خبر ⁄سياسي

جوع الشعب.. فشل السلطة

نشر:آخر تحديث:

جوع الشعب.. فشل السلطة

أحمد عثمان جبريل

❝حين ينجو الإنسان من رصاص الحرب، ثم يعجز عن شراء رغيفه، يصبح الجوع وجهاً آخر للموت، ويصبح عجز السلطة سؤالاً لا تؤجله البيانات❞

تقول الحكاية: في أواخر القرن التاسع عشر، ضربت السودان مجاعةٌ ارتبطت بالجفاف والجراد والحرب واضطراب التجارة.. وتذكر دراسة تاريخية أن جائعين في شرق البلاد قصدوا سواكن بحثاً عن الطعام.. لم تكن الحكاية نقص حبوبٍ فحسب، بل مجتمعاً تتضافر عليه الكوارث حتى تصبح اللقمة رحلة نجاة..

تغيّر الزمن، وبقي السؤال: (ماذا يحدث حين تتعطل أسباب الرزق ويغدو الطعام أبعد من القدرة؟).. قد ينجو سوداني من مسيرة أو دانة، ثم يجد معركةً أخرى في السوق؛ لا جنديٌّ على بابه، لكن الأسعار تحاصره والبطالة تسلبه رزقه والجنيه يفقد قيمته.

(1)

جوع الشعب.. فشل السلطة. هذا العنوان ليس خصومةً سياسية بقدر ما هو سؤالٌ عن معنى الدولة حين يحتاجها الناس.. فالمواطن الذي يفقد أمنه وعمله ومدخراته، ثم يعجز عن إطعام أطفاله، لا يحتاج إلى بيان يشرح له الأزمة بقدر حاجته إلى ما يخففها.. ويعلم الجميع أن مسؤولية السلطة تُقاس بما تفعله لحماية الحياة، خصوصاً حين تتراجع قدرة الأسر على تأمين الضروريات..

الحرب تدمّر وتشرّد وتعطّل الإنتاج، لكنها لا تلغي واجب السلطة في الاستجابة، ولا تعفي أطراف القتال من حماية المدنيين وتيسير الغذاء.

(2)

الدولار أصبح حكايةً قائمة بذاتها. واليوم بلغ سعره في السوق الموازية نحو عشرة آلاف جنيه سوداني، بحسب رويترز، فيما ظل السعر الرسمي في المناطق الخاضعة للجيش عند نحو 4,200 جنيه للدولار..

هذه الأرقام تعبر إلى كلفة السلع، ثم تصل إلى الأسرة التي تعيد حساب مشترياتها وتستغني عن احتياجات كانت بالأمس ضرورية.. ليس الدولار وحده سبب الغلاء؛ فالحرب وتعطل الإنتاج والنقل عوامل متداخلة.. لكن المواطن لا يأكل تفسيراً اقتصادياً، ولا يسدد ثمن الخبز ببيان عن تعقيدات السوق؛ إنه يريد إطعام أبنائه اليوم.

(3)

والمفارقة أن الجوع لا يسكن الجبهات وحدها. قد تعيش أسرةٌ في منطقة أكثر أمناً نسبياً، لا تسمع إطلاق النار كل يوم، لكنها تسمع في السوق دويّ الأسعار.. لا دانةٌ تهدم سقفها، لكن انهيار القدرة الشرائية يضيّق حياتها؛ ولا جنود في شارعها، لكن البطالة أغلقت أبواب العمل، وصار الدخل القليل عاجزاً عن ملاحقة الأسعار..

هكذا تمتد الحرب إلى ما وراء خطوط القتال.. حين تتوقف الأعمال وتتراجع الدخول، لا تضمن المسافة من الجبهة النجاة من آثارها.. قد ينجو الإنسان من المسيرة، لكنه لا ينجو تلقائياً من الجوع..

وتشير تقديرات أممية نُشرت في مايو 2026 إلى أن نحو 19.5 مليون شخص في السودان يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.. وراء هذا الرقم بيوتٌ وأطفالٌ وأمهات، لا مجرد إحصاء في تقرير.

(4)

الجوع لا يسرق الطعام وحده؛ إنه يسرق من المجتمع توازنه.. حين يستدين الأب ليطعم أبناءه، وتؤجل الأم علاجها، ويصل الطفل إلى المدرسة منهكاً أو ينقطع عنها، تتجاوز الخسارة حدود الجسد إلى مستقبل الأسرة.. وحين تتكرر المعاناة في آلاف البيوت، تتراجع قدرة الناس على التكافل؛ فربما يكون الجار الذي يمد يده للمساعدة على حافة الحاجة هو الآخر..

الجوع يرهق الصحة ويضعف التعلم ويزيد اعتماد الأسر على المساعدات. وقد يفرض خياراتٍ موجعة: طعام أم دواء؟ إيجارٌ أم وجبة؟ إنها شقوق في بنية المجتمع لا تُرممها نهاية المعارك وحدها.

(5)

هنا تبدأ مسؤولية السلطة العملية: أن تجعل الغذاء ومعيشة الناس في صدارة الأولويات، وأن تساند الأسر الأشد فقراً، وتحمي المنتجين، وتعيد تشغيل ما يمكن من الزراعة والتجارة، وتسهّل وصول السلع، وتواجه الاحتكار والتلاعب، حيث يثبتان.. كما عليها أن تصارح المواطنين بما تملكه من موارد، وكيف ترتب نفقاتها، وما فعلته لتخفيف أثر تراجع العملة وارتفاع الأسعار..

لا نطلب حلولاً سحرية، بل خططاً واضحة وإجراءاتٍ قابلة للقياس ومحاسبةً على التقصير.. المصارحة حقٌ للمواطن الذي يدفع ثمن الأزمة من طعامه وصحته ومستقبل أبنائه.

(6)

ولا يجوز أن نحصر المسؤولية في جهةٍ واحدة.. فالأطراف المتحاربة مسؤولة عن حماية المدنيين، وعدم تعريض مصادر الغذاء والمرافق للخطر، وتيسير وصول المساعدات.. والجهات الدولية القادرة على التمويل مطالبة بألا تترك المحتاجين رهينة نقص الإغاثة أو عراقيل الوصول.. كما أن وقف الحرب ضرورة لإنقاذ الاقتصاد وسبل العيش..

لكن تعدد المسؤوليات لا ينبغي أن يصبح باباً يهرب منه الجميع.. لا يتبادل المسؤولون الاتهامات فيما تنتظر الأسر وجبتها؛ فحق المواطن في الغذاء لا ينتظر تسويةً سياسية.

(7)

يا أهل القرار، تظهر قيمة الدولة حين تضيق الحياة على مواطنيها.. وكل تأخيرٍ في الاستجابة للجوع ثمنه من صحة الإنسان وكرامته وأمله.. لا يكفي أن نعدّ الجائعين؛ علينا أن نمنع زيادة أعدادهم ونساعد البيوت على تدبير يومها..

السودان يحتاج إلى مؤسساتٍ تجعل حماية الحياة أولويةً عملية، لا شعاراً.. وإذا كان الدولار قد صار حكايةً تتصدر الأسواق، فلتكن حياة الناس هي الحكاية التي تتصدر حسابات السلطة.. وإذا حصدت المسيرات والدانات الأرواح، فلا ينبغي أن يُترك الناجون لموتٍ بطيء اسمه الجوع.

مطر الحصو

في مجاعة الأمس، حمل الجائعون أجسادهم بحثاً عن الطعام؛ واليوم يفتش السودانيون بين الأسواق والبيوت ومراكز النزوح عن لقمة تحفظ الحياة.. اختلف الزمن، وبقي الدرس: حين تتداخل الحرب مع تعطل الرزق، يدفع الفقراء الثمن الأكبر..

الشعب السوداني لا يستحق أن يموت جوعاً.. لقد دفع من دمه ما يكفي، ومن عمره ما يفوق الاحتمال.

ومضة أفق الحرف

قد ينجو الإنسان من دانة سقطت قربه، لكنه لا ينجو من الجوع إذا تُرك وحده.. إطعام الناس ليس منّةً من السلطة؛ إنه من أول واجباتها..

توقيع أفق الحرف.. أفق يترفق باتساعه ليقول:” لا سلام يكتمل فيما يبحث الناس عن قوت يومهم”.

إنا لله ياخ..

الله غالب.

altaghyeer.info