في ذكرى أكتوبر.. يوميات الثورة في الشعر والفنون

في ذكرى أكتوبر..
يوميات الثورة في الشعر والفنون
جابر حسين
جامعتان كانتا في حلم الثورة، في شعرية المعنى: هما جامعة الخرطوم، المنارة التي اندلع منها بالذات لهيب الثورة، ليلة تلك الندوة السياسية ذات العنفوان التي في معمعانها أستشهد القرشي أول وأنضر شهداء الثورة الباسلة، ليكون، من بعد، طوفان الثورة الذي هدم صروح الديكتاتورية. ثم جامعة القاهرة فرع الخرطوم التي شكلت سندًا وعضدًا للثوار في نهوضهم الأول حتى تكرست للثورة الحشود الهادرة التي لم يوقف مسيرها إلا الانتصار. كان الشعر حاضرًا فيهما، ملهمًا ومحرضًا على الثورة، كان فيهم الشعار والساعد والرؤيا، وكان الحلم فجرًا يلوح بالخلاص، لهذا نهضت الفنون كلها لتكون في صف الشعر، في وجهة نهوض الحلم الذي سيصبح واقعًا تجلى في ملاحم وملامح أيام الثورة كلها. لقد بات من المعلوم أن الفنون جميعها التي نقلت ينابيع قدراتها إلى الأرض قد شهدت على مر التاريخ الإنساني إنها يتوجب عليها أن تكون في صف الجماهير، في وسطهم وتعمل لأجل سعادتهم وكرامتهم وحرياتهم وتغني، معهم، للغد الذي سيكون جميلًا مثلما هو في شروق آمالهم وأشواقهم المزهرة. فقط لا يختلف الناس في أنه لا ينتقص من قيمة الجمال أن يخدم الحرية، وأن يعمل على تحسين حال الجموع البشرية، وإن الشعب المتحرر ليس قافية رديئة، فالجدوى الوطنية أو الثورية لا تنتزع شيئًا من الشعر، على قول فيكتور هوغو. فالثوري، الذي هو أيضًا فنان وشاعر يؤمن أنه يومًا بعد يوم يفسح الشقاء والبؤس مكانه للفجر. فلا يمكن للإنسان، الذي هو القيمة الأعلى في الوجود أن ينكر قيمة عواطفه مهما بدأ من قلة جدواها في عمليات الإنتاج، أو من مخالفتها أحيانًا للروح الاجتماعية. لقد قام الشعر، في نهوضه الجسور، بصناعة رايات ثورة أكتوبر وصياغة ملاحمها الباسلة وعضد النضال ضد الديكتاتورية وقدم أدواته كلها لتكون في معية معاول التغيير، لقد كان صانعًا- من بين كل صناع الثورة- لملامح المستقبل في وجدان شعبنا. أقول بكل ذلك عن شعرية الثورة، في المعنى والدلالة، ولا أغفل بالطبع تلك العوامل المشهودة في مسار الثورة من تحشيد منظم لقوى الثورة والديمقراطية في اصطفافها خلف رايات الثورة وشعاراتها وتكريس النضال جملة حتى غدا الجوهر من ديناميكية الثورة ومساراتها جميعها، والدور البالغ الأهمية لقوى التغيير الحضرية “التي كانت بحق وقود الثورة وشعلتها. ويبقى السؤال: ماذا بقي في ضمير شعبنا من تلك الثورة الرائدة؟
• دروس الثورة:
رغم الإخفاقات الموضوعية التي أعقبت انتصار الثورة، فقد غدت، كما يقول د. محمد محمود، “مرادفة في الوعي السياسي للسودانيين للتخلص من استبداد الأنظمة العسكرية وتحقيق الديمقراطية، ورغم خيبة الأمل التي أعقبتها فإن قيمتها كأهم حدث ملهم بعد الاستقلال تبقى حية وملهمة”.
“و… لسه بنقسم يا أكتوبر
لما يطل في فجرنا ظالم”…
من جملة دروس أكتوبر، قد ظل تحريض الشعب على الثورة ضد الطغيان درسها المهم والأساس، مقدمة نضالية متوهجة في وجدان الشعب وقيمة عالية وملهمة في مسيرة شعبنا صوب التحرر والتقدم والديمقراطية والسلام. والقصيدة قد غدت سجلًا حافلًا بتلك القيم النبيلة للثورة. فلم يغفل، إلا القليل الذي لا يأبه به، ذكر مآثر الثورة والتغني بأمجادها وقيمها التي ترسخت، من بعد، في ضمير شعبنا، نبراسًا ينير الدروب ويلهم الشعوب و… يناديها صوب المستقبل. كانت، إذن، أكتوبر حاملة الآداب جميعها والفنون في تنوعها إلى وجهة المستقبل. وكم سعدت حين رأيت الأستاذة الشيوعية النابهة ثريا محمد سعيد تشرع في إعداد دراستها لنيل الماجستير عن “الإكتوبريات”، وبشغف المحب الذي يأمل أن يرى سجلًا شعريًا وفنيًا وافرًا لأكتوبر، ظللت أتابع خطواتها وهي تعد تلك المأثرة غير المسبوقة في التوثيق، بوجوه الشعر الأكتوبري عند محجوب شريف، وحميد، والقدال، وكجراي، ومحمد محي الدين وغيرهم وغيرهم وهي، أيضًا، تلتقي بكمال الجزولي، وبكمال عبد الكريم ميرغني، وبمحمد المهدي بشرى، وهم من المعدودين في ذاكرة الثورة ولهم فيها مآثر مكتوبة، وليتها تكون في لقاء محمد المكي إبراهيم، وصاحبي الجميل مبارك بشير، ومبارك حسن خليفة، وتستكمل سجلها الإبداعي فتلتقي أيضًا هاشم صديق، وفضل الله محمد، والطاهر إبراهيم وغيرهم، وتتعرف على الأشعار الأكتوبرية لدى عبد المجيد حاج الأمين، والطاهر إبراهيم، ومصطفى سند، ومحجوب سراج، ومحمد يوسف موسى وغيرهم، ثم إلى حداة الثورة من المغنين، محمد الأمين وأبو عركي الذي كتب بنفسه عن الثورة وتغنى بها، والكابلي وأم بلينا السنوسي، وصلاح مصطفى، وخليل إسماعيل، فلم يتأخر عن ركب الثورة من الشعراء والفنانين إلا من تنكب طريق الثورة فغدا في العميان الذين لا يرون من الوطن والشعب إلا السهى واللغو البعيد عن جادة الحياة. نعم، كانت أغاني الثورة وأناشيدها تزحم الأفق بالألق المشع وبالحماسة وحب الوطن، كان المسرح حاضرًا، التشكيل كان حاضرًا، الموسيقي والغناء حاضران، وبجانب الشعر، وهو في تجليه العالي، علينا أيضًا أن نبحث عن وجوه وملامح أكتوبر في القصة والرواية، فتلك الأعمال جميعها، الأدبية والفنية، منها ما كتب قبل الثورة، فكانت إرهاصًا ونبوءة إليها، ومنها ما كتب إبَّان عنفوانها وتجلياتها وهي قيد الانتصار، ثم منها ما كتب بعد انتصارها المجيد، لا بد، إذن، لا بد من السعي لإعداد درس وتقص ليكون “سجلًا” حافلًا لتجليات ثورة أكتوبر في حقول الآداب والفنون جميعها، سجلًا جليلًا يكون حاضرًا لأحد أهم الأحداث على مر تاريخنا المعاصر. رائعة ود المكي ووردي الخالدة، وجهًا وسجلًا للثورة المجيدة تعد إلى جانب رصيفاتها من الأناشيد الملهمات، من التاريخ الشعري للثورة جليلة القدر في إفصاحها عن يوميات الثورة:
“باسمك الظافر ينمو في ضمير الشعب
إيمانًا وبشرى
وعلى الغابة والصحراء يمتد وشاحا
وبأيدينا توهجت ضياء وسلاحا
فتسلحنا بأكتوبر،
لن نرجع شبرا
سندق الصخر حتى يخرج الصخر لنا
زرعًا وخضرة
ونرود المجد حتى يحفظ الدهر لنا
اسما وذكرى..
باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغني
والحقول اشتعلت،،
قمحًا ووعدًا وتمني..
والكنوز أنفتحت،،
في باطن الأرض تنادي
باسمك الشعب انتصر…
حائط السجن انكسر
والقيود انسدلت جدلة عرس في الأيادي..
كان أكتوبر في أمتنا منذ الأزل
كان عبر الصمت والأحزان يحيا
صامدًا منتصرًا
حتى إذا الفجر أطل
أشعل التاريخ نارًا فاشتعل..
كان أكتوبر في غضبتنا الأولى
مع المك النمر
كان أسياف العشر
ومع الماظ البطل
وبدم القرشي…
حين دعاه القرشي
حتى انتصر”…
التحية والمجد لأكتوبر، ولشعبنا “المعلم” في ذكرى ثورته الخالدة الملهمة..
altaghyeer.info