خبر ⁄سياسي

حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها

نشر:آخر تحديث:
حرب إيران المؤجلة... من يملك قرار إشعالها

بين استعدادات عسكرية إسرائيلية لضرب إيران، وتحفظ أميركي مرتبط بالانتخابات النصفية، تزداد التساؤلات عمّا إذا كانت المنطقة أمام هدنة تفرضها الحسابات الانتخابية، أم فرصة أخيرة لتسوية سياسية.

وفي حين يتوقع باحث في الشؤون الاستراتيجية مواجهةً واسعةً بحلول نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، يقلل باحثان من تأثير نتائج الانتخابات في قرارات ترمب ونتنياهو، عادين الحسابات الاستراتيجية العامل الحاسم. والسؤال المطروح في واشنطن وتل أبيب لم يعد مقتصراً على احتمال تجدُّد الحرب مع إيران، بل بات يتعلق بتوقيتها وحدودها وأهدافها. فالتقارير عن إعداد إسرائيل حملة قصف واسعة ضد أهداف إيرانية، ثم إرجائها بسبب اعتراض الرئيس دونالد ترمب، تعيد طرح معادلة حساسة: هل تنتظر الحرب انتهاء الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، أم أن تأجيلها يعكس تبايناً أعمق حول جدوى التصعيد؟

وبالفعل، تكتسب هذه التساؤلات أهميةً مع اقتراب الانتخابات الأميركية والإسرائيلية، لكن آراء 3 خبراء أميركيين تكشف تبايناً بين التوقعات العسكرية والحسابات السياسية، لكنها تتقاطع عند نقطة أساسية: نتائج الانتخابات وحدها لن تحدد مصير المواجهة.

حرب تنتظر موعدها

كشفت صحيفة «فاينانشال تايمز»، الأربعاء، عن أنَّ نتنياهو أصدر تعليماته للجيش الإسرائيلي بإعداد حملة قصف واسعة ضد إيران، كان مقرراً تنفيذها في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، قبل إلغائها بعد اعتراض ترمب على استئناف العمليات قبل الانتخابات الأميركية.

وبحسب الصحيفة، شملت الخطة استهداف منشآت نووية وبنى تحتية مدنية، إضافة إلى مواقع تابعة للنظام. كما عرض مسؤولون إسرائيليون على وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، خلال زيارته غير المعلنة لإسرائيل الاثنين، قائمةً بالأهداف بالاستناد إلى معلومات استخباراتية جديدة.

وكان موقع «أكسيوس» قد كشف عن أن البنتاغون طلب استكمال الاستعدادات لعمليات عسكرية واسعة، من دون تحديد موعد لتنفيذها. ونقل عن مسؤولين أن هيغسيث وقيادة القوات الأميركية في المنطقة يدفعان باتجاه استئناف الضربات، بينما يفضِّل معظم مستشاري ترمب مواصلة العقوبات والضغوط الاقتصادية.

وتوحي هذه المعطيات بأن الخلاف يتعلق بتوقيت استخدام القوة ومدى الحاجة إليها، أكثر مما يتعلق بالأهداف النهائية. فواشنطن تريد انتزاع تنازلات إيرانية بشأن البرنامج النووي ومضيق «هرمز»، بينما تخشى إسرائيل أن يسمح استمرار المفاوضات لطهران بإعادة بناء قدراتها العسكرية.

سيناريوهات التصعيد

في تقدير أكثر تشاؤماً، يقول فرزين نديمي، الباحث المتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية الإيرانية في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، إن جميع المؤشرات تتجه نحو مواجهة عسكرية كبيرة تشمل الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، وربما دولاً إقليمية أخرى، بحلول نهاية نوفمبر.

ومع ذلك، لا يستبعد نديمي نجاح الجهود الدبلوماسية المكثفة لمنع التصعيد، لكنه يرى فرص نجاحها ضئيلة للغاية. ويطرح سيناريو يبدأ بموجة جديدة من عمليات استهداف القيادات ومراكز القيادة والسيطرة، تليها ضربات للمنشآت النووية والصاروخية والدفاعات الجوية، وصولاً إلى حملة قصف شاملة ضد المواقع العسكرية والأمنية الإيرانية.

ترمب يستقبل نتنياهو لدى وصوله إلى الجناح الغربي بالبيت الأبيض بواشنطن في سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

أما الانتقال إلى استهداف البنية التحتية ومنشآت النفط والغاز والبتروكيماويات، فيربطه بطبيعة الرد الإيراني. ويحذر نديمي من أن طهران قد تحاول هذه المرة بصورة أكثر جدية إغراق سفن حربية أميركية وإسقاط طائرات مأهولة، فضلاً عن استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى ذات مدى أبعد.

ويطرح احتمالاً أكثر خطورة يتمثَّل في توغل بري داخل الأراضي الكويتية أو السعودية انطلاقاً من العراق، باستخدام فصائل شيعية مرتبطة بالحشد الشعبي. ويبقى هذا الاحتمال سيناريو يطرحه الباحث، وليس مؤشراً مؤكداً إلى وجود خطة إيرانية لتنفيذه. وفي المقابل، يستبعد غزواً برياً أميركياً لإيران، مرجحاً أن تشبه المواجهة المقبلة حرب الأيام الـ39 السابقة.

حسابات واشنطن

لكن برايان كاتوليس، الباحث في شؤون السياسة الخارجية والمنطقة في معهد الشرق الأوسط، يقلل من أهمية نتائج الانتخابات في تحديد مسار الحرب. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن انتخابات التجديد النصفي لن تؤثر على الأرجح بصورة جوهرية في قرارات إدارة ترمب وإسرائيل بشأن إيران، لأن التهديدات التي تمثلها طهران ستبقى العامل الأساسي في تحديد الخطوات المقبلة. ويلفت إلى أن ترمب يمرُّ بأضعف مراحله السياسية خلال ولايتيه الرئاسيَّتين، مع تراجع شعبيته واحتمال خسارة الجمهوريين بعض مقاعدهم في الكونغرس.

صورة نشرها موقع «البرلمان الإيراني» من لقاء قاليباف وعاصم منير في طهران الثلاثاء

لكن ذلك لا يعني في رأيه، أن نتائج الانتخابات ستقيد قدرة الرئيس على التَّحرُّك عسكرياً، نظراً إلى الصلاحيات الواسعة للسلطة التنفيذية في قرارات الأمن القومي مقارنة بالكونغرس. ويحدد كاتوليس عاملين أكثر أهمية في حسابات الإدارة: النقص في بعض أنواع الذخائر والتجهيزات نتيجة المرحلة السابقة من الحرب، وما ترتب عليه من انكشاف أكبر للقوات الأميركية في المنطقة ومناطق أخرى، إضافة إلى التكلفة الاقتصادية لأي مواجهة جديدة.

وتكتسب هذه النقطة أهميةً مع استمرار التوتر حول مضيق «هرمز» وأسواق الطاقة، إذ قد يؤدي استئناف العمليات ضد المنشآت الإيرانية إلى اضطرابات إضافية في إمدادات النفط. أما إسرائيلياً، فيرى كاتوليس أن الخلافات بين القادة السياسيين تصبح أقل حدة عندما يتعلق الأمر بالتهديد الإيراني.

ما بعد صناديق الاقتراع

يذهب مايكل روبين، مدير تحليل السياسات في «منتدى الشرق الأوسط»، أبعد من ذلك، مستبعداً أن تحدث الانتخابات تغييراً في المعادلة السياسية الحاكمة لقرار الحرب. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن ترمب سيبقى صاحب القرار بغض النظر عمَّا يحدث في الكونغرس. بل إنه قد يشعر بحرية أكبر في اتخاذ قرارات عسكرية بعد الانتخابات، مع غياب استحقاق رئاسي جديد بالنسبة إليه.

أما في إسرائيل، فيرى روبين أن المعارضة الواسعة لنتنياهو لا تعني وجود انقسام مماثل بشأن إيران. فثمة، بحسب تقديره، توافق واسع بين المرشحين الإسرائيليين من اليمين واليسار على طبيعة التهديدات المرتبطة بإيران وحماس و«حزب الله».

ويطرح مفارقة لافتة: قد يتمكَّن رئيس وزراء إسرائيلي آخر من التحرك بفاعلية أكبر من نتنياهو، لأن اعتراض بعض أعضاء الكونغرس والدبلوماسيين ووزراء الخارجية الأجانب يتركز على شخصية نتنياهو أكثر مما يتركز على إسرائيل نفسها. وبذلك، فإن خسارة نتنياهو الانتخابات لا تعني بالضرورة تراجع احتمال المواجهة، تماماً كما أن تراجع الجمهوريين في الكونغرس لا يمنح السلطة التشريعية قدرة تلقائية على منع الرئيس من استئناف العمليات.

في المحصلة، تبدو الانتخابات عاملاً مؤثراً في توقيت المواجهة أكثر من كونها محدداً لأهدافها. فالتأجيل الذي فرضه ترمب لا يعني التخلي عن الخيار العسكري، كما أن استعدادات إسرائيل لا تعني أن قرار الحرب اتخذ نهائياً. وتبقى المفاوضات المسار البديل، رغم استمرار الخلاف حول التنازلات النووية وشروط إنهاء الحرب. وقد يزيل انتهاء الانتخابات أحد أسباب التأجيل، لكنها لن تزيل العوائق العسكرية والاقتصادية والسياسية.

ويبقى السؤال عمّا إذا كانت واشنطن ستستخدم استعداداتها العسكرية لفرض تسوية، أم ستعدّ فشل المفاوضات مبرراً لاستئناف الحرب. وفي الحالتين، سيكون قرار ترمب، لا نتائج صناديق الاقتراع وحدها، العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأزمة.

aawsat.com