الفجوة الكبرى في إدارة ملفات الرهائن في ذلك التباين الصادم بين الإيقاع العملياتي السريع للشبكات الإجرامية والآليات البيروقراطية للمؤسسات الرسمية والدولية.

وأمام هذه المعضلة، يوجه رائد الصالح نقدا للمسارات الإجرائية الدولية، معتبرا أن عصابات الخطف تتمتع بمرونة حركية عالية وتتخذ قراراتها الميدانية في غضون دقائق، بينما تصطدم الدول والمنظمات الأممية بسلاسل طويلة من البيروقراطية وتأخر تبادل المعلومات الحيوية، وهو تباطؤ قاتل يكلف في أحيان كثيرة أرواح الرهائن أو يُفوت فرصة نجاتهم.

وتوافقت خلاصات الجلسة ورسائل المتحدثين على حزمة أولويات حاسمة لمواجهة هذه الظاهرة:

  1. بناء شبكات ثقة وتنسيق مؤسسي بين الهيئات الإنسانية والأمنية قبل اندلاع الأزمات الميدانية.
  2. ترسيخ العمل الاستباقي والشراكات الإقليمية متعددة الأطراف لحماية الحدود الرخوة.
  3. الصرامة التامة في تجفيف منابع التمويل ونزع أي غطاء سياسي عن جرائم الخطف.
  4. تأمين الدعم النفسي والاجتماعي المستدام للمحررين وعائلاتهم وسد الفجوة بين المعلومة والتنفيذ الميداني.
  5. التخلص من القيود البيروقراطية الدولية وتفعيل تدفق المعلومات الاستخبارية السريعة لتحقيق استجابة ميدانية فورية تنقذ الأرواح.

aljazeera.net