السودان بعد الحرب: فجوة الموارد البشرية استيعاب الشباب ومهام الحكومة المقبلة

أمستردام- 22 أكتوبر 2026- راديو دبنقا
إن الخسائر التي أحدثتها هذه الحرب حتى الآن مهولة وغير محدودة في قطاع بعينه؛ فالملايين تشردوا خارج ديارهم أو خارج الوطن، وتوقف الإنتاج والمؤسسات الإنتاجية، واضطربت العملية التعليمية وفقد آلاف الطلاب فرصة مواصلة دراستهم. إضافة إلى ذلك، فقد الكثير من الشباب مصدر دخلهم من الزراعة التي تعثرت بسبب غلاء المدخلات وتأخر الأمطار وجفاف مشروع الجزيرة، كما يواجه العاملون في قطاع التعدين مهددات أمنية، بينما يُواجه العاملون في التجارة بالجبايات العالية وتهاوي قيمة العملة.
كيف يبدو مستقبل الشباب الآن؟ وما تأثير الحرب على الاقتصاد؟ وما هو تأثير نزيف الموارد البشرية على العملية الإنتاجية مستقبلاً وعلى إعادة الإعمار بعد توقف الحرب؟
كل هذه الأسئلة والخواطر وضعناها أمام البروفيسور حسن بشير محمد نور، أستاذ الاقتصاد السياسي بالجامعات السودانية، الذي تحدث لراديو دبنقا بهذا الخصوص.
توقف الأنشطة الاقتصادية
يقول البروفيسورحسن بشير إنه بحسب الإحصائيات، فإن 70% تقريباً من سكان السودان هم من شريحة الشباب، وعلى أقل التقديرات حوالي 67%. وبسبب النزوح الذي تسببت فيه الحرب وتوقف معظم الأنشطة الاقتصادية، حدثت أزمة كبيرة جداً أدت إلى تعطيل نحو 50% من الأعمال، كما أن البطالة الحالية لشريحة الشباب تتجاوز النسب العادية المألوفة.
وأوضح أن قياس حجم الأزمة لا ينحصر في أعداد العاطلين فحسب؛ فهناك فقدان للأدوات الإنتاجية بالنسبة للحرفيين والمهنيين بسبب الحرب -خاصة الذين يعملون في النشاط المهني الفردي- وتوقف للنشاط التجاري التقليدي، إضافة إلى وجود من فقدوا فرص التعليم، وفقدان أماكن الإقامة. أضف إلى ذلك تراجع القوة الشرائية، وتدهور قيمة العملة، وارتفاع تكاليف الإنتاج والتشغيل والجبايات عموماً، وكل ذلك يشكل ضغطاً كبيراً على رأس المال العامل ورأس المال البشري.
هجرة اقوى العاملة
وأضاف البروفيسور حسن بشير أن القوى العاملة في مختلف المجالات التي تعتمد على الجوانب الذهنية والمهنية والفنية قد نزحت أو هاجرت أو أخذت وضعية اللجوء خارج السودان، مما يشكل مشكلة كبيرة تؤثر على كافة القطاعات؛ كقطاع الزراعة الذي يعاني من نقص الأيدي العاملة وارتفاع تكلفة الوقود والمدخلات وتعطل التمويل.
وأوضح أيضاً أن قطاع التعدين والعاملين فيه يواجهون مخاطر كبيرة جداً بسبب النزاع المسلح وظروف العمل غير الآمنة وانعدام السلامة والصحة المهنية. كما تضررت قطاعات أخرى مثل الصناعات والخدمات والبنى التحتية (كالكهرباء والمياه والاتصالات والنقل)، وهي جوانب تضعف الفرصة بالنسبة للصناعات التحويلية التي كانت تعاني أصلاً قبل الحرب، مشيراً إلى تدمير منظومة العمل في هذا المجال بنسبة 70% حسب التقديرات العالمية.
وأشار إلى أن كل ذلك يسبب خسارة كبيرة في فرص العمل، وتعطلاً في سلاسل الإمداد، وتراجعاً في التدريب واكتساب المهارات.
وأن استخدام مفهوم “النزيف البشري” أو “نزيف الموارد البشرية” لا يقتصر على خروج الشباب في هذا الوضع الاقتصادي للبحث عن عمل في مكان آخر أو دولة أخرى؛ لأن المسألة أصبحت الآن بالنسبة لشريحة الشباب هي الفرار للنجاة بحياتهم والحصول على الأمان كحاجة أساسية أولية للإنسان.
وأوضح أن نزيف القوى البشرية يحدث وسط شريحة المهنيين من مهندسين ومعلمين وأساتذة جامعات وباحثين، مشيراً إلى مفارقة تحصل لمن هاجروا ولجأوا للخارج؛ حيث حصلوا على فرص تدريب وعمل ومهارات ودخل أفضل يمكنهم من دعم أسرهم وأهلهم بالتحويلات المالية، لكن ما يحدث للبلد بالمقابل هو عملية فقدان واسعة للمهارات والخبرات، وضياع للروابط المهنية والعلمية وتناقل الخبرات بين الأجيال المستقبلية، وهذا ما سيشكل مشكلة كبيرة.
ارتفاع نسبة الدين
وأشار كذلك في حديثه إلى أنه بحسب الأرقام الصادرة عن صندوق النقد الدولي، فإن السودان أُدرج كأكبر دولة مدينة في العالم نسبة للاتجاهات العامة؛ حيث تبلغ نسبة الدين 334% من الناتج المحلي الإجمالي، وهذه تكلفة يقع عبء دفعها على الأجيال القادمة. وإذا أضفنا إلى ذلك تعطل قوة العمل بسبب العامل البشري، مقرونة بتدهور التعليم والتعليم الجامعي والبحث العلمي، فإن السودان سيواجه فجوة كبيرة جداً في العمالة والقدرات بعد الحرب. ولكن ذلك لا يعني أن هذه النتيجة ستكون حتمية إذا تم تشكيل حكومة تستوفي المعايير بعد الحرب لكي تعيد التعافي الاقتصادي.
ضرورة وقف الحرب
وأوضح البروفيسور حسن بشير أن الشروع في مسألة العمل الممنهج من قبل الحكومة القادمة مربوط بوقف الحرب، والأمر برمته على درجة عالية من الصعوبة؛ بسبب الفجوة في العمالة الماهرة في مجالات مثل الكهرباء والعمارة والميكانيكا، والفجوة في المهن الوسيطة مثل البناء والمواصلات والنقل والصناعات الغذائية، وكذلك المجالات المهنية مثل المجال الصحي ومجال تكنولوجيا وتقنية المعلومات. مضيفاً أن كل هذه المجالات ستواجه فجوة في التدريب والإحلال المهني، وأن خيار استجلاب عمالة أجنبية بشكل عام غير متوفر؛ بسبب انخفاض الموارد النقدية للسودان لمواجهة تكاليف فاتورة العمالة الوافدة.
وأكد البروفيسور حسن بشير في حديثه لـ “دبنقا” أن وقف الحرب وبدء عملية إعادة الإعمار يتطلبان إعادة الذين ذهبوا للخارج ممن توفرت لهم الفرص للدراسة والتدريب واكتساب المهارات اللازمة، ضمن برامج محددة ومدروسة تضمن المساهمة الفعالة لهذه الشريحة في العملية. كما أكد الحاجة العاجلة لوقف الحرب وتحقيق السلام واستعادة الاستقرار بواسطة حكومة مستوفية للمعايير، مشيراً إلى أن معظم الذين يحملون السلاح هم من شريحة الشباب الذين يبحثون عن العيش وانخرطوا في عملية الاستجابة للتجنيد كجزء من “اقتصاد الحرب” الذي نشهده الآن.
وأضاف أن المطلوب هو وضع حزمة كاملة لإعادة تأهيل الشباب وتوفير فرص العمل لهم وتدريبهم من أجل تحقيق ما يسمى بـ “السلام الاقتصادي”، الذي يتطلب تحويل الشباب من قوة معطلة أو مضطرة لحمل السلاح أو الهجرة، إلى قوة منتجة تشارك في بناء الاقتصاد وبناء السلام نفسه؛ لأن السلام مرتبط بالتنمية وبالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والأمان والاستقرار الاقتصادي والأسري والنفسي، وهي اللبنات الأساسية للاستقرار السياسي.
dabangasudan.org