خبر ⁄سياسي

صبير.. أين يكمن الجمال في مفاجآت الحرب

نشر:آخر تحديث:

أفق الحرف

أحمد عثمان جبريل

صبير.. أين يكمن الجمال في مفاجآت الحرب؟

❝ليس كل انتصارٍ في حسابات الحرب انتصاراً للوطن، وليس كل عائد إلى صفوف الجيش عائداً بحقوق ضحاياه.. فالجمال الذي لا تراه العيون المكلومة، يحتاج إلى مراجعة قبل أن يُحتفى به❞

تقول الحكاية: بعد الحرب العالمية الثانية، واجهت محاكمات نورمبرغ العالم بحقيقةٍ ثقيلة: لا تُمحى المسؤولية الفردية لمجرد أن صاحبها كان يرتدي زياً عسكرياً، ولا تصبح الأوامر حصانةً تعفي من ارتكب جريمةً من الحساب.. كان العالم في ذلك، يحاول أن يقول إن إنهاء الحرب ضرورة، لكن السلام الذي يتجاهل العدالة قد يترك بذور الحرب القادمة في الأرض ذاتها.

ومن هنا يبدأ سؤالنا للسودان.. حين يعود الرجال من جبهات القتال إلى صفوف الجيش، هل تنتهي الحكاية بعودتهم، أم تبدأ حكاية أخرى عنوانها: من يحاسب، ومن يعفو، ومن يملك حق تقرير مصير الضحايا؟

(1)

نشر الزميل ضياء الدين بلال على صفحته بفيسبوك، أنه سأل الفريق محمد علي أحمد صبير، قائد الاستخبارات العسكرية، عمّا إذا كانت عمليات استقطاب قيادات قوات الدعم السريع لا تزال مستمرة، فنقل عنه جواباً مقتضباً: (أجمل المفاجآت لم تأتِ بعد) وقد سبقها صبير بضحكة نصفها غموض.. عبارة قائد الاستخبارات العسكرية، تفتح أبواب التأويل.. لكن السؤال الذي يستحق أن يتقدم على كل تأويل:” أين يكمن الجمال في مفاجآت الحرب؟”.

(2)

إن كان المقصود نجاح الاستخبارات في استقطاب قيادات من الطرف الآخر، فذلك قد يُقرأ مكسباً في ميزان العمليات العسكرية.. لكن الوطن لا يُقاس بميزان واحد؛ فثمة ميزان آخر لا يعرف رتب الرجال ولا عدد المنشقين، بل يسأل عن القرى الآمنة، والبيوت التي يعود إليها أهلها، والأمهات اللاتي ينتظرن أبناءهن، والرصاص الذي يتوقف عن تمزيق أجساد السودانيين، والمسيرات التي تتساقط في المواقع الاستراتيجية والدور  البيوت.. ما قيمة المفاجأة إن عرفتها غرف العمليات، ولم يشعر بها طفل يبحث عن الأمان؟

(3)

لقد شهدت الساحة عودة أو انتقال أسماء من بينها كيكل، والنور قبة، وإبراهيم بقال، والسافنا، وغيرهم كثر، ولكل حالة ظروفها وتفاصيلها التي ينبغي ألا تُختزل في رواية واحدة.. لكن تعدد الحالات يفتح باباً مشروعاً للسؤال:( هل جرى استقطاب هؤلاء بعد انخراطهم في الحرب، أم كانت لبعضهم صلات أو ترتيبات سابقة مع الجيش؟).. لا يجوز تحويل الاحتمالات إلى حقائق، ولا تعميم رواية على الجميع؛ لكن من حق السودانيين أن يعرفوا ما الذي جرى، وكيف جرى، وما الذي ترتب عليه.

(4)

فإذا كان بعض العائدين يقولون إنهم كانوا يعملون لمصلحة الجيش من داخل الدعم السريع، فالسؤال يصبح أثقل من ضحكة عابرة لصبير: كيف تُدار مثل هذه العمليات؟ وما الأدلة التي تثبت طبيعة الأدوار المنسوبة إلى أصحابها؟ وإذا كان بعضهم قد شارك في صفوف الدعم السريع خلال حربٍ أوقعت القتلى وشرّدت الناس ودمّرت الممتلكات، فهل تكفي رواية العمل السري لتفسير ما حدث، أو لإسقاط المسؤولية عن أفعال ثبتت بالأدلة؟ وإن كانت العودة قد تمت بعد ذلك، فما الذي تغيّر في الموقف، ومن يملك الإجابة أمام الضحايا؟

(5)

ثم ماذا ينتظر العائدون؟ هل يعود بعضهم إلى صفوف الجيش فحسب، أم سيبقوا  على قواتهم على غرار ما تم مع كيكل والنور قبة، أم تُمنح لهم رتب ومواقع في الجيش وامتيازات؟ لا نملك أن نجزم بشروط كل حالة دون وثائق، لكننا نملك أن نطالب بالشفافية.. فالرتبة العسكرية لا ينبغي أن تكون مكافأةً على حساب الدم، كما فعل مع كيكل وغيره، والانضمام إلى الجيش لا يمحو تلقائياً مسؤوليةً تثبتها المحاكم.. أما العفو، فله أحكامه وحدوده وأصحابه؛ لا يملك فردٌ أن يتنازل نيابةً عن كل ضحية، ولا تستطيع صفقة سياسية أن تجعل حقوق الناس غنيمةً يتقاسمها المنتصرون.. فالعفو الذي لا يملكه صاحبه ليس عفواً.. وحقوق الضحايا ليست غنيمة حرب.

(6)

وفي المقابل، تبرز مفارقة سياسية لا يجوز تجاوزها، او القفز فوقها.. فقد فتح الفريق البرهان، في حديثه بوادي حلفا أمس، الباب أمام السودانيين الراغبين في العودة والسلام والحوار، لكنه استبعد عودة حمدوك وتحالف (قحت) إلى الحكم.. وهنا لا يتعلق السؤال بحق جهة بعينها في السلطة، بل بالمعيار الذي تُفتح به الأبواب وتُغلق.. إذا كانت العودة من الحرب مدخلاً للتسوية، فلماذا يُعامل حمل السلاح باعتباره طريقاً إلى القبول، بينما يُضيَّق المجال على قوى مدنية؟ قالت منذ الطلقة الأولى(لا للحرب) وفي المقابل، لا تمنح العودة العسكرية أحداً حقاً تلقائياً في حكم البلاد.. المعيار العادل هو القانون والمساءلة وحق السودانيين في اختيار من يحكمهم، لا قرب الشخص من البندقية أو بُعده عنها.

(7)

هنا تبلغ الحرب (عبثها) الأشد مرارة: رجالٌ يتبدلون بين المعسكرات، وأسماءٌ تُقدَّم باعتبارها مفاجآت، ومواطنٌ لا يعرف متى يعود إلى داره، ولا كيف يطعم أبناءه، ولا أي سماءٍ ستمطر عليه غداً.. ويوم أن وصف البرهان الحرب نفسها بالعبثية؛ لم يبلغ عبثها هذه (الشدة) لكن العبث لا ينتهي بتبديل المواقع، بل حين تتوقف آلة الموت ويُستعاد الوطن من قبضة السلاح.. إن الرسالة إلى الضباط والجنود والمقاتلين، وإلى الواقفين على حافة المشهد، أن أعظم الانتصارات ليس أن تكسب طرفاً إلى صفك، بل أن تكسب البلاد فرصةً للحياة.. فالسودان لا يحتاج إلى مفاجآت ترفع سقف التوقعات ثم تترك الناس في المكان نفسه؛ يحتاج إلى قرارٍ يوقف الحرب، ويحمي المدنيين، ويحاسب من تثبت مسؤوليته، ويفتح طريقاً إلى دولة لا تُدار بالغلبة.

مطر الحصو

قد تحمل عبارة صبير مفاجآت ذات وزنٍ عسكري، وقد تكون وراءها حسابات لا نعرف تفاصيلها.. لكن من حق الوطن أن يسأل قبل أن يصفق، ومن حق الضحايا أن يسألوا قبل أن يُطلب منهم النسيان.. فعودة قائد قد تغيّر ميزان معركة، أما عودة السلام فتغيّر مصير شعب بأكمله.. وبين الأمرين مسافةٌ لا تقطعها التصريحات ولا تختصرها الضحكات؛ تقطعها البنادق حين تصمت، والعدالة حين تقوم، والدولة حين تعود ملكاً لمواطنيها جميعاً.

ومضة أفق الحرف

فليكن النقل أن المفاجأة القادمة قد تكون كوبرا، أو عثمان عمليات، أو عبد الرحيم دقلو، أو حتى حميدتي نفسه.. ولكن، أيُّ جمال سيلفُّ الوطن بعودة واحد من هؤلاء؟ .. هل يعود معهم الأمن والأمان والاستقرار والرخاء؟ هل تصمت البنادق، وتتوقف المسيرات، وتُطوى دفاتر الموت والنزوح، ويعود السلام إلى البيوت التي أرهقتها الحرب؟

إن كانت المفاجأة القادمة ستوقف الحرب، وتحقن دماء السودانيين، وتعيد للناس حقهم في الحياة، بعودة واحد من هؤلاء القادة أو جميعهم، فحينها لن تكون مفاجأة جميلة فحسب، بل ستكون أجمل من الجمال نفسه.. أما إذا عاد الرجال، وظلت الحرب في مكانها، فما الذي تغيّر سوى الأسماء والمواقع، وما الذي ربحه الوطن غير مفاجأة جديدة في دفتر الخسارات؟ والنصف المتبقي من ضحكة صبير.

توقيع أفق الحرف..

أفق يترفق باتساعه ليقول: ليست أجمل المفاجآت أن يعود الرجال إلى مواقعهم القديمة، بل أن يعود الوطن إلى أبنائه، وتعود العدالة إلى ضحاياها، ويعود السلام إلى أرضٍ طال انتظارها.. فالسودان أكبر من القادة، وأبقى من المعسكرات، وأحق بالحياة من كل حسابات الحرب.

إنا لله ياخ..

الله غالب.

altaghyeer.info